الأربعاء 23 مايو 2018 | بغداد 16° C
الرئيسية » الاقتصاد العراقي 2018 »

هيئات الاستثمار.. كيف أصبحت بؤرة للاستيلاء على الأراضي والملكيات الحكومية؟

هيئات الاستثمار.. كيف أصبحت بؤرة للاستيلاء على الأراضي والملكيات الحكومية؟

قسم التحقيقات – العراق

عام 2003 كان الفيصل في تاريخ العراق الحديث، قوانين كثيرة تغيرت، وأثرت معها في كل شيء، ليتحول العراق على إثرها من بلد آمن مطمئن إلى بلد يحتل المراتب الأولى في مؤشرات الفساد العالمية، حلقات الفساد في العراق ممتدة كالنار في الهشيم، ولا يكاد يخلو أي قطاع من الفساد، ومن ضمن هذه القطاعات، الاستثمار والهيئات المسؤولة عنه، هيئات الاستثمار في العراق تأسست رسميا عام 2006 وفق قانون الاستثمار رقم (13) الذي أقر في عام 2006، والذي شهد عدة تعديلات كان آخرها عام 2015، افتتحت أولى هيئات الاستثمار في بغداد عام 2007، وفقا للقانون آنف الذكر، ثم توالى بعدها افتتاح هيئات للاستثمار في بقية المحافظات في عام 2008، لكن ما أريد له أن يكون داعما للاقتصاد العراقي، وأحد أجنحة بناء الدولة، تحول إلى وسيلة لسرقة موأموال الدولة وأراضيها، وبطريقة منظمة وممنهجة.

ما الغاية من هيئات الاستثمار؟

منذ الكساد العظيم في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، اتجه العالم إلى الرأسمالية، والتي كانت بسيطة إلى حد ما إذا ما قورنت بما نحن عليه الآن، واتجه العالم إلى السوق المفتوحة والاستثمار لمساعدة الحكومات على بناء المرافق العامة والبُنى التحتية، كان العراق من أواخر الدول التي بدأت بهذا النوع من الاقتصاد، المستشار القانوني “مهدي أحمد الزبيدي” يقول لـ”وكالة يقين”: إن فكرة الاستثمار الرئيسة تتمثل في جذب رؤوس الأموال إلى البلاد، عن طريق تقديم مجموعة من الامتيازات والمغريات للمستثمرين المحليين والأجانب.

“العشائر تعتبر الأراضي التي تستوطن فيها أو المجاورة لأراضيها مناطق نفوذ لها تتحكم فيها وفيما فيها من موارد”

ويضيف “الزبيدي” أن من ضمن هذه الامتيازات إعفاء جمركي وضريبي، ويصل هذا الإعفاء في العراق حتى خمسة عشر عاما، فضلا عن توفير هيئات الاستثمار أراضي لإقامة المشاريع الاستثمارية لفترة زمنية تحدد وفق نوع المشروع وقيمته الاستثمارية، وقد تصل مدة الاستثمار إلى 100 سنة.

ويؤكد “الزبيدي” في حديثه للوكالة على أن فكرة الاستثمار ناجحة جدا خاصة في البلدان النامية، لكن شريطة حماية الدولة لها وللمستثمرين وعدم جعله بؤرة من بؤر الفساد، بحسبه.

وفيما يخص الاستثمار في العراق والنظرة القانونية له، يختم “الزبيدي” حديثه بالقول: إن قانون الاستثمار المعمول به في العراق الآن يفتح الباب على مصراعيه أمام الفاسدين، وفي أكثر من مادة منصوص عليها في القانون، ويرى “الزبيدي” أن إحدى أهم المسائل التي تجاهلها قانون الاستثمار هي ملكية الأراضي، التي تتحول إلى مشاريع استثمارية، وعدم وجود أي تخطيط مسبق للاستثمار، إضافة إلى ما يجري من بيع وشراء واستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي، وفي مواقع إستراتيجية في المدن العراقية ومن أحزاب ومافيات حكومية.

خفايا تدور في هيئات الاستثمار

مساحات واسعة سيطرت عليها مجموعة من الأشخاص بحجة الاستثمار، “هـ. ع” موظف في الهيئة الوطنية للاستثمار -الهيئة المسؤولة عن هيئات الاستثمار في المحافظات العراقية- اشترط عدم ذكر اسمه مقابل حديثه لـ”وكالة يقين” عما يدور في أروقة هيئات الاستثمار في العراق، حيث يقول المصدر: إن كثيرا من المشاريع الاستثمارية في العاصمة بغداد تتبع جهات حزبية ومليشياوية، وقد خصصت لها أراض هامة داخل بغداد تقدر أسعارها بالمليارات، ومن بين هذه المشاريع مشروع “مول النخيل” الذي افتتح قبل أشهر، والذي يعود لبرلماني متنفذ، بحسب المصدر.

ويضيف أيضا أن الفرص الاستثمارية التي تطرحها الهيئات بحد ذاتها يشوبها الفساد والغموض، ولا توجد آلية واضحة في قانون الاستثمار للتمييز بين مستثمرين اثنين مثلا في حال تنافسا على إقامة مشروع معين، بحسب المصدر.

هيئات الاستثمار وكيفية الاستيلاء على الأراضي

مآخذ كثيرة على هيئات الاستثمار وعلى الـقانون رقم (13) لسنة 2006 المعدل الذي تعمل وفقه، ومن بين هذه المآخذ ملكيات الأراضي المرشحة للاستثمار، بحسب المهندس “محمد جبر” أحد المستثمرين في محافظة واسط جنوب العراق، الذي تحدث لـ”وكالة يقين” عن الاستثمار في العراق ومقارنته بدول الجوار كالأردن ومصر، يقول “محمد”: إن العراق بقانون الاستثمار الحالي لا يعد استثمارا إذا ما قورن بدول مثل: مصر والأردن، فالغاية من الاستثمار جلب رؤوس الأموال إلى البلاد، وأيضا اختصار الإجراءات الروتينية للموافقات إلى أقل حد ممكن، وهاتان النقطتان غير متوفرتين في القانون.

“لا يتمثل الفساد المستشري في هيئات الاستثمار في ملكية الأراضي فحسب، بل في ترشيح الأرض بحد ذاتها”

ويضيف “محمد”، أن ملكية الأراضي المرشحة والمطروحة للاستثمار في العراق ما زالت عائديتها تابعة للوزارات والبلديات، وليس إلى هيئات الاستثمار، وهذا من أكبر الأخطاء الفنية التي وقع فيها منظرو الاستثمار في العراق، حيث إنه في مصر ترشح الأراضي المراد استثمارها وتحول ملكيتها إلى وزارة الاستثمار المصرية حصرا، ثم يقر نوع المشاريع المراد بناؤها في هذه الأراضي، ثم تستحصل كافة الموافقات، ثم تطرح الأراضي للاستثمار ويعلن عن ذلك، كل ذلك يتم من خلال نظام النافذة الواحدة المعروف   “OSS”وهو نظام يعتمد على إجراء جميع المعاملات الرسمية من خلال نافذة واحدة، ويعمل على تقليل الاحتكاك بين الموظف والمستثمر تجنبا للفساد، بحسبه.

ويتابع المستثمر في حديثه، أن الإجراءات في العراق عكس ذلك تماما، فالأرض ملك للوزارة أو البلدية، وبعد ترشيحها ينتظرون المستثمر ومشروعه المقترح، ثم تستحصل الموافقات ثم يقر المشروع، وهذا يسبب بطئاً كبيرا، ويفتح الباب على مصراعيه أمام المرتشين والفاسدين، على الرغم من أن نظام النافذة الواحدة معمول به في العراق إلا أنه على الورق فقط.

لا يتمثل الفساد المستشري في هيئات الاستثمار في ملكية الأراضي فحسب، بل في ترشيح الأرض بحد ذاتها، المستثمر “حمزة الدليمي” من محافظة نينوى يروي لـ”وكالة يقين” ما حدث معه في هيئة استثمار نينوى، حيث يقول “الدليمي” إنه وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قدم إلى هيئة استثمار نينوى ليقدم على مشروع استثماري سياحي، لكنه فوجئ بأن إدارة الهيئة قد تغيرت منذ عام 2014، وأن المدير الحالي لهيئة نينوى هو كردي من محافظة أربيل، وليس من أهل الموصل.

ويستطرد “الدليمي” حديثه بالقول إنه لم تتوفر أي فرصة استثمارية مطروحة للعلن في نينوى، ويضيف، أنه عند مقابلته لرئيس هيئة نينوى والمدعو “عبد الكريم محمد”، فوجئ بأن عُرِض عليه أكثر من فرصة “من تحت الطاولة”، بحسب “الدليمي”، وقال له أحد مرافقي رئيس هيئة نينوى إنه يمكن لهم أن يستحصلوا له على أرض مميزة في الموصل من دائرة البلدية، وأشاروا عليه بأن عليه أن يدفع مقابل ذلك للهيئة وللبلدية، بحسبه.

رشاوى مقابل الموافقات

“لا يقف الفساد في هيئات الاستثمار عند حد معين، فحتى المناصب تباع وتشترى داخل الهيئات”

أبواب كثيرة للفساد، فُتِحتْ بتشريع قانون الاستثمار رقم (13) في العراق، حيث دخل الفساد إلى هذه الهيئات من أوسع الأبواب، وكل إجراء في إقامة المشروع الاستثماري يرافقه فساد مالي كبير، بحسب المهندس “صادق الركابي” من محافظة بابل الذي تحدث لـ”وكالة يقين” قائلا: إن الإجراءات التي تتبعها هيئات الاستثمار بعد ترخيص المشروع تتضمن تقديم المخططات ودراسات الجدوى النهائية وموافقات البيئة وغيرها، وكل هذه الموافقات تتم في بغداد في مقر الوزارات والدوائر ذات العلاقة، إلا أن هذه الموافقات لا تستحصل مجانا؛ بل يعتمد توقيت الحصول عليها على ما يدفعه المستمثر من أموال “رشاوى” مقابل السرعة في إنجاز الإجراءات، بحسب “الركابي”.

المحافظات العراقية الأخرى ليست أفضل حالا، فالبصرة مثلا تعاني من مشكلة أخرى إضافة للمشاكل آنفة الذكر، والمتمثلة بالرِشى والاستيلاء على الأراضي، “حسن عبيد” موظف في بلدية البصرة يقول لـ”وكالة يقين”: إن البصرة تعاني من غياب سلطة القانون، فالنزاعات العشائرية تفتك بالمدينة، وكل عشيرة لها جيش من المسلحين وترسانة كبيرة من الأسلحة والذخيرة.

ويضيف “عبيد” أن هذه العشائر تعتبر الأراضي التي تستوطن فيها أو المجاورة لأراضيها مناطق نفوذ لها تتحكم فيها وفيما فيها من موارد، فأي مشروع استثماري أو حكومي لا يمكن له أن يقام أو أن يرى النور ما لم تستحصل الجهة المنفذة على موافقة من شيخ العشيرة والمتنفذين فيها، وفي حال الموافقة تشترط العشيرة أن يكون لهم نصيب من واردات المشروع، أو أن يفرضوا عددا من الموظفين على المشروع، بحسب عبيد.

كيف تتم صفقات بيع المناصب داخل الهيئات؟

لا يقف الفساد في هيئات الاستثمار عند حد معين، فحتى المناصب تباع وتشترى داخل الهيئات، الصحفي من مدينة كركوك “فاضل علي” تحدث لـ”وكالة يقين” عمّا  يحصل في أروقة هيئة استثمار كركوك، حيث يقول إنه وخلال فترة سيطرة البيشمركة على كركوك بين عامي 2014 وحتى نهاية عام 2017، كان رئيس هيئة كركوك كرديا، ومن خلال منصبه فإنه أعطى رُخَصًا استثمارية لمشاريع تقع داخل المدينة وفي مواقع متميزة لشركات كردية ومستثمرين أكراد حصرا، وكان دائما ما يغلق الأبواب أمام أي مستثمر إن لم يكن كرديا.

“يعد قانون الاستثمار في العراق من أنجع القوانين المعمول بها في المنطقة”

ويضيف “علي” أنه وبعد استعادة القوات المشتركة السيطرة على كركوك، فإن رئيس هيئة كركوك هرب إلى إقليم كردستان، تولى المسؤولية بعدها نائبه من قومية أخرى، الذي دفع مبلغ ثلاثمائة ألف دولار لمسؤولين في الهيئة الوطنية للاستثمار في بغداد مقابل تثبيته في موقعه، بحسب الصحفي “علي فاضل”.

تعمل آلية الاستثمار في المحافظات العراقية على طرح فرص استثمارية من خلال وسائل الترويج التابعة للهيئات، إلا أن الواقع يختلف تماما عما هو منصوص عليه في لوائح وتعليمات قانون الاستثمار، حيث يقول المشاور القانوني “حميد طلال الزوبعي” -الذي حضر مؤتمر الكويت برفقة مجموعة من رجال الأعمال-: إن هيئات الاستثمار أصبحت بوابة مشرعة للفساد، وإن المشاريع الاستثمارية التي تعطي رُخَصًا استثمارية حاليا، كل إجراءاتها تتم من تحت الطاولة، بحسب “الزوبعي”.

ويضيف لــ”وكالة يقين”، أن دليل ذلك ما حدث في مؤتمر المانحين في الكويت، الذي انعقد في شباط/ فبراير الماضي، والذي طرح فيه رئيس الحكومة “حيدر العبادي” فرصا لمشاريع استثمارية على مستوى العراق، لكن الفرص المقترحة -بحسب الزوبعي- كانت تفتقد لأدنى معايير المشاريع الاستثمارية القابلة للتنفيذ، وأنها كانت حبرا على ورق.

واختتم الزوبعي حديثه للوكالة بالقول: إن كثيرا من الشركات التي كانت قد وعدت بالاستثمار في العراق في مؤتمر الكويت وفي مناسبات أخرى، توصلت إلى قناعة مفادها أنه ما لم يتم القضاء على الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية أو الحد منه على أقل تقدير؛ فإن أي شركة أجنبية لن تجازف بأموالها، بحسبه.

قانون الاستثمار.. ما له وما عليه

“البرغل المستورد من تركيا والمباع في الأسواق المحلية أرخص ثمنا من المنتج المحلي”

يعد قانون الاستثمار في العراق من أنجع القوانين المعمول بها في المنطقة من حيث الشكل، بحسب الخبير القانوني “نوري الجبوري” من محافظة صلاح الدين، يقول الجبوري في حديثه لـ”وكالة يقين”: إن قانون الاستثمار رقم (13) يعد من أفضل القوانين المعمول بها إذا ما قورن بالدول المجاورة، حيث يمنح القانون مدة (45) يوما للوزارات والدوائر المالكة للأراضي وذات العلاقة للموافقة على منح الأرض واستحصال الموافقة على إقامة المشاريع، وبخلافه وفي حال تجاوز المدة المحددة، تعتبر الموافقة حاصلة بالضرورة، وفقا لما منصوص عليه في قانون الاستثمار.

ويستدرك “الجبوري” بالقول: إن القانون أورد مادة تنص على “لا يعمل بأي قانون مخالف لما ورد في قانون الاستثمار”، هذه المادة ظلت حبرا على ورق بحسب الجبوري الذي أفاد بأن الوزارات والدوائر الأخرى لا تعير أي أهمية لما جاء في هذه القانون، وكل جهة تعمل وفقا للقانون الذي تتبعه.

ويضيف الخبير القانوني، أن الوضع في العراق جعل من الصعوبة بمكان أن يطبق قانون الاستثمار، فالدولة التي شرعت هذا القانون وجعلته أعلى رتبة من بقية القوانين لا تعمل به، حتى في رئاسة الوزراء، بحسب “الجبوري”، الذي عاب على القانون أنه لم يفرض على المستثمرين أن يؤسسوا شركات استثمارية، بل فسح المجال لهم في أن يقدموا للاستثمار بأسمائهم، وهذا غير معمول به في الدول الأخرى، حيث يفضل من الناحية القانونية أن يؤسس كل مستثمر شركة، يكون المشروع الاستثماري باسم الشركة وليس باسم المستثمر الصريح، حفظا للحق العام ودرءا لأي مشاكل قد تنتج عن تباطؤ المستثمر أو عدم التزامه بالتعليمات، حيث إن لكل شركة ودائع وملكيات يمكن التحفظ عليها في حال المخالفة، بحسب “الجبوري”.

الحكومة لا تحمي المشاريع الاستثمارية والمستثمرين

“اضطررت إلى إغلاق المعمل وكل ما أنفقته على المعمل من بناء وآليات وأجهزة ذَهَب أدراج الرياح”، كانت هذه الكلمات هي للمستثمر “عساف سالم” صاحب معمل  IPEK العراق لإنتاج الحبوب والبرغل في محافظة نينوى، والذي كان قد باشر العمل عام 2012، والذي يعد الأول من نوعه من حيث نوع وجودة الإنتاج.

ويضيف “سالم” خلال حديثه لـ”وكالة يقين” أن الدولة العراقية لم تحمهم، وإن قانون الاستثمار لم يتضمن أي بند أو مادة تحمي المستثمر والمنتج المحلي، ويضرب “سالم” مثلا عن الخسارة التي يتكبدها في حال تشغيل معمله، حيث يقول: إن البرغل المستورد من تركيا والمباع في الأسواق المحلية أرخص ثمنا من المنتج المحلي، حيث إن الدولة تفرض 6 دولارات فقط على كل طن من مادة البرغل، وبالتالي وبعد عامين على افتتاحه اضطر إلى إغلاق المعمل، يضيف “سالم”، الذي يختم حديثه بالقول: إن جميع الدول تحمي منتجاتها المحلية من خلال فرض رسوم جمركية على البضائع الأجنبية المنافسة، وهذا ما لا وجود له في العراق منذ عام 2003.

مئات المشاريع الاستثمارية السكنية والسياحية والخدمية والصحية، أقرت ومنحت رُخَصًا استثمارية منذ عام 2008، بحسب الموقع الرسمي للهيئة الوطنية للاستثمار، إلا أن الواقع على الأرض يثبت عكس ذلك، لتستمر دوامة الفساد في بلاد الرافدين إلى ما شاء الله أن تستمر.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات