الثلاثاء 17 يوليو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

مشكلة مياه العراق: أوراق الضغط على تركيا (3)

مشكلة مياه العراق: أوراق الضغط على تركيا (3)

تتفاقم -منذ عقود- أزمة المياه في العراق، إلى حد اعتبارها كارثة وطنية تسقط معها جميع محاولات النهوض البطيئة لإعادة تنمية الاقتصاد الوطني وتنظيم الفوضى الاجتماعية وإنقاذ النظام السياسي من أزماته الآخذة بالتصاعد من دون حلول تخفف حدة سائر الكوارث.

الوقائع المُرّة

طرح العراق في مؤتمر الكويت لإعادة الاعمار نحو 300 فرصة استثمارية، طمعًا بالحصول على 100 مليار دولار للتخلص من مشكلات فشل النظام الجديد أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا في التصدي لها، في ظل منظومة الفساد التي نماها وتهدد استمراره. ولكنه لم يحصل إلاّ  على نحو 30 مليار دولار قروضًا مُيسّرة واستثمارات لشركات كبرى مرتبطة اقتصاديًا بتحولات السوق، وظَلّت تلك القروض والاستثمارات رهينة التغلب على المشكلات التي تعيق تنفيذها أو تصريفها بالطريقة الامثل، ومنها المياه.

تطّمح مثلًا السعودية باستثمار نحو خمسة مليار دولار في الزراعة والتربية الحيوانية والصناعة الغذائية في العراق. لكن مع أزمة المياه، يبدو أن المشروع السعودي لن يتحقق بشرّطه الاقتصادي الذي تريده الرياض، أي بسد عجزها من المحاصيل الإستراتيجية بكلفة أقل من الاستثمار في شمال إفريقيا أو السودان، ومع سهولة النقل عبر حدودها مباشرة لاسيما بعد فتح طرق جديدة. لكن المشروع يواجه العقبة المُميتة: نقص المياه.

“السياسة المعتمدة تقوم على “تضّييع” الكارثة بتبادل الاتهامات، ولوم النظام السابق، وإهمال المعالجة على قاعدة النسيان”

تراجع الإنتاج الوطني الزراعي خلال الأعوام الأربعة الماضية بشكل ملحوظ، وخلالها خسر العراق نحو ثلث أراضيه المزروعة بالمحاصيل الإستراتيجية (القمح، الرز، الشعير). تشير الأمم المتحدة أن العراق خسر 40 في المائة من أراضيه الأكثر خصبًا والتي تسد الحاجة المحلية من المحاصيل الموسمية فضلًا عن تلك الإستراتيجية والبُنى التحتية ومصادر المياه والإنتاج الزراعي. خسرها نتيجة الحرب مع تنظيم داعش، فيما بات نحو 12 مليون عراقي يعتمدون على اقتصاد الزراعة مهددون بالبطالة، ما يعني ثلث سُكان البلاد. وتحذر منظمة الفاو أن نحو 1.6 مليون مزارع في المناطق المُحررة يحتاجون إلى مساعدة عاجلة وفورية.

تؤكد لجنة الزراعة النيابية أن 40 في المائة أيضًا من الأراضي الزراعية، لاسيما في الفرات الأوسط والجنوب، ستصبح مهددة عمليًا عند البدء بتشغيل سد اليسو التركي في حزيران/ يونيو المقبل مع بداية “موسم الصيهود”، وهذا يعني عمليًا أن 80 في المائة من الأراضي الزراعية باتت خارج الاستثمار الوطني لتحصين الأمن الغذائي.

يُسمي العراقيون مواسم القحط المائي صيفًا بـ”الصيهود”، حين تتقلص الموارد المائية نتيجة فرط الاستهلاك والحرارة والهدر الناتج عن التبخر، لاسيما بنهر الفرات الذي لا يملك شرايين مغذية لزياداته المائية بعكس “دجلة“.. وهو الآخر باتت الآن مناسيبه منحسرة بعد قطع شرايينه الأهم من قبل إيران وانخفاض تدفقاته منها ومن تركيا.

تُركيا: الأمن والتجارة مقابل المياه

يملك العراق أوراق ضغطٍ ذهبية حيال تركيا، لكنه يستنكف عن استغلالها بسبب ضعف حكومته وتوزع القرار السيادي على المضاربين السياسيين تبعًا لولاء المصلحة. فخلال حقبتي حكم البعث (1968-2003) المنقسمة بين أحمد حسن البكر وصدّام حسين، هددت بغداد أنقرة ثلاث مرات بالتدخل عسكريًا ضدها إذا خُفِّضَت حصة العراق المائية من دجلة والفرات. في مرتين منها كان التهديد ينطلق من مبدأ القوة. وفي الأخيرة كان نظام الحكم في بغداد ضعيفًا للغاية لكنه أدرك أن أي تفاوض تنقصه ورقة التهديد على الطاولة لن يأتي بالتنازل.

ظروف بغداد السياسية اليوم أفضل من ظروفها خلال الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي، بمعنى حزمة العلاقات الدبلوماسية التي تملكها، لكنها أسوء من ناحية استغلال تلك المظلة الإيجابية للدفاع عن مصالحها. لم يكن صدّام حسين يملك أوراق ضغطٍ على أنقرة كما تملك بغداد اليوم، لكن فكرة التصعيد العسكري بحدِ ذاتها ورقة ضغط هائلة تُحرِج المجتمع الدولي وتقود إلى وساطات، وهو ما يعني “تدويلًا” غير رَسّمي يقود إلى حشر أنقرة بزاوية التّفاوض. فتركيا ترفض تدويل مُشّكلة المياه، لكنها أضعف من صَدّ المحاولة العراقية إذا ما جرّبتها بغداد.

قادت الرياض وساطتين بين بغداد وأنقرة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الفائت لفك الاشتباك بسبب أزمة المياه. واليوم، فكل الوسطاء الذين تُفكر بهم بغداد إذا ما أرادت تفجير أزمة بوجه تركيا سينحازون إلى عاصمة بلاد الرافدين نظرًا للسياسات التُركية المُتَشَنّجة في ملفات المنطقة، فضلًا عن جور السياسة المائية التركية تجاه العراق وبطلانها. كما أن بغداد يمكنها أن تضغط -عبر دول الاتحاد الأوروبي- لاستعادة الحق المائي، لاسيما أن أنقرة تسعى للانضمام إليه، وأن سويسرا والنمسا وألمانيا انسحبت من الاستمرار بتمويل إنشاء سد إليسو.

إلا أن السياسة المعتمدة تقوم على “تضّييع” الكارثة بتبادل الاتهامات، ولوم النظام السابق، وإهمال المعالجة على قاعدة “النسيان”، والغرق بسياسات ترقيعية فاشلة.. ومع بروز تقلص الرقعة الزراعية وهجرة الفلّاحين وتحولهم إلى مِهن وحِرَف أخرى، واستشراء أعمال بيع الأراضي المزروعة وتحولها إلى مناطق سكنية، استقرّ الوضع المائي قليلًا، لكن الضغط بات يتجلى بالنمو السكاني المتسارع (بنسبة 3 في المائة سنويًا، وهي أعلى نسبة نمو في المنطقة بولادات سنوية تتراوح بين 800 ألف إلى مليون ولادة).

المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي

“الاتفاق سلب من بغداد ورقة ضغط عملية جدًا تتمثل بحزب العُمّال الكردستاني من دون أن تقدم أنقرة مقابلًا لبغداد”

زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بغداد في 2008، وعقد صفقة اقتصادية ــ سياسية مع حكومة نوري المالكي آنذاك تحت مُسَمّى “المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي”، لم تسّتفد منه بغداد إلا النزر اليسير، فيما حققت أنقرة امتيازات غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين البلدين. وكمؤشرٍ مبهرٍ؛ قفز التبادل التجاري التركي مع العراق من 3.5 مليار دولار في العام 2008  إلى 17 مليار دولار خلال العام الفائت. وتحتل تركيا المرتبة الأولى في التجارة مع العراق، مستحوذةً على 22 في المائة من السوق العراقي، تليها إيران 15 في المائة والصين 12 في المائة.

كَبّلت أنقرة بغداد بذلك الاتفاق الذي وقعه المالكي كعادته بعيون عمياء، وجعلتها رهينة تتحكم بها الأطماع التركية. والاتفاق سلب من بغداد ورقة ضغط عملية جدًا تتمثل بحزب العُمّال الكردستاني من دون أن تقدم أنقرة مقابلًا لبغداد. واعتبرت أن حصة العراق المائية التاريخية ما هي إلا “مُساعدات” توفرها تركيا للعراق على أساس الحاجات الزراعية والمائية، وفقًا لما جاء بالبند السادس من المبدأ (ب) المتعلق بالاقتصاد والطاقة: “تشجيع التعاون في مجال الموارد المائية والزراعة لمساعدة العراق على تلبية حاجاته الزراعية والمائية، وبضمنها تلك المتعلقة بالري مع الأخذ بنظر الاعتبار حاجة تركيا الزراعية والمائية على توفير تلك المساعدات”.

وبعد أشهر قليلة فقط من إبرام الاتفاق، قامت تركيا بخفض الحصة المائية العراقية في آذار/ مارس 2009 بتصرفٍ من جانب واحد، ومن دون العودة إلى أية مشاورات مع العراق. صمتت بغداد كالعادة حفاظًا على العلاقات التزّويقية التي يعقدها النظام الجديد لكسب الاعتراف الإقليمي به، ما سهّلَ على تركيا وإيران استغلال هذا المنحى إلى أبعد حد لتحقيق مصالحهما.

المصدر:السفير العربي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات