السبت 18 نوفمبر 2017 | بغداد 13° C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

الوضع الصحي والبيئي في العراق بعد الاحتلال الامريكي .. المستقبل المجهول

الوضع الصحي والبيئي في العراق بعد الاحتلال الامريكي .. المستقبل المجهول

 

ليس من اليسير أن نتحدث عن حجم التغييرات التي أصابت القطاعين الصحي والبيئي بعد عام 2003 في العراق، فهذا البلد الذي امتلك ذات يوم أفضل نظام صحي في الشرق الأوسط يعيش اليوم حالة من الفوضى الشاملة أصابت معظم مؤسساته الصحية، وأصابت بيئته بمعدلات من التلوث لم يعرفها تاريخه المعاصر.

ولعل أكبر مشكلة تواجه الباحث في هذا المجال هو قلة الإحصاءات أو انعدامها أحيانا، لوجود تأثيرات سياسية تحول دون نشر هذه التفاصيل بدقة، حيث تؤثر هذه الأرقام على المشهد السياسي بشكل كبير، وتعد مادة دسمة للدعايات الإنتخابية سلبا وإيجابا، كما أنها تعد مؤشرا على مدى نجاح الوزير والجهة التي ينتمي إليها في معالجة التردي في هذه المجالات، وهو ما يجعل الحصول على أرقام دقيقة أمرا شاقا وغير يسير لمن يبحثون عن الحقيقة.

فصول عشائرية

بعد أن أغلق الدكتور “ياسر حازم” عيادته في شارع الكندي في منطقة الحارثية غربي بغداد؛ بدأ في حزم أمتعته وتصفية أغراض منزله استعداد للرحيل إلى كردستان، بعد تعرضه لتهديد مباشر بالقتل إثر فشل عملية أجراها لأحد الاشخاص في مستشفى اليرموك الحكومي، ويحكي “حازم ” لـ”وكالة يقين” جزءا من معاناته التي بدأت حين أخبر أهالي المريض أن نسبة نجاح العملية تبلغ أقل من خمسين بالمائة وأنها قد تشكل خطورة على حياته، لكنهم وافقوا على إجرائها وأجريت ولم تنجح، فبدأ أهل المريض في مطالبته بدفع تعويض يقارب التسعين ألف دولار، وحين رفض هددوه بإغلاق عيادته، فأغلقها هو وانتقل إلى منطقة أخرى لكنهم لاحقوه إلى هناك وهددوه بالقتل هذه المرة إذا لم يدفع لهم المبلغ المطلوب، فقرر الرحيل بشكل نهائي عن بغداد.

ولا تبدو هذه القصة غريبة أو معزولة السياق عما يدور في الشارع العراقي، حيث تعاني شريحة الاطباء من غياب القانون واستشراء ظاهرة (الفصول العشائرية) بمعزل تام عن سلطات الدولة التي لا تستطيع التدخل خوفا من استثارة غضب العشائر.

خطف وقتل وابتزاز

وبالإضافة إلى ذلك فقد استشرت بعد 2003 ظاهرة اختطاف الاطباء ومطالبة أهاليهم بفدى مالية، وكثيرا ما تنتهي هذه القصة بمقتل الطبيب حتى بعد استلام المبلغ المطلوب، وقد تعرضت كثير من الأسماء المعروفة إلى الإختطاف وتمت تصفية بعضهم وإطلاق سراح البعض الآخر بعد استلام مبالغ طائلة من أسرته.

وتعيد هذه الأحداث إلى الأذهان ظاهرة استهداف الكفاءات العملية بعد الغزو الأمريكي، حيث تم تصفية مئات الاطباء وأساتذة الجامعات والشخصيات العلمية والأكاديمية، ويقول الدكتور “صلاح الحداد” أمين سر إتحاد الأطباء العراقيين لـ”وكالة يقين” إن عدد من قتلوا من الأطباء منذ عام 2003 بلغ حوالي 450 طبيبا، أما الذين هاجروا فهم بحدود أحد عشر ألف طبيب غادروا العراق نتيجة التهديد والإبتزاز والاعتداء عليهم في أماكن عملهم، ويضيف الحداد أن العراق كان يضم حوالي 24 ألف طبيب عام 2003 وهذا يعني أن أكثر من ثلثهم قد غادروا العراق، مما يجعل المتضرر الحقيقي من كل ما يحدث هو المواطن البسيط.

تفشي الأمراض وغلاء العلاج

وقد بدأت بعض الأمراض والأوبئة التي تم الحد منها أو القضاء عليها تقريبا في العراق منذ نهاية السبعينات كالكوليرا والملاريا والتيفوئيد بالعودة مرة أخرى وبشكل كبير، لقلة الرعاية الصحية وانتشار التلوث وضعف الرقابة الحكومية.

وتمثل ظاهرة غلاء أسعار العلاج تحديا لفئة واسعة من فقراء العراق الذين يشكلون حوالي ربع السكان، وتقول “حنين صالح” وهي معلمة في إحدى المدارس الإبتدائية لـ”وكالة يقين” أن راتبها الشهري لا يكاد يكفي لدفع إيجار المنزل الذي تقطنه وإعالة أبنائها بعد رحيل والدهم، مضيفة أن أسعار الدواء والعلاج غالية جدا وأنها تضطر لاقتراض المال من عائلتها حتى تستطيع تغطية تكاليف المعيشة، ورغم أن العلاج في المستشفيات الحكومية مجاني إلا أن مستوى الخدمات المقدمة هناك سيىء حسبما تقول “حنين”، كما أن بعض الأطباء هناك لا يعالجون المرضى بشكل جيد حتى يلجؤوهم لمراجعة عياداتهم وأسعارها التي لا تطاق.

وفي شارع الكندي بالحارثية غربي بغداد والذي يضم أكبر تجمع للعيادات الطبية في بغداد؛ تتفاوت أسعار كشفيات الأطباء بين عيادة وأخرى، فبعضها مقبول ومناسب نوعا ما للفقراء، إلا أن البعض الآخر قد يصل إلى 150 ألف دينار، أي ما يعادل حوالي 125 دولارا، وخاصة لأصحاب التخصصات الطبية الدقيقة والنادرة، وهو ما يرهق كواهل المرضى من الفقراء، الذين لا تقدم لهم المستشفيات الحكومية العلاج المطلوب.

كما أن بعض أصحاب هذه العيادات يمتلكون مستشفيات خاصة، وهي تعالج مرضاها وتجري العمليات لهم بأسعار باهظة جدا، ويجد البعض نفسه مضطرا أحيانا للذهاب إليها خوفا على حياته من الإهمال الطبي الموجود في المؤسسات الصحية الحكومية.

التحريض على الأطباء

ويصف كثير من المواطنين فئة الأطباء بالجشع واستغلال حاجة الناس، لأنهم يرفعون أسعار العلاج في عياداتهم أو مستشفياتهم الخاصة، وهو ما يجر نقمة واستياءً شديدين على الأطباء في الأوساط الشعبية، ويعرّض بعضهم للانتقام العشوائي تحت ذرائع مختلفة، لكن الأطباء يقولون أن أسعار العلاج تتعلق بطبيعة المرض وبالاختصاص الدقيق الذي يمارسه الطبيب، ويشتكي أطباء كثيرون من وجود ما يعتبرونه (نغمة) تحريض عليهم في بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي، ووفقا للمرصد العراقي لحقوق الأطباء فإن بعض الصحفيين يقومون بالتحريض على الطبيب مما قد يؤدي لاستهدافه فيما بعد، وتؤكد تقارير المرصد وجود عشرات حالات الإعتداء على الأطباء شهريا إما لفظيا أو يدويا وبالسلاح، وربما تطور الأمر إلى إغلاق عياداتهم أو استهدافهم بالخطف والقتل.

حماية الأطباء

ويتطور الأمر أحيانا إلى وقوع صِدام بين موظفي المؤسسات الطبية والأطباء أنفسهم، حيث ترد إلى المرصد شكاوى باستمرار وعلى مدار العام بتهجم بعض الموظفين والعاملين هناك على الأطباء أو تهديدهم، ويقول عضو المرصد “محمد علي فنجان” لـ”وكالة يقين” إن البعض يتعامل مع الطبيب كمصدر للثروة والمال فيسعى للاحتكاك به وافتعال مشكلة ما تضمن حصوله على تعويض مالي كبير، مضيفا أن بعض المؤسسات الأمنية لا تستطيع حماية الطبيب أحيانا لأن أفرادها ينتمون إلى عشائر يخضعون لأوامر شيوخها، مما يتطلب تفعيل قانون (حماية الأطباء) الذي تمت الموافقة على إقراره عام 2016، لكن بنوده لم تطبق عمليا حتى الآن.

وبحسب “فنجان” فإن بعض وسائل الإعلام تحرض بشكل مباشر أو غير مباشر على الأطباء، مما أدى إلى خلق فجوة كبيرة بين الطبيب والمواطن العادي، ووقوع حالات اعتداء وابتزاز كثيرة فيما بعد.

نازحون وأوبئة

وفي مخيم حمام العليل الذي يضم آلاف النازحين من الموصل لم يعد “أبو يونس” يطيق تحمل ما وصلت إليه حالة أبنائه الثلاثة بعد إصابتهم بمرض الجرب نتيجة انعدام الماء الساخن للاستحمام وتلوث الجو هناك وقلة الرعاية الصحية، ويقول “أبو يونس” لـ”وكالة يقين” إن إدارة المخيم قدمت له بعض المراهم لعلاج أبنائه لكنها لم تجد معهم نفعا ولم تسمح له السلطات بأخذهم إلى خارج المخيم لوجود تحرزات أمنية تمنع خروجهم، وظلوا كذلك حتى مجيء فريق من منظمة إغاثية من بغداد قدمت لهم علاجا ساهم في تخفيف حالتهم الصحية نحو الأحسن، لكنهم ما زالوا بحاجة إلى عناية أكثر، ويؤكد “أبو يونس” أن الأمراض الجلدية كالجرب والكلف والحساسية والصدفية وغيرها باتت تنتشر بشكل كارثي بين ساكني المخيم دون أن تقوم الجهات المسؤولة بوضع حد لها.

وقد أسهمت حالة الحروب التي مرت بها البلاد في انتشار العديد من الامراض، لا سيما في أماكن النزاعات والمعارك، حيث تكاد تنعدم الخدمات الطبية وتصبح ترفا قد لا يجده المواطن، فبالإضافة إلى الأوضاع المتردية للمستشفيات في المناطق التي اقتحمتها الحكومة أو ما زالت تخوض حربا لاقتحامها؛ بدأت العديد من الأمراض تنتشر في أوساط السكان المحليين بشكل يدعو للقلق، وأسهم تكدس مئات آلاف النازحين في مخيمات غير مهيأة لاستقبالهم وتنعدم فيها مقومات العيش الكريم؛ في انتشار كثير من الأوبئة مثل الكوليرا والتيفوئيد والجدري وحبة بغداد، حيث ينعدم أو يشح الماء الصالح للشرب، وتغيب الرقابة الصحية على المواد الغذائية الداخلة إلى هذه التجمعات السكانية الكبيرة.

غياب الجهد الحكومي

وتبذل منظمات إغاثية وطبية جهودا مضنية لمنع تحول الحالات المرضية إلى أشكال وبائية، كما يقول “خالد السامرائي” لـ”وكالة يقين” وهو ناشط مدني وعضو إحدى الفرق التطوعية العاملة في محافظة نينوى وخاصة في مخيم الجدعة بالقرب من مدينة القيارة، ويشير “السامرائي” إلى أن وجود هذا الكم الكبير من البشر في أماكن صغيرة ومغلقة يجعل من الصعب القيام بالعزل الصحي المطلوب ومنع انتشار العدوى بين المقيمين هناك، حيث يشترك أهل الخيمة في الأكل والشرب والنوم، كما تتشارك عشرات العوائل وربما أكثر في استخدام دورات مياه غير نظيفة وهي الأكثر تلوثا ونقلا للأمراض، كما أن تعرض القاطنين هنا إلى الشمس لأوقات طويلة وعدم تهوية الخيام التي يسكنونها تسهم في انتقال هذه الأمراض وتوطنها.

ويحذر “السامرائي” من أن جهود وزارة الصحة ما زالت دون المستوى المطلوب، فالمستوصفات التي أقامتها في هذه المخيمات تفتقر للكثير من الأجهزة والمستلزمات الطبية، وعدد الأطباء غير كاف بالمرة حيث أن أعداد النازحين في المخيمات مهولة وتحتاج إلى مستشفيات كاملة بطواقمها الطبية، لا سيما مع ظهور بعض حالات الإصابة بالكوليرا نتيجة تلوث المياه والأطعمة، وإذا ما استمرت الأوضاع بهذا الشكل فإنها يمكن أن تنتشر بشكل أوسع لتشكل وباءً لا تستطيع الإمكانات الطبية الحكومية مواجهته أبدا، على حد قوله.

تلوث البيئة.. خطر داهم

وقد كانت إحدى ضحايا الحروب الطويلة التي خاضها العراق في العقود الأخيرة هي البيئة، ورغم أن العراق كان من أوائل الدول العربية التي فكرت في حماية البيئة والحد من تلوثها وأسس (الهيئة العليا للبيئة البشرية) عام 1974؛ إلا أن هذه الصراعات والنزاعات المسلحة أسهمت في تدهور الأوضاع البيئية وزيادة التلوث بنسب لم يعرفها تاريخ البلاد، وكان من نتائج ذلك زيادة التصحر وانحسار المساحات الخضراء، وتلوث مياه نهري دجلة والفرات مع انحسارهما.

ومصادر تلوث البيئة في العراق كثيرة، يأتي في مقدمتها الأسلحة الجرثومية والمشعة باليورانيوم التي تم استخدمها قبل الغزو الأمريكي وأثناءه وبعده، وقد وقعت مدن كثيرة ضحية له على رأسها الفلوجة، وحسب إحصاءات منظمات طبية فإن نسب الولادات المشوهة بين أطفالها تقترب من 10% في بعض الأحياء والمناطق، بعد استخدام جيش الاحتلال الأمريكي للفسفور الأبيض في قصفه للمدينة عام 2004.

ويعج مستشفى الفلوجة العام بحالات لأطفال ولدوا مشوهين خلقيا بسبب تأثر أمهاتهم بالإشعاعات والتلوث الناتج عن الأسلحة المحرمة دوليا والتي أمطرت المدينة بها، وهذه الإصابات تتمثل في تشوهات في فتحات القلب الولادية، وتشوهات في القلب والصدر، وورم في الدماغ الولادي، والتهاب الأعصاب مع سقوط القدمين، وضمور في الرأس وتلف في خلايا الدماغ، ونسبة الشفاء في معظم هذه الحالات قليلة جدا، وهناك أطفال يفارقون الحياة بعد ولادتهم مباشرة لإصابتهم بتشوهات صعبة ونادرة مثل الولادة برأسين وغير ذلك.

وتشير هذه الحالات والأرقام إلى مستقبل مخيف ينتظر أطفال العراق بسبب حروب ونزاعات لم يكونوا طرفا فيها، أما أمراض السرطان فتسجل هي الأخرى نسبا مرعبة كما تقول منظمة الصحة العالمية.

مواد مشعة في المدن

ووفقا للجنة الصحة في البرلمان فإن نسبة الأمراض السرطانية في العراق تبلغ سبعين إصابة لكل مئة ألف شخص، وهي نسبة مرتفعة جدا قياسا إلى المستويات الطبيعية، وتتوزع هذه الإصابات في محافظات العراق المختلفة، لكن محافظات معينة نالت نصيبها الأكبر من هذه الأمراض الخبيثة، في مقدمتها البصرة التي تسجل خمسين إصابة شهرية بهذا المرض الخبيث كما تقول منظمات طبية، وخاصة سرطان المعدة، وسرطان البلعوم، وسرطان الغدد اللمفاوية، وسرطان المثانة، وسرطان الرئة والقصبات، وسرطان الجلد، وما يزيد من انتشار هذه الحالات هو التلوث الذي تحدثه المنشآت البترولية والتي تقوم بحرق البرك النفطية الغاز قريبا من التجمعات السكانية.

وقد ثارت مؤخرا ضجة كبيرة في وسائل الإعلام المحلية بعدما أعلن عضو البرلمان “حسن سالم” عن وجود مخلفات إشعاعية في منطقة كسرة وعطش بمدينة الصدر في بغداد، ليتبين أن بعض أصحاب الورش يقومون بصهر مواد مشعة في تلك المنطقة الصناعية التي تحتوي على عدد كبير من ورش تصليح السيارات، مما أثار مخاوف من اتساع دائرة هذا التلوث وما يمكن أن يشكله من خطورة على السكان هناك، ورغم كل هذه التحذيرات فإن السلطات لم تبذل جهودا واضحة لتدارك هذه الكارثة المحتملة، واكتفت بإرسال تطمينات للرأي العام على عدم خطورة الوضع، فيما يستقبل مستشفى الإمام علي في مدينة الصدر عشرات الحالات التي يشك بتعرضها لهذا الإشعاع، وقد تم إهمال القضية كما حدث من قبل مع تسرب مواد ملوثة إشعاعيا من المفاعل النووي العراقي في منطقة التويثة، وأدى إلى مئات الإصابات بهذا المرض بعد الإحتلال الأمريكي مباشرة.

وعلى الرغم من الزيادة المضطردة لحالات الإصابة بالسرطان فإن عدد المستشفيات لعلاجه غير كاف وتكاليفها باهظة، وهو ما دفع كثيرا من المرضى إلى التوجه خارج العراق للعلاج منه، وخاصة في الأردن وتركيا والهند وإيران نسبة لقلة الكلفة المادية قياسا بالمستشفيات العراقية.

تآكل البنى التحتية

ولأن الكهرباء مشكلة مستعصية في العراق لم تجد لها الحكومات المتعاقبة حلا حتى الآن، فقد لجأ العراقيون إلى الإستعانة بالمولدات الكهربائية التي أصبحت تنتشر في كل شارع وزقاق، وهو ما ساهم في ارتفاع مستويات التلوث الذي تسببه عوادمها، هذا عدا الضوضاء التي تحدثها في المناطق السكنية.

أما شبكة المجاري فهي تعاني من تلف شديد ولم تجر عليها أي إصلاحات ذات شأن منذ عام 2003 وتنعدم بشكل شبه كامل في العديد من المدن والبلدات والقرى، لذا يتم تفريغ مياه الصرف الصحي في الكثير من المناطق في نهري دجلة والفرات، وهو ما يزيد من نسب التلوث في مياههما.

ويقول “عمر العبيدي” لـ”وكالة يقين” وهو من أهالي الأعظمية ببغداد أنه ترك وأصدقاءه هوايتهم المفضلة وهي السباحة في دجلة في الصيف لأن مياه المجاري بدأت تتسرب إلى النهر وتحدث تغيرا في لونه ورائحته، وقد قاموا بإبلاغ المجلس البلدي أكثر من مرة وحذروه من خطورة هذا الأمر إلا أن تفريغ المجاري في دجلة ما زال مستمرا، ويؤكد العبيدي أن البيئة المرتبطة بالنهر بدأت بالتأثر بشكل سلبي بسبب هذا الموضوع، حيث قلت الأسماك فيه وماتت بعض النباتات التي كانت تنمو على شاطئيه.

نفايات المصانع

وعلاوة على ذلك فإن العديد من المصانع والمعامل تقوم برمي نفاياتها في مياه الأنهار، ووفقا لتقارير وزارة الصحة فإن مياه المبازل التي ترمى في دجلة على سبيل المثال وتحوي على نسبة 40% من الأملاح قد تسببت بارتفاع نسب ملوحة مياهه، التي باتت تستقبل أكثر من مليار متر مكعب سنوياً من المبازل، هذا عدا مخلفات المصانع المليئة بالمواد الكيميائية السامة، وتشير هذه التقارير أيضا إلى أن 42 ألف لتر منها ترمى في مياه النهر كل ثانية، يتسبب كل لتر منها في تلويث أربع لترات نظيفة، وهذا الإهمال ينتج عنه يوميا 1.25 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي، وأدى تلوث مياه النهر إلى عودة ظهور أمراض مثل البلهارسيا والملاريا كان العراق قد تخلص منها منذ نهاية سبعينات القرن الماضي.

ولا يعرف أحد كيف ستتم مواجهة هذه التحديات المصيرية التي تشكل خطرا مباشرا على حياة الإنسان العراقي، في وقت تتجاهل فيه حكومات ما بعد 2003 الجهود لعلاج هذه المشاكل، اذ أن قضية الخدمات لا تزال في آخر سلم اهتماماتها، فلم يتم إحداث أي تطوير أو إضافات ذات قيمة على البنى التحتية في المؤسسات الصحية أو حماية البيئة، ولا تزال المستشفيات الحكومية تعاني قلة الخدمات وسوء معاملة المرضى واستغلالهم أحيانا، وهو ما يعني أن العراق ما زال ينتظر مزيدا من الكوارث الإنسانية التي يذهب ضحيتها العراقيون البسطاء في كل مرة.

تعليقات