الخميس 13 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

معالم السياسة الخارجية الأمريكية الثابت والمتحول دوليا وإقليميا

معالم السياسة الخارجية الأمريكية الثابت والمتحول دوليا وإقليميا

قادت الولايات المتحدة الأمريكية العالم لعقود طويلة، لا سيما عقب الحرب العالمية الثانية، بعد أن تحولت الكثير من القوى الكبرى في العالم إلى ركام بسبب الحرب. ثم تعزز النفوذ الأمريكي خلال العقود الثلاثة الماضية، إثر تفكك الاتحاد السوفياتي. ولعبت واشنطن دور الضامن والحارس للنظام الدولي القائم، مستفيدة من انفرادها، عقلنة لهيمنتها، وعولمة لقيمها، وضبطا وإدارة لمصالح القوى والفضاءات الجغرافية والقوى الدولية المتحركة جميعا تحت مظلتها، والمسلّمة بقيادتها رغبا ورهبا.

غير أن هناك تحولات دولية كبرى، دفعت بالكثير من الخبراء الاستراتيجيين إلى الاعتقاد اليوم بأن الأمر بدأ يختلف ويتبدّل تدريجيا باتجاه معادلات دولية جديدة غير تقليدية. إذ تواجه الريادة الأمريكية للعالم اختبارا جديا، يعود لعاملين أساسيين. يتعلق أولهما بالولايات المتحدة ذاتها في ظل إدارة ترامب «الشعبوية» والمثيرة للجدل، ويتعلق ثانيها بتحولات دولية ارتبط بعضها بالعامل الأول المشار إليه، لا سيما رؤية أمريكا لدورها في العالم، بينما يرتبط أيضا بمتغيرات في قواعد الجيوبوليتكس، على المستوى الدولي. وقد لفت إلى هذه التحولات وزير الخارجية الأمريكي الأسبق المخضرم هنري كيسنجر في كتابه الصادر في 2014 حول النظام الدولي. وقد ونبّه كسينجر الذي كان أحد مهندسي السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، إلى مجموعة من المؤشرات تفيد بتخلخل واهتزاز في قواعد ومرتكزات النظام الدولي التي استوت لعقود طويلة وتعود بجذورها الأساسية لمعاهدة واستفاليا الموقعة في العام 1648.

تطلق دوائر أمريكية، فاعلة في صناعة القرار ولكنها خارج إدارة ترامب، صيحة فزع وتحذير، لا سيما مراكز الابحاث المهتمة بـالسياسية الخارجية، والدوريات البحثية، بينها دورية «فورين افيرز» بشأن الخطر الكبير الذي يمثله دونالد ترامب على الولايات المتحدة الأمريكية وسمعتها ودورها في العالم. هذا التحذير وصل في مجلة «فورين أفيرز» حد دعوة «العقلاء» في البيت الأبيض ومختلف مؤسسات الحكم والبيروقراطية الأمريكية، مثلما تسميهم هي، إلى عدم التماهي مع سياسات ترامب ولا تنفيذها، وإنما البقاء وفية للتقاليد الأساسية للمؤسسة الأمريكية. وتعتبر دورية «فورين أفيرز» أن أمريكا في سباق مع الزمن وربح الوقت حتى نهاية ولاية ترامب والعمل على الحيلولة دون فوزه بولاية ثانية. الدورية الأمريكية ودوائر صناعة والتأثير في القرار الأمريكي يعتبرون أنه مازال بالإمكان إنقاذ أمريكا كسيّدة للعالم وضامنة لاستقراره وتوازناته، وأيضا كملهمة وضامنة للمصالح المتعددة والمختلفة، بعيدا عن الفوضى. دور تعتبر الدوائر المذكورة أنه مهدد وقابل للتبديد إذا ما استمر ترامب في البيت الأبيض، بسياساته المنكفئة وقيادته المثيرة للجدل. ويتزايد التحذير من تراجع «القيم الليبرالية» في سياسة ترامب، لصالح الشعبوية واليمين المتطرف، بما يقوّض المعالم الأساسية للزعامة الأمريكية التي يرى المدافعون عنها أن تجربتها الداخلية تقوم على القيم الليبرالية، سياسة وثقافة واقتصادا، وعملت على الاحتفاء والانتشار بها خارجيا، دعما للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمنوال الليبرالي.

“ثمة حالة من التشاؤم والحذر بدت طاغية على قطاع من الأمريكيين الذين لا يزالون يأملون بحفاظ واشنطن على قوتها الداخلية ومكانتها الدولية”

بعد انقضاء عام على إدارة ترامب يبدو البيت الأبيض لا يملك وضوحا كافيا في سياسته الخارجية. ويعترف المتابعون للسياسة الأمريكية أنه من الصعب محاكمة أو تقييم السياسة الخارجية لترامب من خلال ما ورد في حملته الانتخابية من مواقف. فترامب مع دخوله البيت الأبيض، واجه تحديين يبدوان يؤثران إلى حد فعال في جزء سياسته الخارجية. فمن جهة لا يزال ترامب عاما بعد توليه الرئاسة غير متحكم تماما ولا قادر على استكمال تشكيل فريقه في البيت الأبيض، بل حتى من جرى تعيينهم من كبار المستشارين والمسؤولين، استقال بعضهم وطرد آخرون في وقت وجيز، فيما بدا فوضى في البيت الأبيض اضطر معها ترامب منذ أشهر للاستنجاد بعسكري سابق وهو الجنرال جون كيلي لفرض الانضباط والنظام داخل البيت الأبيض. ويرى خبراء أن ترامب لا يزال أمامه طريق طويل لاستكمال التعيينات التي تبدو لم تتجاوز ستين في المائة من الوظائف المتوقع شغلها، ما يعني أن الموظفين القدامى سيستمرون مؤطرين ومندرجين في تنفيذ السياسات السابقة التي رسمها أوباما وليس ترامب. من جهة أخرى واجه ترامب اعتراضات صريحة أو ضمنية على بعض ما اتخذه من قرارات مثيرة للجدل. هذه الاعتراضات التي واجهها ترامب بعضها أتى من داخل إدارته، سواء بعدم تنفيذها، أم بتجاهلها، أم بتعديلها والالتفاف عليها. منحى يعتقد بدا واضحا في سياسة وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جون ماتيس. أو اعتراضات من قبل السلطات القضائية، ممثلة في محاكم فيدرالية ألغت أو علّقت قرار ترامب بحظر السفر لأمريكا على مواطني 7 دول مسلمة، وكذا لهجة ترامب التصعيدية، ضد أوروبا والحلف الأطلسي وتهديداته لكوريا الشمالية وإيران. تلك اللهجة التصعيدية أو التهديدات انتهت عند التعاطي العملي مع القضايا المذكورة منضبطة في عمومها للموقف التقليدي لواشنطن. حتى أن البعض اعتبر أن «الدولة العميقة» لا تزال فاعلة في الحالة الأمريكية وقادرة بالتالي على لجم جموح ترامب.

تبدو الولايات المتحدة الأمريكية بعد عامها الأول مع إدارة دونالد ترامب حسب دورية «فورين أفيرز» «محظوظة»، وقد نجت مما كان متوقعا أن يصيبها من أضرار مع وجود ترامب في البيت الأبيض. ورغم الاندفاع و«التغريدات المجنونة» للرئيس، نجت واشنطن بحسن حظها من كوارث كان يمكن أن يتسبب بها ترامب. حتى أن العالم لم يحبس أنفاسه يوما خوفا من اندلاع هجمات نووية أو حرب عالمية ثالثة أو انهيار لقواعد اللعبة الدولية عام 2017 كما فعل مع دخول ترامب للبيت الأبيض.

“تزداد التوقعات بعام جديد صعب لإدارة ترامب، في ظل تراكم ملفات فشل البيت الأبيض أن يحلها أو يحدث فيها اختراق”

ثمة حالة من التشاؤم والحذر بدت طاغية على قطاع من الأمريكيين الذين لا يزالون يأملون بحفاظ واشنطن على قوتها الداخلية ومكانتها الدولية كضامنة للنظام الدولي وراعية له في إطار ضبط ايقاع التوازنات الدولية. كما تبدو حالة التشاؤم هذه تتوسع في العالم بسبب هذه السياسة الانعزالية التي يندفع باتجاهها ترامب، مفجرا مزيدا من المشكلات الداخلية والخارجية، تشاؤم دولي عبر عنه بشكل واضح الزعيم الصيني شي جين بينغ عندما انتقد الرئيس الصيني التخلي الأمريكي عن دورها في العالم، معربا عن جاهزية الصين للتقدم لهذا الدور.

تزداد التوقعات بعام جديد صعب لإدارة ترامب، في ظل تراكم ملفات فشل البيت الأبيض أن يحلها أو يحدث فيها اختراق، لتنضاف إلى أخرى طارئة. فمن تحدي استكمال بناء فريق إدارته التي تبدو كأنها «مهمة مستحيلة»، في ظل الاستقالات المتلاحقة، إلى قضية تبرئة نفسه من تهمة التورط في تسهيل التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية التي أوصلته للبيت الأبيض، في ظل عزم المدعي العام روبرت مولر للمضي في التحقيقات إلى نهايتها حتى وإن أطاحت برؤوس كبيرة وكثيرة. قضية في حد ذاتها كافية لتعصف بترامب وإدارته بل ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية المتضعضعة أصلا. هذا ومن المنتظر ان تكون محطة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس فرصة لموسكو لمزيد التدخل والتأثير، وخصوم ترامب لمزيد ممارسة الضغط عليه ولف حبل التهم حول رقبته. روسيا الحاضرة في الملف الأمريكي الداخلي، تبدو دوليا خصما ومشاكسا عنيدا لواشطن، وقد يضطر ترامب لتصعيد الاشتباك مع بوتين لكبح جماحه ليس فقط في أوكرانيا وإنما في سوريا وإيران التي وضعها التقرير الأمني الاستراتيجي الذي وضعته إدارة ترامب في 2017 باعتبارها القوة المهددة للاستقرار والراعية للإرهاب، بينما تجهض موسكو كل محاولة أمريكية في مجلس الأمن لإدانة طهران. والمرجح أن يجد ترامب في هذا الاشتباك مع بوتين فرصة للتخفف من الضغوطات الداخلية على إدارته، وأيضا محاولة للتقليل من فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في 2016. كما يبقى ملف تسلح كوريا الشمالية أشبه بكرة النار التي تحرق ترامب أنى تعامل معها، سلما أم حربا، فالمقاربة الأولى ستسمح لبيانغ يانغ بالتحول قوة نووية، والثانية تدخل العالم في حرب مدمرة ستتسع رقعتها خارج فضاء الكوريتين.

لئن لم تتضح السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب ولم تسفر تماما عن معالمها، فإن ذلك لا يمنعنا من القول إنها تتسم بخصائص أولية وهي أولا الانعزالية من خلال شعار «أمريكا» أولا أو «أمريكا العظمى من جديد». ثانيا العداء للمهاجرين وهو ما عبر عنه بشكل واضح في حظر السفر عن مواطني 7 دول مسلمة والجدار العازل مع المكسيك. ثالثا أولوية الأمن والاستقرار على الديمقراطية وهو ما بدا واضحا من خلال تمتين علاقته بالسعودية ومحور «الثورات المضادة» والإشادة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الفلبين. رابعا: سياسة غير متوقعة بسبب ذلك قلة خبرة ترامب من جهة في الملفات الدولية المعقدة وأيضا لعدم وجود رؤية واضحة لدى البيت الأبيض في التعاطي مع هذه القضايا الدولية التي باتت أشد تعقيدا في ظل صعود ملحوظ لقوى اقليمية ودولية وعنادها في لعب أدوار متقدمة في المشهد الدولي والاقليمي، والذي تمثل فيه المنطقة العربية أحد العناوين البارزة لهذا التعقيد وهذه الأزمة العاصفة، وهو ما سيكون موضع الجزء الثاني من هذا المقال، أي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

المصدر:القدس العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات