الأحد 23 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

إيران ومياه العراق: طرائق في الخنق.. الجزء الثاني (2)

إيران ومياه العراق: طرائق في الخنق.. الجزء الثاني (2)

توقع المؤشرات المائية العالمية، وأبرزها “مؤشر الإجهاد المائي”، إن العراق سيكون أرضًا بلا انهار بحدود 2040، ولن يصل النهران العظيمان إلى المصب النهائي في البحر. وبعد ثمانية أعوام (2025) ستكون ملامح الجفاف الشديد واضحة جدًا في عموم العراق مع جفاف كُلي لنهر الفرات باتجاه الجنوب، وتحول دجلة إلى مجرد مجرى مائي صغير محدود الموارد. بعد جزء أول يخص تدابير تركيا، هنا جزء ثانٍ يخص إيران..

يواجه العراق تناقصًا سريعًا ومضطردًا بموارده المائية. فخلال العقود الثلاثة الأخيرة خسر ما يوازي نصف معدل المياه التي كان يتمتع بها خلال النصف الأول من القرن المنصرم. وفي السنوات العشر الأخيرة خسر نحو 80 في المائة من المياه المتدفقة إليه من إيران بعد قطعها نحو 35 رافدًا رئيسيًا وفقًا للجنة الزراعة والمياه النيابية العراقية. وقد أشارت اللجنة إلى أن المتبقي هو سبعة روافد إيرانية، وأن طهران بصدد بناء نواظم وسدود جديدة عليها.

إيران، وبخطوة أحادية، غيّرت مسار أهم رافدين هما “الوند” و”الكارون”، ما أضرّ كثيرًا بالمساحات الزراعية الواسعة في البصرة (جنوب) وواسط (جنوب شرق) وديالى (شمال شرق). ويؤكد مجلس محافظة واسط أن “الإيرانيين يماطلون في المفاوضات ويتحججون بالجفاف وقلّة الأمطار، أما التنسيق فهو مجرد وعود لا تطبّق في الواقع”.

تسعى طهران إلى بناء سدود وأنفاق وتغيير مجرى أنهار وروافد بحرفها إلى داخل أراضيها”

في العام 2011 أقرت الحكومة الإيرانية مشروعًا لبناء 152 سدًا، بعضها للتحكم و”استنقاذ” المياه الداخلة إلى العراق، لاسيما الروافد والأنهر، فيما الحكومة المركزية العراقية، وعلى الرغم من التجاوزات المائية الإيرانية وتسببها بحصار مائي خانق على الأراضي الأساسية والمواسم الزراعية، لم تشتكِ من السلوك الإيراني وفقًا للاتفاقيات الدولية التي تنظم التدفق المائي بين البلدان، وظلت الاجتماعات الخجولة التي عقدتها بغداد مع طهران بهذا الشأن حبيسة الأوامر السياسية التي تشدد على تقديم التسهيلات الكبيرة والتطبيع الكامل. ونيابيًا، فغالبًا ما يتم تجنب الإشارة إلى الأضرار الإيرانية وتحميل المسؤولية كاملة لأنقرة في حرمان العراق من المياه العذبة. وفي الوقت الذي تعقد فيه اجتماعات متكررة ودائمة مع مسؤولين إيرانيين، لرفع التبادل التجاري أو التنسيق السياسي، لا يتم التطرق لمشكلة المياه.

عداء مائي وحب سياسي

تعود آخر اتفاقية عراقية- إيرانية لترتيب الوضع المائي إلى “اتفاقية الجزائر” (1975) التي ألغيت في العام 1980 (من طرف العراق بعد سقوط الشاه) فأشعلت حربًا مدمرة، وأعيد العمل بها مجددًا بعد انتهاء الحرب، كاتفاقية وضع نهائي تحتاج إلى لمسات تعديل وفقًا لمنطق الضعف العراقي والقوة الإيرانية. وبالمحصلة فهي لم تستعد واعتبرها رئيس الجمهورية السابق جلال طالباني ملغاة (فهي “وقعت بين صدام والشاه وليس بين العراق وإيران” على حد قوله!!)، فاستغلت إيران ذلك في ظل الضعف العراقي لفرض سياستها بسهولة على مجمل المصالح المشتركة في الشريط الحدودي من ماء ونفط وأراضي.

وقد عمدت السلطات الإيرانية، وفي ذروة التصعيد الحاصل بين بغداد وإقليم كردستان إبان أزمة الاستفتاء على انفصال المنطقة الكردية عن العراق العام الفائت، إلى قطع رافد “الزاب الكبير”، أكبر الشرايين المغذية لدجلة، ويمتد 402 كم داخل الأراضي العراقية بمعدل 30 ألف م3/ ثا، عقوبة سياسية برضا بغداد التي لم تعترض على الفعل الإيراني. وأرجعت طهران التدفق إلى الرافد مجددًا عقب إجراء الاستفتاء، ولاحظ المختصون أنه كان أقل من التدفق الطبيعي السابق.

“تحاول كردستان أيضًا التلاعب بورقة المياه في إطار إدارة الأزمات السياسية

في الوقت ذاته تسعى طهران إلى بناء سدود وأنفاق وتغيير مجرى أنهار وروافد بحرفها إلى داخل أراضيها، بعيدًا عن العراق. ولعل أبرز مثال هو تغيير مجرى نهر سيروان في السنوات الأخيرة بعد 2003، الذي يزود بحيرة وسد دربنديخان بنحو 70 في المائة من طاقتهما المائية، ويشغل المحطة الحرارية لتوليد الكهرباء فيه، واحدة من المشروعات المائية الإيرانية الكبرى. وهذا العام (2018) سيُنهي الإيرانيون بناء سد كرمنشاه الكبير والجديد على “سيروان”، ما سيعني خروج محطة الكهرباء في دربنديخان عن الخدمة، نتيجة تناقص المخزون المائي لجهة ضغط الاستهلاك والهدر وعدم التعويض إلى اقل من مليار م3.

تُمعن إيران بعدائها المائي مع العراق، بالرغم من خطابها الرسمي الداعم له، ويشير النائب الكردي المعارض أمين بكر (“حركة التغيير”) أن الحكومة الإيرانية أكملت بناء سد “گولگهسردشت” على الزاب في أراضيها مع نهاية 2017، بقدرة تخزينية تصل إلى 800 مليون م3، وستحتاج إلى 30 يومًا لملئه. فضلًا عن مشروع آخر لإحياء بحيرة “ورّنة” الجافة من خلال تحويل مياه الزاب الصغير إليها. وتخطط لبناء 3 سدود ضخمة على روافد أخرى، وفقًا لـ”أكرم أحمد” مدير عام السدود ومخازن المياه بحكومة إقليم كردستان.

وكما طهران وبغداد، تحاول كردستان أيضًا التلاعب بورقة المياه في إطار إدارة الأزمات السياسية، فالإقليم وضع خطة طموحة لبناء 14 سدًا وبحيرة صناعية لتخزين المياه على المدى المنظور -الأعوام العشرة المقبلة- والاستفادة منها في المشروعات الزراعية والخدمات.

المصدر:السفير العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات