الإثنين 29 مايو 2017 | بغداد 30° C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

التغيير الديموغرافي في العراق بعد 2003.. واقع مزر وأفق معتم

التغيير الديموغرافي في العراق بعد 2003.. واقع مزر وأفق معتم

 

تعرض العراق منذ دخول قوات الاحتلال الأمريكية فيه عام 2003 إلى هزات إجتماعية عنيفة، مزقت نسيجه الداخلي وأحدثت شروخا عميقة بين مكوناته، وقد انطلقت منذ أيام الغزو الأولى مقاومة مسلحة توجهت بنادقها لجنود الاحتلال الأمريكيين وقوات التحالف التي جاءت معها، إلا أن أحداث تفجير مرقد سامراء في 22 فبراير عام 2006 قد حرفت البوصلة باتجاه حرب ونزاع مذهبي بين السنة والشيعة، وقومي بين العرب والأكراد في مناطق التماس بينهما، وبحسب إحصاءات ديوان الوقف السني فإن عدد المساجد التي تم استهدافها في الساعات والأيام التي تلت تفجير المرقدين العسكريين في سامراء بلغت حوالي 168 مسجداً في بغداد وديالى والبصرة ومدن أخرى، فيما أفادت إحصائية نشرتها الأمم المتحدة أن عدد الضحايا العراقيين عام 2006 بلغ 34 ألف شخص، معظمهم قتلوا في أحداث عنف طائفي بعد الحادث المذكور.

 لكن عملية التغيير الديموغرافي على الأرض قد بدأت إرهاصاتها قبل ذلك، فقد سجلت حالات قتل على الهوية في بعض المناطق لا سيما جنوب العراق وبغداد تجاه اشخاص شيعة تحولوا إلى المذهب السني، وشهدت بعض المساجد اعتداءات من قبل جهات مجهولة، إلا أن الإغتيالات كانت موجهة بالدرجة الأولى تجاه الكفاءات العلمية وضباط وطياري الجيش السابق بمختلف انتماءاتهم، لكن بركان العنف الطائفي قد تفجر بعد أحداث سامراء، فتم قتل الآلاف على الهوية في عدد من المدن وعلى رأسها بغداد والبصرة ومدن جنوبية أخرى، وفجرت وأحرقت عشرات المساجد، وتم تهجير آلاف الأسر من مناطق سكناها، حتى خف أوار هذه الحرب عام 2008 وبدأت بعض الأمور تعود إلى نصابها، لكن الإستهداف الطائفي والتهجير على الهوية لم يتوقف بل أخذ أشكالا أخرى، وتحت غطاء رسمي تمثل بالدولة ومؤسساتها ، ثم جاء سقوط الموصل في العاشر من يونيو عام 2014 بيد (تنظيم الدولة) ليفتح صفحة جديدة أكثر دموية وبشاعة في ملف التغيير الطائفي، ما زال العراق يئن تحتها حتى اليوم.

بدايات صادمة

كان المجتمع العراقي ما زال في طور استيعاب صدمة الإحتلال وانهيار مؤسسات الدولة وشيوع حالة الفوضى العامة؛ حين بدأت أول جريمة عنف طائفي في البصرة، حيث تم قتل عائلة مكونة من والد وأبنائه وإخوته وحرق جثثهم بماء النار (التيزاب) بسبب تحولهم إلى المذهب السني، وقد أثارت هذه الحادثة امتعاضا وغضبا شديدين في العديد من الأوساط، لكن المسألة جرى التعتيم عليها خوفا من اشتعال فتيل النزاع الطائفي.

ثم بدأت عمليات القتل تتزايد خاصة في بغداد وأطرافها، واستهدفت في البداية المتسننين من الشيعة، الذين تم وصفهم بـ(المرتدين)، لكن هذه الأعمال لم تأخذ طابعا جماعيا.

إلا أن صدامات متفرقة بدأت تلوح في الأفق مع تزايد عمليات اغتيال بدأت تأخذ طابعا طائفيا، عبر استهداف السنة دون غيرهم، أو أئمة المساجد وأساتذة الجامعات، كما بدأت بعض الأحزاب الشيعية بالترويج لقوائم ممن سمتهم بـ(مجرمي النظام البائد) وتلا ذلك عمليات تصفية تحت غطاء الجيش والشرطة ونزول بعض المليشيات إلى المعركة بشكل مباشر، وخاصة ميليشيا جيش المهدي ، التي بدأت في تنفيذ عمليات خطف واعتقال وقتل في مدينة تلعفر بمحافظة نينوى بدعوى محاربة (التكفيريين)، ثم جاءت أحداث سامراء ليخرج الصراع عن السيطرة ويصبح مكشوفا وواضحا للعيان.

