الجمعة 15 ديسمبر 2017 | بغداد 14° C
yaqein.net
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

الخدمات والرواتب ومخلفات الحرب يعرقلان حياة ساكني المناطق المستعادة في العراق

الخدمات والرواتب ومخلفات الحرب يعرقلان حياة ساكني المناطق المستعادة في العراق

 

أنهى بلال عواد الحلبوسي 3 سنوات من النزوح قضاها متنقلاً بين مدن كردستان العراق وعاد الى منزلة في حي الضباط “جنوب مدينة الرمادي في محافظة الانبار” الذي تحول ومعظم مباني الحي الى تل هائل من الأنقاض بعد معارك شرسة دارت رحاها هنا بين القوات الحكومية ومسلحي (تنظيم الدولة).

ويقيم الحلبوسي البالغ من العمر 45 عاماً مع عائلتة المكونة من زوجتة واربعة أطفال بشكل مؤقت لدى أحد اقربائهم في مركز مدينة الرمادي التي تشهد عودة واسعة للحياة وتوفر نسبي للخدمات مقارنة بباقي مناطق محافظة الانبار “كبرى محافظات العراق” ويعتزم استئجار منزل بجوارهم من أجل استئناف عمله في تصليح وصيانة السيارات تمهيداً لجمع مبلغ مالي يمكنه من إعادة بناء بيتة المدمر.

6 آلاف منزل مدمر

يؤكد النازح الانباري لــ”وكالة يقين” ان الحصول على منزل مستأجر وورشة وادخار المال وحتى بناء البيت لن يكون أمراً صعباً للغاية وبإمكانة القيام به ولكن المعضلة في جدوى بناء بيت وسط حي يسود الخراب أكثر من 90% من مبانية وعزوف الأهالي عن العودة إليه.

ويقع منزل الحلبوسي المدمر في منطقة القاطع الجنوبي الذي يعد أكبر مساحة جغرافية في مدينة الرمادي ويضم أحياء الضباط والاندلس واﻻسكان والبكر والمعلمين وشارع ستين ودارت علية أشرس معارك المدينة بين القوات الحكومية وميليشياتها من جهة ومسلحي (تنظيم الدولة) من جهة أخرى ، وانتهت في الشهر الأخير من عام 2015 بعد اقتحام مجمع الدوائر الحكومية وسط المدينة.

يرى الحلبوسي ان الحل الأمثل لمنطقته السكنية هو إزالتها تماماً وبناء أخرى وأن هذه العملية ستكون أكثر جدوى وملائمة من تعميرها غير المجدي بعد انهيار معظم المنازل وتدمير شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي وإختفاء معالم الشوارع وتحولها الى جبال من الأنقاض يصعب تحريكها دون التعرض لمخاطر القنابل غير المنفلقة.

وبحسب الإحصائية الرسمية الصادرة عن اللجنة الحكومية الخاصة بكشف الاضرار في البنية التحتية والتي حصلت “وكالة يقين” على نسخة منها فإن مدينة الرمادي تحتوي على 6 الاف وحدة سكنية مدمرة بالكامل وعشرات الالاف من المنازل التي لحقت بها أضرار مختلفة ويمكن إعادة تأهيلها.

المخلفات الحربية تعيق البناء

علاء بركات العلواني يمتلك منزلاً مدمراً في نفس المنطقة وانقطع عن الذهاب إليه بعد إنفجار قنبلة أودت بحياة ابن جاره الذي كان يتفقد بدوره بيتهم المهدم بالكامل وهي حادثة يقول إنها تكررت لأكثر من مرة بسبب كمية القنابل والعبوات الناسفة التي نتجت عن المعارك او تركها مسلحو (تنظيم الدولة ) شكل كمائن للقوات الحكومية المتقدمة نحوهم.

العلواني قال لــ”وكالة يقين” ان الخطوة الأولى التي قام بها قبل الرجوع من مدينة اربيل “شمال العراق” الى مدينته هو الأتفاق على تنظيف بقايا منزله من المخلفات الحربية بواسطة فريق محلي تقاضى منه مبلغ 500 الف دينار (400 دولار أمريكي) لرفع العبوات الناسفة وإبطال مفعول القنابل وهو إجراء قامت به الكثير من العائلات هنا ولكنه بحسب قول العلواني لم يقضي على المشكلة نهائياً وبقيت الحوادث تتكرر بشكل أقل ومتفرق.

ويعزو العلواني “يبلغ من العمر 39 عاماً” تكرار الحوادث إلى الطريقة المعقدة في زراعة هذه القنابل والتمويه الذي أحيطت بها حتى يصعب إكتشافها ،لافتاً إلى ان الاحاديث تدور بين الأهالي أن خبير صيني واخر روسي ينتميان لـ( تنظيم الدولة) قاما بالاشراف على وضع القنابل وتوزيعها بين المنازل وداخلها قبل الإنسحاب من المنطقة.

مسؤول حالي: نحتاج 3 مليارات دولار

من جهته يؤكد قائمقام الرمادي الحالي “ابراهيم العوسج” ان جهودهم في معالجة المخلفات الحربية والتخلص منها وصل الى مراحل متقدمة وبلغت نسبة الانجاز 95% في عموم احياء المدينة وذلك بالتعاون مع منظمة أمريكية متخصصة في مجال رفع القنابل وإبطال مفعولها وتأمين المناطق السكنية ، مضيفاً ان هذا الموضوع لم يعد يشكل خطراً كبيراً بالمقارنة مع الايام الأولى لانتهاء العمليات العسكرية في الرمادي.

العوسج الذي أنتخب في نهاية عام 2015 وبالاجماع لمنصبة الحالي أوضح لــ”وكالة يقين” ان مدينته بحاجة الى مبلغ 3 مليارات دولار من أجل إعادة بناء الأحياء السكنية فيها وأنهم لا يملكون سنت واحد من هذا المبلغ في الوقت الحالي ، مضيفاً أن الحكومة الحالية في بغداد لم تقدم لهم اي أموال في هذا المجال بسبب ظروف الحرب ونفقاتها من جهة والأزمة المالية الناجمة عن انخفاض اسعار النفط في الأسواق العالمية من جهة أخرى.

ويشير المسؤول الحكومي إلى أنهم لا يملكون خياراً للعمل سوى اللجوء الى المنظمات الدولية ومنها الاغذية العالمية واللاجئين والبنك الدولي من أجل توفير احتياجات المدينة ، مبيناً قيامهم بتشغيل مشاريع المياه والمضي في إعادة شبكة الطاقة الكهربائية وتأهيل الجسور والبنايات الحكومية وغيرها من الأعمال والتي ساهمت في ارتفاع كبير بنسبة العائدين الى المدينة.

ووفق الإحصائيات التي يحتفظ بها العوسج فإن حجم الإقبال على الرجوع الى مدينة الرمادي يصل في الوقت الحالي الى 92% من حجم سكانها الأصلي وهي في ارتفاع مستمر ولم تعد هناك اي مدينة في الرمادي خالية من السكان .

الموصل وكارثة العطش

وإلى مدينة الموصل في الشمال “أكبر مدن محافظة نينوى” وتحديداً في الساحل الأيسر منها يقضي أكرم حسين النعيمي معظم يومه في تأمين حاجة عائلته الى الماء وذلك بالتنقل في سيارته من أجل الحصول على كميات من ماء الشرب من المنظمات الإغاثية وعبوات أكبر للتنظيف والاستخدام المنزلي يقوم بنقلها من أحد الابار التي تم حفرها حديثاً في حي الحدباء المجاور.

النعيمي “يبلغ من العمر 35 عاماً” ينتظر مع مجموعة من جيرانه دورهم في حفر بئر بواسطة متعهد خاص يمتلك ماكنية خاصة بحفر الابار وهي عملية مزدهرة في هذا الشطر من مدينة الموصل والذي تم اقتحامه من القوات الحكومية قبل أقل من شهر.

يوضح النعيمي لــ”وكالة يقين” أن الحصول على الماء هو بمثابة الكابوس اليومي له حيث يبدأ بالبحث صباحاً عن المنظمات والفرق الإغاثية التي تقوم بتوزيع قناني المياه في أحياء مختلفة من الساحل الأيسر في المدينة ، بينما يعمل في الفترة المسائية في نقل الماء بواسطة عبوات كبيرة من الابار الموجودة في الاحياء السكنية والمساجد ويقوم بتفريغها في خزان كبير موضوع في حديقة منزله وتم تخصيصة لأغراض التنظيف فقط.

وبالرغم من توفير النعيمي مع مجموعة من جيرانه لمبلغ 2 مليون دينار “1600 دولار امريكي” من أجل دفعها لمتعهد حفر الابار الإ ان عليهم الانتظار لفترة 3 اشهر في أحسن الأحوال من أجل أن يحين دورهم وذلك بسبب انشغال المتعهد بتلبية قائمة طويلة من الزبائن الذين حجزوا لدية منذ الأيام الأولى لإنتهاء المعارك في مناطقهم .

حفاروا الابار وحاجة أهالي الموصل للمياه

يقر متعهد الحفر كمال ابراهيم الحديدي بصعوبة تلبية الطلبات المتزايدة على حفر الابار وذلك بسبب الصعوبات التي يواجهها مع فريق عمله جراء قساوة الأرض التي يقومون بالحفر فيها من جهة والاستهلاك المستمر في معداته من جهة أخرى.

المتعهد الحديدي أوضح لــ”وكالة يقين” أن سعر حفر المتر الواحد يبلغ 40 الف دينار “35 دولار أمريكي” وأن الطبيعة الجغرافية لمناطق الساحل الأيسر تحتوي على مناطق منخفضة مثل احياء المهندسين والشرطة والزراعي والبعث ويمكن الحصول على الماء بعد الحفر لعمق 10 أمتار ، مستدركاً بأن الحال يختلف في المناطق المرتفعة مثل احياء الزهراء الحدباء والمصارف والتي لن تحصل على الماء إلا على عمق 40 متر أو أكثر.

ويضيف الحديدي ان التكلفة لا تقتصر على الحفر ويضاف إليها كلفة مدة الأنابيب وتبطين داخل البئر ويقوم بهذه الأعمال مع فريقه وباستخدام ماكنتهم الضخمة المثبتة على شاحنة مجهزة بمولد كهربائي يعمل بالديزل ، متابعاً بأنهم في الماضي كانوا يقتصرون في عملهم على حفر الابار للمزارع والحقول ولكنهم تحولوا الآن الى داخل المدينة من أجل تجهيز السكان بالماء الذي يستخدم فقط في التنظيف ولا يمكنه شربه لارتفاع نسبة الكبريت فيه.

وبحسب متعهد الحفر فإن البئر الواحد لا يكفي في أحسن الأحوال لأكثر من ثمانية منازل بشرط الإستخدام المتوسط لكميات المياه وإلا فإنه سيجف مبكراً ولن يمكنه العودة لحفر واحد جديد بسبب جدول مواعيده الممتد إلى ستة أشهر من الحجوزات المتفرقة في أحياء الساحل الأيسر.

نائب محافظ نينوى الحالي “حسن العلاف” يؤكد ان توقف مشاريع المياه الكبرى في مدينة الموصل يأتي بسبب تدميرها أو وقوعها في مناطق تخضع لنيران القصف وتعذر وصول المهندسين وفرق العمل إليها أو حتى الاقتراب منها.

وأوضح العلاف لــ”وكالة يقين” ان واحدا من المشاريع الضخمة للمياه في مدينة الموصل وهو مشروع ساهرون تم تشغيلة ويقوم حالياً بتغذية 24 حي من المدينة بالمياه فضلاً عن مشاريع أخرى صغير تغذي عدد أقل من الأحياء السكنية ، مبيناً أنهم يعتمدون على المقطورات الحوضية في توفير المياه للمناطق المحرومة وعبر قطع مسافات طويلة بين مناطق التجهيز والتوزيع .

وبين العلاف أن الحاجة الفعلية للساحل الأيسر في مدينة الموصل يقدر بـــ10 مليون لتر من الماء يومياً ولكنهم يقومون بتوفير 3 مليون فقط في الوقت الحالي وذلك بمساعدة منظمة اليونسيف التي قامت بتوفير اسطول ضخم من السيارات الناقلة لمياه الشرب.

رواتب مقطوعة منذ سنتين

إلى جانب مشكلة الماء فإن كمال فائق الجلبي “معلم ابتدائي” يعاني مع جميع زملائه من معضلة عدم صرف رواتبهم منذ سنتين وبعد قرار حكومي يقضي بإيقاف صرف الرواتب للمناطق الساخنة وإدخارها للموظفين حتى عودة تلك المناطق إلى السيطرة الحكومية.

الجلبي أشار في حديثة لــ”وكالة يقين” إلى أنه شارك مع زملائه مؤخراً بتظاهرة ضخمة ضمت عدد من الكوادر التدريسية في مدينة الموصل وطالبوا الحكومة المركزية بسرعة صرف رواتبهم المتأخرة ، مؤكداً أنه يعاني من صعوبات كبيرة في تأمين مستلزمات العيش لعائلته الضخمة بسبب توقف راتبه مما دفعه إلى الإستدانة من بعض الأصدقاء والأقارب.

وتابع المعلم الابتدائي أنه لم يتمكن من الخروج من المدينة بعد سيطرة (تنظيم الدولة) عليها وتم شموله بنظام الإدخار الإجباري للرواتب وبقي على هذا الحال لأكثر من سنتين بدون أي مورد مالي ولا يفهم السبب الذي يجعله مستمراً في هذه المعاناة برغم مرور أكثر من شهرعلى اقتحام منطقتهم ، داعياً إلى صرف الرواتب المتجمعة أو حتى دفعة طوارىء منها.

وكان مجلس الوزراء الحالي قد قرر في حزيران /يونيو 2014 تجميع رواتب الموظفين في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة على أن تصرف لهم لاحقا بعد انتهاء العمليات الحربية ، في خطوة عدها مراقبون بأنها تهدف للحيلولة دون سيطرة (تنظيم الدولة) على هذه الرواتب واستخدامها في تمويل عملياته.

من جانبها تقر البرلمانية الحالية “محاسن حمدون” بوجود مشكلة كبيرة في موضوع الرواتب المدخرة للموظفين الساكنين في المناطق المقتحمة ، وبرغم وجود قرار صادر من رئيس الوزراء الحالي “حيدر العبادي” بسرعة صرف هذه الرواتب.

وتضيف حمدون التي تشغل عضوية اللجنة المالية في البرلمان الحالي انه والى جانب مشكلة الرواتب المدخرة فإن هناك مبالغ مخصصة لوزارة الهجرة ولإغاثة النازحين وتخصيصات أخرى تتعلق بصندوق إعادة الإعمار في المناطق المقتحمة وهذه لم تصرف بسبب الجهات التنفيذية.

حمدون قالت لــ”وكالة يقين” ان البرلمان خصص وضمن الموازنة المالية للعام الحالي أموال لدعم عمل وزارة الهجرة الحالية وللإغاثة الطارئة للنازحين مع تخصيصات للإعمار والتأهيل في المناطق المقتحمة ، مستدركةً بأن المشكلة والتأخير في وزارة المالية الحالية المسؤولة عن الصرف.

ولفتت حمدون إلى تخصيص مبلغ 500 مليار دينار لصندوق إعادة الإعمار في المناطق المقتحمة ولكن لم يتم الصرف منه حتى الان ، نافية وجود مشكلة في توفير الأموال وعازية الأمر إلى الروتين المتبع في إجراءات وزارة المالية الحالية والذي لم يتغير برغم الأسئلة والاستفسارات الرسمية الموجهة إليهم من لجنتها البرلمانية.

تعليقات