الأحد 23 سبتمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمات الاقتصاد العراقي »

دوائر الضريبة.. بوابة الموظف العراقي لتحقيق الثراء السريع

دوائر الضريبة.. بوابة الموظف العراقي لتحقيق الثراء السريع

قسم التحقيقات – العراق

يعلم “محمد علوان المساري” يقينًا أن التأخير الذي يتعرض له في إنجاز معاملته بدائرة ضريبة مدينة “الحرية”- غرب بغداد ليس بسبب ضغط المراجعين أو الحاجة لوقت مطول من أجل تدقيق كل معاملة لوحدها، بقدر ما هو فعل متعمد من قبل موظف قسم الحاسبة من أجل إجباره على دفع رشوة، يختلف مبلغها في كل مرحلة من مراحل إنجاز أي معاملة في دوائر الضريبة في العراق.

ومع أن معاملة “المساري” هي من النوع الذي لا تفرض التعليمات الحكومية عليها أي مبلغ من الضريبة؛ لكون السيارة التي ينوي بيعها غير مشمولة بالضريبة، لأن موديلها يقل عن سنة 2008، إلا أن الموظف المختص أصر -وبعد طول انتظار- على أن الحاسبة معطلة، وعليه المراجعة في اليوم الثاني من أجل استكمالها، وهو ما دفعه إلى الرضوخ وتسليمه مبلغ 25 ألف دينار، حرص على وضعها داخل وثيقة شهادة الجنسية حتى لا تصور الكاميرا الموضوعة فوق رأس الموظف عملية الابتزاز والرضوخ.

75 ألف لقاء أصغر معاملة

“المساري” الذي تحدث لــ”وكالة يقين” بعد إكمال معاملته في الدائرة المذكورة أكد دفعه مبلغ 75 ألف دينار “60 دولارا” كاملًا للموظفين في الدائرة وعلى أربعة مراحل؛ من أجل إنجاز الكشف الضريبي في واحد والذي أظهر أنه غير مدين للدولة بفلس واحد، مبينًا أن معاملته تعد من النوع الأسهل والأسرع قياسًا بمعاملات أخرى، مثل: التحاسب الضريبي عن قيمة السيارات الإنتاجية الحديثة والعقارات السكنية والتجارية والنشاطات الأخرى، التي يصفها بأنها اللقمة الأكثر دسمًا للموظفين المرتشين في دوائر الضريبة.

ويضيف “المساري” أن جميع دوائر الضريبة في العراق باتت مؤخرًا تلزم جميع مراجعيها باستخراج مستمسك “الهوية الضريبية” مقابل مبلغ 10 آلاف دينار “8 دولار” قابل للزيادة، مبينًا أنه شخصيًا ومن واقع تجربته الحديثة فهم أن هذا المستمسك لا قيمة له ولا يعتد به، وهو حلقة إضافية لتضخيم المبالغ المستوفاة من المراجعين لهذه الدوائر التي أصبح التعيين فيها هدفًا للجميع.

التعامل الحقيقي بالدولار

وإذا كان “المساري” يشتكي من دفع مبلغ بسيط بالدينار العراقي؛ فإن “حسن إسماعيل النجار” وهو صاحب بيت سكني في منطقة “حي الجامعة” ببغداد دفع مبالغ متفرقة وصلت إلى 900 دولار من أجل استكمال الجانب المتعلق بدائرة الضريبة لنقل ملكية العقار، مشيرًا إلى أن معاملات البيع والشراء العقاري يخضع صاحبها لنهب منظم منذ لحظة دخوله إلى دائرة الضريبة، وحتى إنهاء مرحلة التحاسب ودفع المبلغ الأصلي وتسلمه براءة الذمة منه.

“النجار” وهو موظف في وزارة التربية قال لــ”وكالة يقين”: إنه أنفق مبلغ 400 دولار على مراحل فتح الإضبارة والتخمين والجباية والصندوق في دائرة الضريبة، وبعدها دفع مبلغ 200 دولار إلى اللجنة المكلفة بالكشف على العقار والمؤلفة من 3 موظفين يقومون بكتابة تقرير عن حالة المنزل وكلفتة التي ممكن أن تتضاعف في حال امتناعه عن الدفع لهم، موضحًا أن توقيعهم على الكشف لا يعني نهاية المعاناة؛ لأن بانتظاره المرحلة الأخيرة، والأصعب وهي توقيع المدير الذي لم يقبل بأقل من 300 دولار مقابل توقيع استغرق أقل من ثانية واحدة، ليعلن بعدها انتهاء جولة النجار “المكوكية” في دائرة الضريبة.

ويعد النجار أن مبلغ الــ900 دولار كان من الممكن أن يزداد إلى أقل من الضعف في حال موافقته على تسليم المعاملة إلى معقب مختص يقوم بعد توكيله رسميًا من صاحب العلاقة بإجراء جميع هذه المراحل، مستعينًا بخبرته وعلاقاته التي تشمل الجميع، وابتداء من رجل الأمن الذي يقوم بتفتيش المراجعين، مرورًا بموظف الاستعلامات وزملائه في داخل الدائرة وحتى المدير.

الوسطاء والمعقبون يديرون اللعبة

وتعد أكشاك التصوير وبيع القرطاسية المنتشرة خارج دوائر الضريبة هي المحطة الأولى التي يزورها أي مراجع، ومنها: يحصل على الاستشارات في أسرع الخيارات لإنجاز المعاملات، ومن هؤلاء “أبو زهراء” المتواجد باستمرار في كشك صغير يمتلكه بجوار دائرة ضريبة “الكاظمية” في بغداد، حيث زاره مراسل “وكالة يقين”، وتحدث إليه زبونًا راغبًا ببيع منزل قديم في منطقة النواب.

وضع “أبو زهراء” أمام مراسل الوكالة 3 خيارات لإنجاز معاملته، وتبدأ أولًا بالاعتماد على النفس في المراجعة والدفع وهي الأقل تكلفة والأطول إنجازًا من حيث الوقت، والخيار الثاني يتمثل بالمعقب الذي يستغرق وقتًا أقل في الانجاز بحكم شبكة العلاقات والرشاوى التي يوزعها، بينما تمثل الطريقة الثالثة هي الأكثر كلفة والأقصر وقتًا، وتكون عبر وسيط يرتبط بعلاقة خاصة مع مدير الدائرة، ويقوم بمرافقة المراجع في إنهاء المراحل بسرعة كبيرة ناجمة عن خشية الموظفين منه.

ويعد الكشك الذي يحتوي على 3 طابعات ملونة صغيرة الحجم وبعض القرطاسية مجرد غطاء يدر واردًا قليلًا على “أبو زهراء” الذي يتقاضى الأرباح الحقيقية من المعقب والواسطة المرتبطة بالمدير بشكل مباشر، فهو يأخذ مبلغ 25 ألف دينار “20 دولارًا” مقابل كل عملية تعارف يجريها بين المراجع والمعقب، ويرتفع المبلغ إلى 50 ألف دينار “40 دولارًا” في حالة التعامل مع الوسيط الذي يحمل كل أسرار ومفاتيح الإنجاز السريع.

الكل مستفيد وبنسب متفاوتة

ومن حصيلة جولة الدردشة التي أجراها معد التحقيق مع مراجعين وأصحاب أكشاك ومعقبين تظهر بعض الأرقام التقديرية القريبة جدًا من الحقيقة، وتضمن أن كل دائرة ضريبة في بغداد يدخلها يوميًا ما لا يقل عن 120 مراجعًا يقوم أغلبهم بدفع الرشاوى التي تذهب الحصة الأكبر منها إلى المدير، حيث تقدر عائداته الشهرية بــ20 ألف دولار في الدوائر الواقعة في المناطق الشعبية، وترتفع إلى الضعف أو أكثر في الأحياء الراقية من العاصمة.

وضمن هذه الأرقام؛ فإن لجان التقييم الموقعي تأتي بالمرتبة الثانية من حيث العوائد، والتي تصل إلى 4 آلاف دولار شهريًا يحصل عليها الموظف الواحد من أصحاب العقارات والمصالح التجارية، مقابل تخفيض نسبة الضريبة، بذريعة أن العقار قديم أو آيل للسقوط، أو لا يستخدم لأغراض تجارية، بينما يأتي بعدهم الموظفون المتخصصون في التخمين الذي يجري داخل الدائرة، ويعتمد الوثائق الرسمية فقط، ويليهم موظفو الحاسبات والجباية وفتح الأضابير، بينما يقبع في ذيل قائمة المستفيدين موظفو الصادر والوارد والتسجيل، بحكم أن دورهم روتيني ولا يؤثر على قيمة احتساب الضريبة، ويعتمون في التربح على مبدأ تأخير المعاملة فقط.

مسؤول: الفساد موجود ولكن ليس بهذه النسب

من جهتها تقر مديرة الهيئة العامة للضرائب “ناجحة عباس” بوجود الفساد في دائرتها بحكم أن جميع الدوائر التي تتعامل بالمال معرضة لهذه المشكلة، لكنها ترفض أن يكون بهذا الحجم، معتبرة أن إصرار الموظف على استكمال جميع الوثائق والأوراق الثبوتية داخل معاملة المراجع يفسر من قبل الأخير بأنه محاولة للعرقلة أو الابتزاز لغرض الحصول منه على الرشوة.

“تصنف دوائر الضريبة في قمة دوائر وزارة المالية تعاطيًا للرشوة في العراق”

وتبين “عباس” لــ”وكالة يقين” أن نسبة الفساد في دوائرهم تبقى ضئيلة مقارنة بحجم الأموال والخدمات التي يتعاملون بها، داعية إلى تسليط الضوء على حجم المخاطر التي يتعرض لها موظف الضريبة الذي يتعامل مع مراجعين يرفضون ويمتنعون عن تسديد نسب الاستقطاع الضريبي المقرة بقانون من قبل الحكومة، وليس من الموظف أو المدير.

وترى المديرة العامة لهيئة الضرائب أن القضاء على الفساد ممكن بشرط أن يقوم المراجع بالامتناع عن الدفع أو الخضوع للابتزاز، ويصر على ترويج معاملته بالطرق القانونية، مطالبةً جميع الذين يتعرضون لهذه السلوكيات من قبل موظفي الضرائب إلى الإبلاغ الفوري عنها لدى مكتب المفتش العام، أو حتى إليها شخصيًا، متعهدةً بالتعامل الجاد مع أي شكوى من هذا النوع وبشكل حازم.

وتخلص “عباس” إلى أن التعاون والثقة بين طرفي المعادلة، وهما السلطة المالية ممثلة بدائرة الضرائب، والمواطن صاحب المعاملة كفيلان بمعالجة أي خلل أو مشكلة تحصل وتؤدي إلى فشل الدائرة في جباية الأموال، وفشل المواطن في إنجاز معاملته واستكمالها.

النزاهة: الضرائب تتصدر الفاسدين

إلى ذلك أوضح مصدر في هيئة النزاهة أن التقارير المنجزة من قبلهم ما زالت تصنف دوائر الضريبة في قمة دوائر وزارة المالية تعاطيًا للرشوة في العراق، مبينًا أن هذا التصنيف مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، وأن الانخفاض الحاصل في هذه التعاملات غير القانونية طفيف جدًا حتى الآن.

“لا سبيل للعلاج سوى بمعاقبة الرؤوس الكبيرة وتقديمهم إلى القضاء”

وأشار المصدر “رفض ذكر اسمه لعدم تخويله بالتصريحات الإعلامية” في حديثة لــ”وكالة يقين”، أن التقرير الأخير المنجز من قبلهم يظهر أن جميع دوائر الضريبة في العاصمة بغداد شهدت حالات رشاوى وابتزاز من قبل الموظفين، وأن أكثر من ثلثي المراجعين لهذه الدوائر دفعوا مبالغ مالية في سبيل إنجاز معاملاتهم، مضيفًا أن دوائر التسجيل العقاري تأتي ثانيًا في هذه التعاملات، وتليها المصارف الحكومية المتعاملة بالقروض، ومنح التسهيلات المالية للمواطنين والشركات.

وتابع المصدر أن التوصيات التي قاموا برفعها لغرض معالجة هذه المشكلة نتج عنها قرار مجلس الوزراء المرقم 71 للعام الحالي، والذي نص على منح موظفي الهيئة العامة للضرائب مخصصات لا تزيد عن 50% من الراتب الاسمي، في محاولة للقضاء على ظاهرة الفساد فيها.

خبير: لا حل سوى بمعاقبة الرؤوس الكبيرة

غير أن الخبير الاقتصادي “عبد الصمد المشهداني” يشكك في جدوى مثل هذه القرارات وقدرتها على التخلص من آفة الفساد في دوائر الضريبة، خصوصًا بعد أن أدمن الموظف فيها على الأرباح الضخمة والسهلة، والتي جعلت الكثيرين يتنافسون على التعيين في هذه الدوائر، أو يطلبون النقل إليها من دوائرهم ووزاراتهم الحالية.

“أغلب المرتشين يتمتعون بمساندة ودعم من أحزاب وأشخاص متنفذين”

ويرى الخبير “المشهداني” إلى أن النزاهة وغيرها من المؤسسات الرقابية لا تحتاج إلى تقارير واستبيانات لكشف حجم الفساد في دوائر الضريبة؛ وإنما عليها أن تكتفي بمراقبة الموظف الذي بات يمتلك أكثر من عقارين وسيارات فارهة في غضون فترة قليلة من عمله في هذه الدوائر، مشددًا على أن هؤلاء لم يكتفوا بالتملك داخل العراق، وأنه شخصيًا يعرف مدراء وموظفين باتوا يمتلكون عقارات في تركيا والأردن ودول أخرى.

ويلفت “المشهداني” في حديث لــ”وكالة يقين” أن الخطأ جاء من القائمين على صناعة القرار بعد عام 2003، والذين ألغوا التعليمات السابقة التي كانت تمنح كل موظف في دوائر الضريبة حوافز من نسبة الانجاز السنوي، وهي طريقة صحيحة كانت تجعل الموظف يعمل بشكل مضاعف من أجل الحصول على هذه الحوافز، مشيرًا إلى أن الحكومات التي تعاقبت بعد الاحتلال ألغت الحوافز عن موظفي الضرائب، وفتحت لهم باب ابتزاز المواطن على مصراعيه -بحسب وصفه-.

ومع إقراره بصعوبة إصلاح الوضع الحالي في التصدي لهذه المشكلة، خصوصًا وأن أغلب المرتشين يتمتعون بمساندة ودعم من أحزاب وأشخاص متنفذين، إلا أن “المشهداني” يؤكد بأنه لا سبيل للعلاج سوى بمعاقبة الرؤوس الكبيرة وتقديمهم إلى القضاء، من أجل الاقتصاص منهم وإيقاع العقوبة عليهم -وبشكل عادل- ولا يحابي أحدًا، وهو ما سيجعل الباقين من مسؤولين وموظفين صغار يتوقفون عن هذه الممارسات وبدون هذا الحل فإن الأمل يبقى معدومًا في إصلاح حال البلد.

تعليقات