الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

أزمة مياه العراق: موسم الهجرة إلى الكارثة (1)

أزمة مياه العراق: موسم الهجرة إلى الكارثة (1)

تتوقع المؤشرات المائية العالمية، وأبرزها “مؤشر الإجهاد المائي”، أن العراق سيكون أرضا بلا أنهار بحدود 2040، ولن يصل النهران العظيمان إلى المصب النهائي في البحر. وبعد ثمانية أعوام (2025) ستكون ملامح الجفاف الشديد واضحة جدًا في عموم العراق، مع جفاف كُلي لنهر الفرات باتجاه الجنوب، وتحول دجلة إلى مجرد مجرى مائي صغير محدود الموارد.

تركيا: رافدان لا يصلان البحر

تروج الحكومة العراقية الحالية، بخصوص أزمة المياه الرهيبة التي ستضرب البلاد خلال العقد المقبل، أنها مرتبطة ببدء تشغيل سد “إليسو” التركي، وأنها نجحت بـ”منع” التشغيل حتى حزيران/ يونيو بدلًا عن آذار/ مارس المقبل، لضمان سيولة مائية تخفف من صيف لاهب بشّر به العراقيين وزير الموارد المائية، من دون الإعلان عن الإجراءات الوقائية التي ستتخذها وزارته، فيما يستمر استهلاك المخزون المائي الضعيف عند معدلات الهدر العالية من دون انخفاض، ويستمر التعامل غير المسؤول مع الأزمة وكذلك التعمية الدعائية. ولم تتوجه حملة حكومية إلى الرأي العام للتعريف بالمخاطر الكارثية للازمة، وضرورة الترشيد إلى الحد الأقصى تلافيًا لـقحط مائي، قد يتسبب بحرب دامية في المناطق الزراعية بين العشائر على حصص المياه المتناقصة.

السلطة الجديدة في بغداد، التي مضى على حكمها 15 عامًا، فشلت في إدارة ملف المياه”

عمليًا، وحين كانت القيود المائية أقل وطأة من قبل تركيا وإيران تجاه العراق، كانت التدفقات تصل إلى 77 مليار متر مكعب في السنوات المعتدلة مائيًا، وفي السنوات الجافة ينخفض إلى 44 مليارًا. وقياسًا بالمؤشرات، فإن العراق لم يتعرض إلى نوبة جفاف مفزعة إلا في مطلع الستينات من القرن الماضي بتدفق 30 مليار متر مكعب، انتهت بوصول المعدلات إلى 84 مليارًا منتصف السبعينيات من القرن الماضي. استخدم العراق التهديد بالقوة ضد تركيا ثلاث مرات لإجبارها على ضمان حصته المائية من دون تجاوز. وعلى الرغم من التوترات الدائمة بين بغداد وأنقرة بشأن المياه، واحتفاظ كلا الجانبين بأكثر من 40 مذكرة واجتماع وبرتوكول، إلا أن المرتين الوحيدتين اللتان توصلا بها إلى اتفاق مجدٍ كانتا في 1946 ثم في 1982، وهو الاتفاق الذي ظل ساريًا التنفيذ بضم الطرف السوري بما يخص تدفق مياه الفرات. وفيه حددت الحصص المائية دون اعتبار لمتغيرات المستقبل السكانية ومشاريع الاستصلاح وارتفاع فاتورة الاستهلاك.

وفقًا لذاك الاتفاق “الثابت”، ضمنت تركيا تدفقًا لمياه الفرات بـ15.75 مليار متر مكعب بمعدل 500 متر مكعب في الثانية. وبحلول العام 1990 توصلت بغداد ودمشق إلى اتفاق تقاسم مياه منصِف بينهما، يضمن حصول العراق على 58 في المائة -9 مليار م3 سنويًا– مقابل 42 في المائة لسوريا، فارتفعت المناسيب العراقية قياسيًا في العام 1991. وبعد مُضي ربع قرن، وسط متغيرات وانقلابات عنيفة في المنطقة، لم تُبرم تركيا والعراق وسوريا أي اتفاق جديد لتوزيع الحصص. ومع انهيار سلطة بغداد السابقة في 2003، وتداعي سلطة دمشق منذ 2011؛ انفردت أنقرة بقرار المياه من دون رادع، وصولًا إلى سياسة استعمار المياه ببناء مشروعات ضخمة تمثلت بنحو 1700 سد وبحيرة صناعية، بدءًا من “أتاتورك” إلى “إليسو” و”سيرز” ومجمل برنامج (GAP) الضخم، الذي يستهدف التعامل مع “المُشكلة الكردية” داخليًا، ونزع التوتر بمنطقة جنوب شرق الأناضول على حساب الأمنين المائي والغذائي العراقي والسوري.