وكانت عمليات التغيير الديموغرافي والاستهداف الطائفي تتم تحت سمع الأمريكان وبصرهم، فيما اعتبره الكثيرون وقتها كنوع من العقاب للمناطق السنية التي ثارت وقاومت الإحتلال، وقد سجلت العديد من الحالات التي سمح فيها الأمريكيون لميليشيا جيش المهدي وغيرها من المليشيات بدخول المناطق السنية لتنفيذ عمليات قتل جماعي فيها، لا سيما في بغداد وحزامها، رغم نداءات الإستغاثة التي كان يطلقها السكان، إلا أنها لم تجد آذانا صاغية لدى الجيش الأمريكي الذي كان يمسك بزمام الأمور في الشارع.

هدوء نسبي

وقد شهدت مدن البلاد في نهايات عام 2007 وبدايات 2008 هدوءا نسبيا كبيرا، بعد ظهور حركة الصحوات، وهم مجموعة من المقاتلين السنة الذين قاتلوا القاعدة وأخرجوهم من مناطقهم، مما أدى إلى شيوع حالة من الهدوء والأمن فيها، وبدأت العوائل تعود إلى منازلها وتمارس حياتها بشكل شبه طبيعي.

ورافق ذلك انقلاب المالكي في فترته الاولى على ميليشيا جيش المهدي التي كانت قد أحكمت سيطرتها على مدن كاملة في الجنوب، فجاءت عملية (صولة الفرسان) والتي قتل فيها العشرات من مناصري هذه المليشيا وزج المئات منهم السجون؛ لتزيد من حالة الإستقرار هذه.

لكن موجة الإضطهاد عادت بشكل مختلف مرة أخرى تحت ستار الدولة في الولاية الثانية للمالكي، حيث بدأ استهداف القيادات السنية المناوئة للمالكي كـ”طارق الهاشمي” و “رافع العيساوي” و “عدنان الدليمي” و “محمد الدايني” وغيرهم، مع تنام واضح لمليشيات عاودت الظهور كـ(عصائب أهل الحق) و(بدر) وأخذت تمارس أدوارا أمنية وسياسية، وعادت حالات التهجير على أسس طائفية لتطل برأسها من جديد في العديد من المناطق، كشمال بابل وديالى والبصرة وحزام بغداد، حتى ظهر (الحراك السني).

الحراك السني.. مرحلة جديدة

أحدثت سياسات رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” في فترته الثانية احتقانا شديدا في المناطق السنية، حيث زادت موجات الإعتقال والاختطاف، بالإضافة إلى اغتيال الشخصيات المؤثرة في المجتمع السني، وتم تفعيل المادة الرابعة من قانون الإرهاب والمعروفة بالمادة (4 إرهاب)، والتي أصبحت سيفا مسلطا على رقاب كل ما يعارض سياسات المالكي أو أحد أعوانه، وأصبحت التهم تلفق بشكل علني ومقابل أموال، وتم توظيف مؤسسة القضاء لتجريم وإدانة العديد من الأشخاص، وانتشرت ظاهرة السمسرة على أهالي المعتقلين، حيث كان يتم ابتزازهم لإطلاق سراح أبنائهم مقابل مبالغ مالية طائلة، مما أدى إلى انطلاق ما عرف بـ(الحراك السني).

وكانت شرارة هذه التحركات الجماهيرية عفوية بعد اعتقال حمايات وزير المالية السابق “رافع العيساوي” ومحاولة تلفيق تهم لهم تتعلق بالإرهاب، فانطلقت تظاهرات عفوية في الفلوجة للتنديد بالحدث وذلك في 21 كانون الأول عام 2012، لكنها بدأت تنتشر بسرعة في جو كان مهيئا لذلك، فخرجت تظاهرات في جميع المدن السنية تقريبا ثم وصلت إلى قلب بغداد، وارتبط هذا الحراك بالمساجد وساحات معينة في بعض المدن عرفت بـ(ساحات العزة والكرامة)، لكن المالكي اختار الحلقة الأضعف فيها وهي ساحة تظاهرات الحويجة ليهاجمها ويقتل ويصيب ما يقارب المائتي شخص من المعتصمين فيها، فبدأت الصدامات المسلحة في مناطق عدة كالحويجة والفلوجة وسليمان بيك قبل أن يتم احتواؤها، وتلا ذلك اعتداءات بالقتل وتفجير المساجد والاسواق العامة في المناطق السنية، كان من أبرزها قتل أكثر من 86 شخصا من مصلي جامع سارية في بعقوبة بعد خروجهم من صلاة الجمعة بتاريخ 17/5/2013، وعشرات الحوادث المتفرقة من اغتيالات واعتقالات وحصار لمدن وقرى كاملة.

ثم تجدد الأمر حين تم اقتحام منزل عضو البرلمان السني “أحمد العلواني” في الرمادي بتاريخ 28/12/2013 وقتل أخيه واعتقاله، فتحول الصراع إلى صدام بين مسلحين سنة والحكومة في الرمادي والفلوجة التي خرجت عن السيطرة منذ الأيام الأولى، حتى سقوط الموصل بيد (تنظيم الدولة).

بغداد وحزامها.. العاصمة في قلب العاصفة

ربما يصاب المرء بالدهشة حين يطالع خريطة بغداد المذهبية قبل 2003 وبعدها، حيث كانت من أكثر صفحات عمليات التغيير الديموغرافي دموية في العراق هو ما جرى في بغداد وحزامها، فهي العاصمة التي يتصارع حولها الجميع، وقد تعرضت عدد من المناطق والأحياء إلى تغيير شبه كامل في هويتها بعد قتل وتهجير معظم ساكنيها من الطوائف الأخرى.

“خالد حميد” كان من سكان منطقة بغداد الجديدة في جانب الرصافة، لكنه انتقل في العام 2006 إلى منطقة الصليخ، بعد تعرضه لأكثر من محاولة قتل واختطاف، فآثر السلامة لنفسه وعائلته وترك منطقته التي تربي فيها منذ نعومة أظفاره كما يقول، ويضيف أنه اضطر لبيع منزله الذي تبلغ مساحته مائتي متر بأبخس الأثمان لأنه كان مضطرا للخروج بسرعة بعد أن تلقى تهديدا مباشرا بالمغادرة، وفوق هذا فقد فرضت المليشيات التي كانت مسيطرة هناك على السكان ألا يشتروا منازل السنة هناك إلا بأسعار بخسة حتى لو كانت كبيرة أو فخمة.

ولحميد شقيقان غادر أحدهما العراق مع عائلته مستقرا في تركيا بانتظار فرصة للهجرة إلى دول أوربا أو أمريكا عن طريق الأمم المتحدة، فيما يشاطره أخاه الآخر البيت الذي يقيم فيه اليوم، ويروي حميد للموقع قصة جارهم الذي كان يداوم على الصلاة في الجامع السني بالمنطقة وكيف تم رصده وهو خارج من صلاة الفجر وقتل ومعه ثلاثة مصلين آخرين عام 2008، دون أن يعرفوا ما هي التهمة التي جنوها، رغم أن علاقاتهم الإجتماعية كانت جيدة مع جيرانهم الشيعة والمسيحيين.

تهجير وحرب وجود

ومن أبرز المناطق المختلطة التي تم تهجير سكانها من السنة بعد 2003:

1-منطقة الحرية في جانب الكرخ: والتي كان يشكل السنة نحو نصف سكانها، وهم من عدة عشائر أبرزها المشاهدة والبطة والمسارة وغيرهم، وقد تم قتل العشرات من شبابهم وتهجير آلاف العوائل، والتي بدأت في الانتقال نحو مناطق أخرى في الكرخ، كالغزالية وحي العدل وحي الجامعة واليرموك، وبعضها نزح إلى مناطق أكثر أمنا كالطارمية والتاجي، مما أدى إلى خلو المنطقة من سكانها السنة تقريبا، باستثناء عائلات قليلة متفرقة، ترتبط في الغالب بعلاقات مصاهرة مع الأهالي الشيعة.

2- منطقة بغداد الجديدة في جانب الرصافة: وكان السنة يشكلون حوالي نصف سكانها أيضا، فتم حرق العديد من مساجدها وقتل عشرات الشباب في مختلف أحيائها، وقد هجر معظم سكانها السنة مناطقهم، ولم يعد إليها إلا عدد قليل منهم بعد استتباب الأمن فيها، لكن أوضاعهم بقيت غير مستقرة، وتتعرض أعداد منهم كل فترة للاعتقال أو الإغتيال.

3- منطقة الشعب في جانب الرصافة: وقد كان السنة يشكلون حوالي 65% من سكانها، إلا أن قربها من قناة الجيش والتي تتمركز خلفها أحياء شيعية ذات ثقل سكاني كبير كمدينة الصدر وغيرها؛ عرضها لهجمات كبيرة تم فيها قتل العديد من الشبان وتم حرق مساجد في أحيائها المختلفة.

لكن الوجود السني فيها لم ينته، حيث بقيت نسبة السنة تتراوح بين 30-40%، لكن معظم مساجدها تعرضت للاغتصاب أو الإعتداء، واستمرت وتيرة الإغتيالات، وإن كانت بشكل أقل من المناطق الأخرى نسبيا.

4- حي أور في جانب الرصافة: وهي قريبة من منطقة الشعب، وكانت نسبة السنة تشكل فيها حوالي 40%، ولكن بسبب عمليات الإغتيال والتهجير إنخفضت النسبة إلى نحو 15%.

4- قضاء المدائن جنوب شرق بغداد: وهو منطقة ذات أغلبية سنية مطلقة، لكنه يتميز بخصوصية وجود مرقد الصحابي “سلمان الفارسي” فيه، وهو شخصية ذات أهمية وتقديس لدى الشيعة، كما أن المنطقة كانت العاصمة الشتوية للدولة الساسانية في عهوده الأخيرة مما جعلها في بؤرة الحدث، فتعرضت بعض مساجدها للاعتداء، وسيطر مسلحون ينتمون لبعض الفصائل الشيعية على مرقد “سلمان الفارسي” ، ليصبح منذ ذلك التاريخ تابعا للوثق الشيعي بعد أن كان سنيا لأكثر من الف وأربعمائة عام، ورغم عمليات التهجير التي تعرض لها السنة في مركز القضاء؛ إلا أنهم ظلوا يشكلون نحو 75% من سكانه.

5- قضاء المحمودية جنوب غرب بغداد: وقد أظهرت نتائج انتخابات عام 2006 أن نسبة السنة بين سكانه تتجاوز 85%، لكن هذه المنطقة تعرضت لواحدة من أعتى موجات القتل الطائفي، والتي أودت بحياة الآلاف من سكانها، وقد تم اكتشاف مقبرة جماعية عام 2008 تضم رفات أكثر من أربعة آلاف من السنة الذين قتلتهم المليشيات في سنوات العنف الطائفي، وقد انخفضت نسبة السنة بين سكان المركز إلى نحو 20% ، إلا أنهم ظلوا يشكلون أغلبية في النواحي التابعة للقضاء، وهي اللطيفية واليوسفية والرشيد.

6- منطقة أبو دشير في جانب الكرخ: وتقع بالقرب من منطقة الدورة ذات الأغلبية السنية، وكان السنة يشكلون نحو ثلث سكانها قبل أحداث سامراء، إلا أنه بعد عمليات القتل والتهجير الطائفي انخفضت نسبتهم إلى حوالي 10% فقط من مجمل السكان.

وقد جرت عمليات تهجير أخرى لسكان سنة في مناطق أخرى مختلفة من بغداد، كما سجلت حالات لتهجير سكان شيعة على يد بعض المسلحين السنة في مناطق الدورة والأعظمية وحي العدل وأبو غريب وغيرها، لكنها لم تأخذ شكلا ممنهجا أو تكون مدعومة بقوة سلاح الدولة.

وهكذا تغيرت خريطة بغداد التي كانت سنية عبر التاريخ، ليتحول السنة إلى أقلية في مركزها تقترب نسبتهم من الثلث بعد أن كانوا يشكلون الاغلبية قبل الإحتلال الأمريكي، لكن حزام بغداد بقي ذو غالبية سنية وإن تعرضت بعض مناطقه للتغيير الديموغرافي بشكل كبير، لا سيما الجزء الجنوبي منه في المحمودية والمدائن.

ديالى.. شلالات الدماء

أمام خيمة بالية تجلس “فاتن العزاوي” مع جاراتها في مخيم خانقين للنازحين شمال شرقي محافظة ديالى للحديث عن مستقبلهم المجهول كما يرونه، وتحكي العزاوي قصة تهجيرها وأسرتها من مدينة المقدادية بعدما حصلت إشتباكات بين (تنظيم الدولة) ومسلحي المليشيات عام 2014، حيث كان السكان السنة هم الضحايا، فبعد انسحاب (التنظيم) من المدينة بدأت حملة تطهير طائفي ضد العوائل السنية التي كانت تشكل الأغلبية بين السكان وقتها، وقد اضطرت لترك وظيفتها كمعلمة هناك والنزوح باتجاه خانقين التي يسيطر عليها الأكراد، بعد أن فقدت إبنها الثاني (19 عاما) الذي تم اختطافه والعثور على جثته مرمية في إحدى المزابل، تقول فاتن إنها فقدت الأمل بالعودة إلى مدينتها ومنزلها في الحي العصري والذي سيطر عليه سكان أغراب بعد نزوحهم، وحتى لو عادت فلن تأمن على حياة من تبقى من أبنائها لأن المليشيات ما زالت تصول وتجول هناك، على حد قولها.

وتمثل ديالى منطقة إستراتيجية وشديدة الحيوية لجميع الأطراف في العراق ودول الإقليم أيضا، فهي ذات أغلبية عربية سنية تقترب من 70% من سكانها فيما يشكل الشيعة نحو 20% والبقية من الأكراد والتركمان، وهي تقع على الحدود مع إيران وتصلها ببغداد عبر طريق بري وذلك عبر منفذي مندلي وبدرة، كما أنها تضم وجودا قوميا كرديا في منطقة خانقين ومندلي، لذا فقد شهدت نصيبا كبيرا من معارك الديموغرافيا في عراق ما بعد 2003، وزادت عمليات القتل والتهجير التي تعرض لها السكان السنة رغم أنهم يشكلون الأغلبية فيها، إلا أن المليشيات الشيعية زادت من وطأة القتل والتهجير متذرعة بوصول مقاتلي (تنظيم الدولة) وسيطرتهم على بعض المناطق هناك، وخاصة في المقدادية وبهرز وقره تبه وإمام ويس والعظيم.

وتتكون محافظة ديالى من خمسة أقضية هي: بعقوبة، والمقدادية، والخالص، وخانقين، وبلدروز، وقد كان السنة يشكلون الأغلبية في معظمها باستثناء الخالص، والتي يشكل الشيعة الأغلبية في مركزها فيما يتمركز السنة في نواحيها، لكن هذه الخريطة تغيرت خلال السنوات الماضية، حيث تقلص الوجود السني في المقدادية من حوالي 80% إلى النصف تقريبا، وكذلك الحال في مدن وقرى كثيرة أخرى،  وتعرض كذلك الوجود الإثني العربي في مدن جلولاء والسعدية إلى الاستهداف والتهجير لتنخفض نسبهم بشكل كبير، خاصة وأن القوات الكردية التي تحكم السيطرة عليها تمنع عودة أكثر النازحين وتتهمهم بكونهم حواضن لـ(تنظيم الدولة).

وبحسب عضو مجلس إدارة الائتلاف الحقوقي الدولي لأجل العراق “حسين الزبيدي” فإن المحافظة شهدت على مدى السنوات الماضية مقتل حوالي 79 ألف شخص من السنة لقوا حتفهم بانفجار عبوات ناسفة واغتيالات وسيارات مفخخة، وبلغ عدد المعتقلين أكثر من 49 ألف شخص، فيما بلغ عدد المخطوفين حوالي 27 ألف شخص، أما عدد المناطق التي تم هدمها فبلغت 198 منطقة وقرية وحي سكني، وتم حرق وتدمير واغتصاب 290 مسجدا على مستوى المحافظة، وحوصرت العديد من القرى ومنع عنها الطعام وقطعت عنها المياه دون تدخل من الدولة.

وتقول الصحفية “ميمونة الباسل” أن من الوسائل المستخمة في حرب الديموغرافيا في المحافظة هي:

١-الاغتيالات النوعية لوجهاء  مدن المحافظة، خاصة إذا كانت ذات ثقل إجتماعي أو سياسي، حيث تتم تصفيتهم أو تصفية بعض أفراد عوائلهم.

٢- إعتقالات دون أي سبب، وغياهب السجون مليئة اليوم بأبناء المحافظة.

3- التهديد بالخطف والقتل وتنفيذ ذلك التهديد.

4-إغتيالات لأشخاص عاديين لا علاقة لهم بالسياسة أو بأي نشاط إجتماعي.

٤-تصفية التجار ومحاربتهم بأرزاقهم، وغيرها الكثير من الممارسات التي جعلت من سنة ديالى يهربون ويهجرون مدنهم وقراهم.

البصرة والجنوب.. المأساة المنسية

حتى مطلع القرن العشرين كانت تتميز مدينة البصرة جنوبي العراق بأنها ذات أغلبية سنية واضحة، لا سيما في البصرة القديمة والزبير وأبو الخصيب وسفوان والفاو، لكن زحف سكان المدن الشيعية المجاورة إليها كالعمارة والناصرية غيّر بشكل واضح هويتها المذهبية، فانخفضت نسبة السنة حتى وصلت إلى 35% قبل الإحتلال الأمريكي، لكن الأمور أخذت منحى مختلفا فيما بعد، حيث بدأت عمليات الإغتيال والتهجير واستهداف المساجد تتصاعد بشكل سريع، وكانت ذروة الإستهداف الطائفي عقب أحداث سامراء كغيرها من المدن، فبدأت هجرة عشرات الآلاف من سنة المحافظة باتجاه الموصل ومدن أخرى ثم إلى خارج العراق لسوريا والأردن، بعد أن تم حرق واستهداف عشرات المساجد في المركز والأقضية الأخرى، حيث تم تفجير مرقد الصحابي “طلحة بن عبيد الله” واغتيال عشرات أئمة المساجد والشخصيات العامة والذين كان من أبرزهم الشيخ “يوسف الحسان” إمام جامع البصرة الكبير في 16 يونيو 2006 قبيل صلاة الجمعة، وهكذا انخفضت نسبة السكان السنة إلى نحو 10% من سكان المحافظة بعد أن كانت تتجاوز الثلث قبل سنوات قلائل.

وإذا اتجهنا شمالا نحو محافظة بابل التي كان يشكل السنة نحو ثلث سكانها، ولديهم ثقل كبير في مدن المسيب وجرف الصخر والمحاويل والإسكندرية ومناطق أخرى، فقد جرى عليها ما جرى لمدن أخرى، لا سيما وأنها كانت بؤرة للمقاومة المسلحة ضد جيش الاحتلال الأمريكي، حيث كانت تنشط فيها العديد من الفصائل بمختلف انتماءاتها، لكن تصاعد وتيرة الأحداث بعد ظهور (تنظيم الدولة) وسيطرته على ناحية جرف الصخر عرضها لاستهداف مباشر من قبل المليشيات الشيعية، حيث كان يشكل موقعها الإستراتيجي عمقا سنيا داخل الجنوب الشيعي، إضافة إلى اتصالها الجغرافي بالفلوجة وحزام بغداد الجنوبي ذي الاغلبية السنية، وبعد أن سيطر عليها (تنظيم الدولة) لعدة أشهر استعادتها الحكومة وبدأت عملية تفجير المنازل وتجريف البساتين فيها، ولا يزال أهلها الذين يبلغ عددهم حوالي 120 ألف نسمة محرومون حتى اللحظة من العودة إليها، ويتوزعون بين مخيمات في بغداد وكركوك وكردستان ومدن أخرى، وقد تعرضت مدن وقرى أخرى في المحافظة لعمليات مماثلة وإن كانت بشكل أقل.

نينوى وكركوك.. عرب وأكراد وتركمان

تمثل حالة محافظتا نينوى والتأميم وضعا مختلفا إلى حد كبير، حيث يقل الإحتكاك الطائفي هناك لقلة الشيعة فيها وانقطاع اتصالهم الجغرافي بالعمق الشيعي في الجنوب والفرات الأوسط، إلا أن المشكلة الأكثر تأثيرا هناك هي المشكلة القومية، فالموصل المدينة ذات الاغلبية العربية السنية الساحقة ما زال أهلها ينظرون بكثير من التهجس تجاه الأحزاب الكردية التي يقولون أنها تطمع باقتضام مناطق من المحافظة لضمها إلى كردستان، وقد جرت كثير من الإحتكاكات المسلحة بين العرب وقوات البيشمركة الكردية هناك، ويقول الصحفي “محمد عبد الرحمن” أنه لا توجد إحصائيات حول عملية التغيير الديموغرافي خلال 14 عاما تقريبا في نينوى مرجعا ذلك لرقض القوى المسيطرة على الأرض من إجرائها، ويضيف عبد الرحمن أن أكثر المستفيدين من هذا التغيير الديموغرافي هم الأكراد الذين ضموا الكثير من المناطق إلى كردستان، فيما أدت سياسة التغيير هذه والتي حدثت أثناء الحرب الطائفية خلال أعوام 2005 و2006 و2007 إلى تكوين كانتونات طائفية حتى داخل المدينة الواحدة.

وبحسب عبد الرحمن فإن أكثر المتضررين منها هم المسيحيون في سهل نينوى، لا سيما بعد سيطرة (تنظيم الدولة) على المدينة حيث جعلتها ذات لون ديني واحد بقومياته المتعددة، أما في المناطق المقتحمة فقد تم تجريف قرى العرب ومنعوا من العودة خاصة في زمار ووانة وسد الموصل وربيعة وسنجار والشيخان وحاليا في مخمور والكوير والخازر وسهل نينوى، حيث ما زال التجير مستمرا وبكافة أشكاله من بيع العقارات إلى انتزاعها إلى التخريب المتعمد.

أما في كركوك فقد بلغ الصراع القومي بين العرب والأكراد والتركمان أشده خاصة في مركز المحافظة الغنية بالنفط، والذي ما زال يقطنه أكثرية تركمانية، لكن الأكراد يريدون ضمها إليهم كمدينة “كردستانية” فيما يطالب العرب ببسط سلطة المركز عليها كجزء من العراق.

ويشكل العرب الأغلبية من سكان قضاء الحويجة، ونواحي العباسي والزاب والرياض والرشاد والملتقى، وسليمان بيك القريبة من المحافظة والتي أصبحت جزءا من محافظة صلاح الدين بعد أن كانت تتبع محافظة التأميم حتى السبعينات، وقد تحررت هذه الناحية وما زال أهلها محرومون من العودة إليها أسوة بالكثير من المدن والبلدات والقرى غيرها.

كما لا يزال العرب يشكلون نحو ربع سكان مركز كركوك، لكنهم تعرضوا خلال السنوات الماضية إلى حملات تهجير واستهداف من قبل جهات كردية تعتبر المدينة “قدس كردستان” وعاصمتها المستقبلية.

مخاوف من مستقبل ما زال ملغوما

ويقول رئيس مركز بغداد لحقوق الإنسان “مهند العيساوي” إن المليشيات الطائفية وبعض الاجهزة انتهجت عدة أساليب من أجل إحداث تغيير ديموغرافي في المناطق ذات التركيبة السكانية المختلطة، وهذه الأساليب تمثلت بالاغتيالات والاختطاف والاعتقالات، مضيفا أن العرب السنة هم المتضرر الأبرز من هذه العمليات.

ويصف العيساوي منع بعض المليشيات لسكان المناطق المقتحمة بالعودة إليها بـ”جريمة كاملة الأركان” ويعده جزء من مسلسل التغيير الطائفي الذي تقف خلفه أحزاب ومليشيات طائفية كما يجري في جرف الصخر شمال بابل وناحية يثرب وسليمان بيك والنباعي في صلاح الدين وغيرها.

ويرى العيساوي أن عودة الأمور إلى ما قبل 2003 ليست مستحيلة ولكنها تتوقف على توفر نية حقيقية وجدية لدى الحكومة وأحزاب السلطة، ولا تبدو الأمور كذلك حتى اللحظة، فحزام بغداد شهد تغييرا طائفيا واضحا، وهناك مناطق في وسط بغداد أخليت تماما من العرب السنة على يد المليشيات الطائفية خاصة بعد أحداث الإمامين العسكريين،كما أن التغيير الديموغرافي في ديالى مستمر وقد تغيرت هوية أغلب مناطق المحافظة، إضافة إلى عدة مناطق في محافظة صلاح الدين.

ولا تكفي الكثير من المقالات والدراسات للحديث عن حجم وتفاصيل ومخاطر التغيير الديموغرافي في العراق، ويبدو مجرد الحديث عن مستقبل التعايش السلمي في هذا البلد اليوم محفوفا بالكثير من المخاطر والألغام الموقوتة وغير الموقوتة، والتي نتجت عن احتلال تجاوز كل الأعراف الدبلوماسية، وتدخل إيراني سافر، ومليشيات تصول وتجول تحت مرأى ومسمع الدولة، فيما يظل العرب السنة هم الضحية الأكبر في كل ما جرى بعد عام 2003.

تعليقات