تهدد المشروعات التركية العراق إلى الحد الذي يمكن اعتباره “إعلان حرب”؛ نظرًا للسياسة العدائية المطبوعة باستغلال ضعف الدولة العراقية، فضلًا عن التدخل العسكري المباشر في الأراضي العراقية من دون أي اعتبار لسيادة البلد. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تهدد فيها تركيا العراق مائيًا، ففي أزمة 2009، حين اُنقصت الحصة المائية؛ بقيت الاجتماعات الثنائية التي عقدت آنذاك مضيعة للوقت، مع استمرار إصرار تركيا على التحكم بحجم الاطلاقات وفقًا لاحتياجات مشروعاتها.

“بغداد ظلّت غير آبهةٍ بالتحديات التي تعتمل على الأرض وتتسبب بكارثة وطنية لها مردوداتها الاقتصادية والاجتماعية”

يحاول الأتراك التغطية على حجم الكارثة المستقبلية المتعاظمة بتوجيه الأنظار العراقية للتركيز خصوصًا على “سد إليسو”، الذي يقع قرب نقطة التقاء الحدود التركية مع سوريا والعراق، (Ilisu – وقد أغرق منطقة كردية تحوي آثارًا بالغة القدم والأهمية، مما دفع الأمم المتحدة في 2008 إلى الكف عن المساهمة في تمويله، وتسبب بنزوح 60 ألف شخص عن قراهم التي أغرقت بالمياه). مع إتمام “اليسو” في 2016، الذي يرتفع نحو 135 مترًا، مشكلًا بحيرة صناعية عملاقة بسعة خزنية تصل إلى 11.40 مليار متر مكعب، تنخفض واردات نهر دجلة إلى العراق إلى 9.7 مليار متر مكعب من أصل 21.33 مليار متر مكعب. وحين يكتمل مشروع GAP بـ22 سد وبحيرة، ستقل إطلاقات نهر الفرات بنسبة 80 في المائة، ما يعني جفافًا حتميًا وإجهادًا مُدمرًا للمياه في العراق، مع معدل استهلاك مائي متنامٍ قدر بـ53 مليار متر مكعب في العام 2012، تبتلع جزأه الأكبر الزراعة، بنسبة 79 في المائة، فيما يستحوذ الإمداد المنزلي على 6.5 مليار متر مكعب، والجهد الصناعي على 14.5 مليار متر مكعب. أما إنتاج الطاقة الكهربية فيهدر نحو 17 في المائة منه، وفقًا لتقديرات العام 2005. ومع نشاط عمليات الاستخراج النفطي المحمومة وزيادة الإنتاج، يقدر حجم الهدر والحقن المائي بنحو 1.8 مليار متر مكعب سنويًا. وتشير التقديرات أن الحاجة المائية المستقبلية للعراق ستبلغ نحو 77 مليار متر مكعب، لن يُمكن تأمين نصفها خلال الأعوام العشرة المُقبلة.

السلطة الجديدة في بغداد، التي مضى على حكمها 15 عامًا، فشلت في إدارة ملف المياه، وهي لم تُحرز تقدمًا على الرغم من أوراق الضغط والمناورة والتفاوض المُتاحة. الاتفاق الثلاثي، التركي ــ السوري ــ العراقي، يحدد معدل لتدفق الفرات عند 500 متر مكعب في الثانية، وقد تلاعبت أنقرة مجددًا بالاتفاق في ظل تصعيدها مع بغداد ودمشق، وقلّصت التدفق إلى 260 مترا مكعبا في الثانية منذ العام 2014، متذرعة بفرضية استفادة تنظيم “داعش” من كمية المياه الواصلة إلى سدود ظلت تحت سيطرته لأكثر من عامين، وقدرته على تفجيرها، وبالتالي التسبب بفيضان عارم، لاسيما مع التهديدات الجدية بانهيار سد الموصل. لكن حتى بعد انحسار الخطر الإرهابي، لم تُغيّر أنقرة من سياستها المائية. ويكشف مدير مشروع سد الموصل أن مناسيب “دجلة” باتت الآن (أواخر 2017) أقل بـ50 في المائة من السنة الفائتة، حيث بلغت 240 مترا مكعبا/ ثانية، وفي كانون الأول / ديسمبر الماضي انخفض إلى 120 مترا مكعبا/ ثانية.

بغداد ظلّت غير آبهةٍ بالتحديات التي تعتمل على الأرض وتتسبب بكارثة وطنية لها مردوداتها الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرها المباشر على الأمن، وسط فوضى السلاح واستعماله اليومي من قبل العشائر في تصفية نزاعاتها، فضلًا عن مخاطر انفلات الاستقرار بالمناطق المحررة نتيجة انعدام الزراعة واستفحال العطالة هناك وعجز الحكومة عن التعامل معها.

المصدر:السفير العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات