الجمعة 15 ديسمبر 2017 | بغداد 6° C
yaqein.net
الرئيسية » الزراعة في العراق »

الأمن الغذائي مهدد في العراق .. الأسباب والمخاطر

الأمن الغذائي مهدد في العراق .. الأسباب والمخاطر

“بلاد الرافدين”، “أرض السواد”، “بلاد ما بين النهرين”، “الجزيرة الفراتية”؛ أسماء عرف بها العراق قديما، وجميعها تشير إلى خصوبة أرضه وكثره مياهه، وهو ما ساهم في جعله مهدا لأقدم حضارة في التاريخ، حيث كانت العوامل الطبيعية الداخلية والمحيطة كلها تساعد على ذلك، وظلت بلاد الرافدين مصدرا للغذاء والحبوب والمزروعات لأبنائها وجيرانها حتى وقت قريب، قبل أن تحل بالبلاد نكبة الإحتلال الأمريكي وما جرى بعده من أحداث دامية.

ومع انهيار الدولة العراقية عام 2003 تهاوى معها أمنها السياسي والإقتصادي والإجتماعي والعسكري، بالإضافة إلى الأمن الغذائي الذي يقصد به مدى قدرة البلد على تلبية احتياجاته من الغذاء الأساسي من منتوجه الخاص، أو استطاعته على استيراده تحت أي ظرف ومهما كان ارتفاع أسعار الغذاء العالمية.

وقد أصبح الأمن الغذائي في العراق هشا ومهددا لحياة السكان بعد أن كان العراق مكتفيا بإنتاجه من المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، لكن الحروب المتتالية وما صاحبها من تخريب وحرق متعمد أو غير متعمد للأراضي، والجفاف والتصحر ونفوق الماشية، والإستيراد بدون ضوابط من دول الجوار، والفساد الإداري والمالي، أسهم كل ذلك في تراجع إنتاجه الزراعي بل وانحسار المساحات الخضراء بشكل عام، وارتفاع أسعار السلع في الأسواق حتى الأساسية منها؛ دون أن تستطيع الدولة فعل شيء حيال ذلك، لا سيما وأن ذلك يمكن أن يضر بمصالح أحزاب تتسيد المشهد السياسي وترتبط بحبل سري مع بعض دول الجوار، مما يجعل الإقدام على وضع حد لهذه المشكلة يمكن أن يعرض صاحبه للخطر بسبب الإضرار بمصالح المستفيدين من هذا الوضع.

حرق “للأخضر واليابس”

ترك الإحتلال الأمريكي وما تبعه من حرب طائفية أبلغ الآثار السلبية على الزراعة، فقد بدأت نيران الحرب تلتهم حتى الحقول والبساتين، وقد كانت بغداد محاطة بحزام أخضر من غابات النخيل وحقول القمح والشعير وبساتين الفاكهة ومزارع الخضار، إلا أن توسع دائرة الحرب وامتدادها إلى أرياف العاصمة وغيرها من المدن أدى إلى حرق الكثير منها، أثناء القصف الأمريكي الممنهج لمقاتلي المقاومة العراقية الذين كانوا يتمركزون في هذه المناطق، ثم الحملات الإنتقامية للمليشيات والتي كانت تقوم بإحراق مزارع المواطنين بدوافع طائفية، من أجل الإنتقام وحرمان سكان هذه المناطق من مصادر عيشهم ودفعهم لمغادرة مناطقهم.

وانحسرت المساحات الخضراء في مناطق حزام بغداد بشكل كبير ولافت بعد عام 2003، وخاصة في أبو غريب والطارمية والتاجي واليوسفية واللطيفية والمدائن وغيرها، بعد أن تحولت هذه المدن والنواحي إلى ساحات حرب مع قوات الإحتلال الأمريكي ثم مع المليشيات الطائفية، مما أدى إلى هجرة العديد من سكانها إلى المدن تاركين حقولهم وبساتينهم خلفهم تحت الرماد.

وعمدت هذه المليشيات إلى قطع الكثير من قنوات الري وتخريبها، مما أدى إلى جفاف مساحات خضراء شاسعة في هذه المناطق، وتحولها إلى أراض بور، بعد أن كانت مشهورة بإنتاج العديد من المحاصيل الزراعية.

ويقول محمد خلف وهو فلاح كان يسكن في قضاء الطارمية شمالي بغداد؛ أنه ترك منزله وقريته وحقله ورحل باتجاه بغداد وسكن في إحدى أحياء جانب الكرخ، مؤكدا أنه اضطر للهجرة نحو المدينة بسبب ما لاقاه وسكان قريته من أذى المليشيات الطائفية والخسائر التي تحملوها عبر السنوات الماضية، ويحكي محمد بعض تفاصيل هذه المعاناة، حيث تعرض العديد من أبناء قريته التابعة لناحية المشاهدة للاعتقال والتعذيب وقتل بعضهم ورميت جثثهم على قوارع الطرق، ومع كل عملية كانت تتعرض لها القوات الحكومية أو المليشيات الطائفية كانت تتبعها حملات اعتقال واسعة، وعمليات حرق للبساتين وتجريف لها، وقد خسر هو بستان الفاكهة الذي كان يمتلكه إضافة إلى اعتقال أخويه، فقرر الرحيل باتجاه العاصمة.

“ثورة” الطماطم!!

وشهد الشارع العراقي منذ بضع أسابيع موجة احتجاجات واسعة ضد سياسات الحكومة بعد ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية لا سيما الأساسية منها، حيث وصل سعر كيلو الطماطم إلى ثلاثة آلاف دينار (حوالي دولارين وربع)، مما أدى إلى انطلاق حملات عبر مواقع التواصل الإجتماعي تدعو لمقاطعتها حتى تعديل الأسعار، وربما يبدو الأمر مثيرا للسخرية في بلد عرف تاريخيا بخصوبة أراضيه وضخامة إنتاجه الزراعي كالعراق، لكن وزارة الزراعة أرجعت سبب ارتفاع سعر الطماطم في الآونة الاخيرة إلى “شح الانتاج المحلي وانتهاء موسم الانتاج”، مؤكدة أنها ستبادر بفتح الاستيراد لغرض تغطية الإحتياج اليومي، ويشير وكيل الوزارة مهدي ضمد القيسي إلى عدم وجود غطاء قانوني يخول الوزارة بالتدخل في الأسعار وإجبار التجار على وضع تسعيرة محددة، بعد أن كانت قد منعت استيراد الطماطم والبطاطا والخيار إثر ارتفاع إنتاج محاصيل الخضر ودعماً للمنتج المحلي، مضيفا أن ارتفاع أسعار الطماطم لم يحدث سابقا بهذا الحجم من قبل مما أثر على الموازنة بين العرض والطلب، وهذا ما يتم العمل به من خلال فتح الإستيراد عند حصول شح في الإنتاج المحلي، وبحسب القيسي فإن أبرز عوامل ارتفاع أسعار السلع الزراعية هو زيادة الطلب عليها في السوق المحلية وارتفاع سعر التعرفة الكمركية، على حد قوله.

وقد أطلق ناشطون ومدونون حملة في مواقع التواصل الإجتماعي حملت عنوان #خلوها_تعفن، داعين إلى مقاطعة شراء الطماطم من السوق لمدة ثلاثة أيام احتجاجا على غلاء سعرها، ويقول علاء محمد وهو صاحب مكتب في علوة الرشيد أن ارتفاع الأسعار يحصل في العادة لانقطاع الطرق بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة التي تؤدي إلى ارتفاع أجور النقل، مما يضطر الناقلين للبضاعة إلى سلوك طرق طويلة أو عدم إحضارها، وهو ما يؤدي الى قلة عرض المحاصيل العراقية وغلاء أسعارها؛ فيضطر التجار لاستيراد نفس المنتج من بعض دول الجوار وبأسعار أقل في أحيان كثيرة.

ويضيف علاء أنه قبل اندلاع أحداث الموصل كانت الفواكه والخضار العراقية تتسيد الأسواق، لا سيما تلك القادمة من المحافظات الغربية،  كما أن جهات معينة تحاول إغراق السوق بالبضائع المستوردة وخاصة تلك القادمة من إيران وتركيا وسوريا وبأسعار جيدة للمستهلك، مما يؤدي عمليا إلى كساد البضاعة العراقية وبالتالي تراجع الواقع الزراعي في البلاد، حسبما يقول.

تخريب ممنهج

ويعترف بعض المسؤولين والمراقبين للواقع الزراعي في العراق بحصول قطوعات في مياه الري والسقي عن الأراضي الزراعية، مما يضاعف الكلفة على الفلاح ويضطره في أحيان كثيرة إلى شراء تناكر الماء بأسعار مرتفعة لسقي مزروعاته، كما تقول عضو لجنة الزراعة النيابية زينب السهلاني، والتي تضيف أن كثيرا من مناطق العراق تعيش مشاكل حقيقية من بينها ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات الزراعية، وقلة وجود الآبار الإرتوازية ، مطالبة الحكومة بتحمل نفقات حفر هذه الآبار وتوفير الأسمدة والبذور والمبيدات للفلاحين بأسعار مناسبة، لأن القطاع الزراعي في العراق يواجه تحديات خطيرة أدت إلى تراجعه بشكل كبير خلال السنوات الماضية، مما انعكس بشكل سلبي على الفلاحين وعلى مساهمة الزراعة في موازنة الدولة، حسب رأيها.

لكن ( ب س) وهو مهندس زراعي من أهالي أبو غريب غربي بغداد يرى أن عمليات تخريب القطاع الزراعي في العراق ليست عفوية أبدا بل هي ممنهجة، ويضيف أنه شهد من خلال عمله في بعض المنشآت الزراعية خلال عشر سنوات محاولات واضحة لتخريب قنوات الري من قبل مسلحين تابعين للمليشيات وخاصة في حزام بغداد، فيما تقف الدولة عاجزة عن التدخل خوفا من سطوة هذه المليشيات.

وينقل المهندس الزراعي الكثير من الشهادات على عجز الدوائر الحكومية عن توفير الأسمدة والمبيدات للمواطنين أو بيعها لهم بأسعار مرتفعة، مما يؤدي إلى بوار وجفاف أراض كثيرة وانتشار آفات زراعية، من بينها البردي والقصب ونبات البياض الدقيقي والمن وسوسة النخيل الحمراء وغيرها من الحشرات، مرجعا أسباب تدهور الزراعة بشكل عام إلى الحروب وقلة المياه وانتشار الآفات الزراعية والإهمال المتعمد، وقد زاد هذا الإهمال في السنوات الأخيرة وأدى إلى تمدد كبير للرمال على حساب المساحات الخضراء في العديد من أرياف البلاد وتخوم المدن.

التصحر.. الخطر الداهم

وبسبب التغييرات المناخية التي مر بها العراق في العقود الأخيرة فقد بدأ التصحر يزحف على المناطق الخضراء لأسباب متعددة، من بينها شح الموارد المائية فيه، والقطع العشوائي للأشجار والرعي الجائر؛ حيث قطعت أعداد كبيرة من الأشجار في مناطق العراق المختلفة إبان فترة الحصار والنقص الحاد في الوقود فترة التسعينات من القرن الماضي، والذي اضطر الكثيرين وقتها لاستخدام الحطب كمصدر للوقود وخاصة في المناطق الريفية.

وبسبب الإرتفاع الشديد في درجات الحرارة في فصل الصيف، والذي يتجاوز الخمسين درجة مئوية فقد زادت نسبة التبخر في المياه السطحية وترسب الأملاح فأصبح ذلك يهدد الأراضي الزراعية أو الصالحة للزراعة، وتقدر مساحة الكثبان الرملية في العراق بأكثر من 6 مليون دونم، تتوزع على خارطة العراق لا سيما في جنوبه وغربه، فيما تقدر نسبة الأراضي المعرضة للتصحر بحوالي %92 من مجموع المساحة الإجمالية وفقا لبعض الدراسات، كما أن كثيرا من الروافد والفروع الصغيرة والمسطحات المائية قد جفت أو انحسرت بشكل كبير يصل إلى النصف أو أكثر خلال السنوات القليلة الماضية، كما حصل مع بحيرات الرزازة والحبانية والثرثار بالإضافة إلى الأهوار التي انحسرت المياه عن أكثر من 70% منها، ويتبع ذلك بشكل تلقائي تقلص مساحات الرعي الخضراء، ونفوق أو هجرة الكثير من الحيوانات والطيور والأسماك التي كانت تعيش في هذه البيئة المتنوعة، مما يشكل خطرا كبيرا على مستقبل الزراعة والثروة الحيوانية والبيئة بشكل عام في العراق.

بلاد النهرين بلا أنهار!!

وبدأت مياه دجلة والفرات في الثلاثين سنة الأخيرة بالانخفاض؛ بعد أن شرعت تركيا في تشييد عشرات السدود في منابع النهرين جنوبي الأناضول، فبلغت نسب تدفق مياه النهرين سبعة مليارات و660 مليون متر مكعب وهو رقم متدن جدا، مقابل النسبة التي كان يحصل عليها العراق حتى مطلع الثمانينات وتبلغ عشرين مليارا و930 مليون متر مكعب في الثانية.

ورغم المطالبات المستمرة للحكومة العراقية للجارة تركيا بالإيفاء بتزويدها بحصصها المائية وفقا للقوانين الدولية؛ إلا أن أنقرة لم تتفاعل كثيرا مع هذه الطلبات واستمرت في المضي قدما ببناء هذه السدود، مكتفية بزيادة نسب الإطلاقات المائية لمياه النهرين بين الحين والآخر، وهكذا تراجعت حصص العراق من نهر الفرات بنسبة 34% من كميته الاصلية ودجلة بنحو 27%.

أما إيران والتي تزود فروع نهر دجلة بالمياه فقد قامت في أكثر من مناسبة بقطع المياه عن 45 رافدا وجدولا موسميا يغذي الأنهار والأهوار في العراق، من بينها الزاب الأسفل والزاب الأعلى والخابور والعظيم وديالى والكرخة والكارون والطيب والوند وشياري “الذي يروي محافظة السليمانية” وغيرها، وأدى ذلك إلى انخفاض شديد في هذه الأنهار والروافد التي كانت تستلم نسبا مختلفة من المياه القادمة من الحدود الإيرانية، مثل نهر الوند الذي كان يزود نهر ديالي بأكثر من 40% من مياهه في السابق، وغيره.

وكان طبيعيا أن تنعكس “حرب المياه” هذه على الأمن الغذائي في البلاد، فتراجعت المساحات الخضراء وانحسرت الزراعة، وتقلص حجم الثروة الحيوانية وقلت الإستفادة منها، بالإضافة إلى التلوث الذي أصبح يغمر مياه الأنهار والروافد في العراق، حيث تقول التقارير الرسمية أن مياه المبازل التي ترمى في نهر دجلة تتسبب بارتفاع نسب ملوحة مياهه، نظرا لما تحويه من أملاح تصل إلى 40%، ويبلغ حجم مياه المبازل التي تطرح في النهر أكثر من مليار متر مكعب سنوياً، بالإضافة إلى مخلفات المصانع التي تستخدم المواد الكيميائية السامة، أما مياه الصرف الصحي فيتسرب منها حوالي 1.25 مليون متر مكعب إلى النهر يوميا، ويعاني نهر الفرات من نفس المشاكل تقريبا مع الإختلاف في نسب التلوث بالسموم.

وكان طبيعيا أن يتضرر الأمن الغذائي في العراق من انحسار المياه وتلوثها، فانعكس ذلك بشكل واضح على القطاع الزراعي وتربية المواشي، بالإضافة إلى الأسماك التي قل وجودها في الأنهار واختفت بعض أنواعها القديمة، ودخلت أيضا في قائمة الأغذية المستوردة من الخارج منذ سنوات.

الثروة الحيوانية

ووفقا للإحصاءات الحكومية فإن العراق كان يمتلك عام 2016 أكثر من 11 مليون و300 ألف من المواشي، مقسمة كما يلي: الأغنام 7 مليون و200 ألف رأس، الماعز مليون و300 ألف رأس، الأبقار 2 مليون وخمسمائة ألف رأس، الجاموس 2 مليون و800 الف رأس، الإبل 57 ألف رأس.

أما إنتاج إنتاج اللحوم الحمراء المحلية فبلغ 150 ألف طن سنويا؛ مقابل 72 ألف طن مستورد، بواقع استهلاك بلغ كيلو ونصف للمواطن الواحد، أما الدواجن فقد بلغ الإنتاج 904 ألف طن سنويا، و704 مليون بيضة سنويا محليا، ونسبة البيض المستورد هي 45% من هذا الرقم.

ووفقا لذات الإحصائية فإن إستهلاك العراق من اللحوم الحمراء المحلية بلغ 202 ألف طن سنويا، و 72 ألف طن من اللحوم المستوردة، أما الثروة السمكية فالأرقام تشير إلى أن إنتاج الأسماك النهرية بلغ 46 ألف طن سنويا، و 9 آلاف طن سنويا من الأسماك البحرية، ونسبة الإستيراد بلغت 5% من الإستهلاك المحلي.

لكن نسب الإستهلاك المحلي لا تتناسب مع أرقام الإنتاج والإستيراد، حيث ما زالت أسعار اللحوم في الأسواق المحلية غالية وفوق قدرة المواطن الفقير، فسعر كيلو لحم الغنم يتراوح بين (11 – 15 ألف دينار) بحسب المناطق، وسعر كيلو اللحم البقري (15 ألف دينار)، أما اللحوم البيضاء فأسعارها أكثر ملاءمة للحالة المعاشية للناس، فيبلغ سعر كيلو السمك (ما بين 4.5 إلى 5.5 ألف دينار عراقي) وسعر كيلو الدجاج حوالي (أربعة آلاف وربع دينار)، وترتفع الأسعار وتنخفض تبعا لحركة السوق ونوعية اللحوم، لكنها أصبحت أكثر استقرارا خلال السنوات الفائتة، بعد أن فتحت الدولة الباب لاستيراد أنواع من لحوم الغنم والبقر عرفت بـ”اللحم الهندي” ولاحقا بـ”البرازيلي” و”النيوزلندي”، وتتميز بانخفاض أسعارها وضعف الإشراف الطبي عليها، مما يدفع الكثيرين لمقاطعتها خوفا من تداعيتها السلبية على صحتهم.

وقد تراجع إنتاج العراق من اللحوم الحمراء والبيضاء بشكل لافت في السنوات الأخيرة، خاصة مع تزايد هجرة سكان الريف إلى المدينة لأسباب إقتصادية واجتماعية وأمنية، وأدى هذا بدوره إلى تناقص أعداد الماشية بسبب الإهمال في تربيتها وعدم اتخاذها مصدر رزق بعد أن أصبح الكثيرون يفضلون الإعتماد على الوظيفة الحكومية أو الخاصة، كما أن تدهور الأوضاع الأمنية في الريف العراقي وتعرض سكانه إلى حرب طائفية في العديد من المناطق جعلت الكثيرين منهم يهجرون أراضيهم مرغمين بحثا عن واقع أفضل و أكثر أمنا، وهو ما يؤشر على انحسار في الإنتاج الزراعي والحيواني في المستقبل القريب، خاصة وأن حجم الإستيراد الخارجي للحوم بكافة أنواها قد ارتفع كثيرا في السنوات القليلة الماضية.

ويقول حسين ماضي وهو صاحب مزرعة دواجن في منطقة اليوسفية أنه اضطر لترك مزرعته بسبب غلاء أسعار العلف الحيواني، وتعرضه للابتزاز المستمر من قبل مسلحي المليشيات لإرغامه على دفع الإتاوة، ولما زادت هذه المبالغ لم يعد قادرا على التحمل أكثر فباع مزرعته لأحد قادة المليشيات التابعين لمنظمة بدر في مدينة المحمودية القريبة، وتوجه هو وعائلته نحو مركز بغداد واستقر هناك بعد أن قام بفتح محل لبيع المواد الغذائية، ويؤكد حسين أن قصته تشبه قصص العشرات وربما المئات من سكان حزام بغداد الذين يتعرضون لانتهاكات مستمرة، تعجز حتى الدولة عن الوقوف في وجهها خوفا من قادة المليشيات المتنفذين والمرتبطين بإيران، حسبما يقول.

تدهور مستمر

ويبدو حجم التراجع في الإنتاج الزراعي والحيواني مترافقا مع انفتاح باب الإستيراد من الخارج مع تقديم كافة التسهيلات لذلك، مع تضييق الخناق على المنتج الوطني، رغم أن العراق عرف منذ عقود بتحقيقه الإكتفاء الذاتي شبه الكامل من الفواكه والخضار واللحوم حتى سنوات الحصار، ولم تكن الكمية المستوردة من هذه المواد عام 1988 تشكل سوى 6% من الطلب المحلي، ثم بدأ التدهور في هذه القطاعات بعد فرض الحصار الإقتصادي بين عامي 1991 – 2003، ثم ازداد التدهور بعد مجيء الإحتلال الأمريكي، رغم أن أرض العراق كانت وما تزال من أخصب الأراضي الصالحة والمنتجة زراعيا في المنطقة، ووفقاً لبيانات نشرتها مؤسسات فلاحية عراقية؛ فإن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في العراق تبلغ نحو 123 مليون دونم، لا يستغل منها إلا 52 مليون دونم، منها نحو 14 مليون دونم أراض مروية ونحو 38 مليون دونم أراض تعتمد على الأمطار، علماً بأن المياه المتاحة تكفي لري نحو 17 مليون دونم إضافية عند استخدام طرق الري الحديثة التي تعتمد على الرش والتنقيط، كما تقول البيانات.

هذا التدهور في كافة مرافق القطاع الصحي كان من نتائجه تراجع حجم إنتاج العديد من المحاصيل، خاصة تلك التي عرفت بها البلاد تاريخيا كالنخيل مثلا، حيث تراجعت أعداد النخيل من حوالي 30 مليون قبل بضعة عقود الى حوالي 12 مليون نخلة، أما الرز فقد تراجعت المساحة المخصصة لزراعته حتي بات محصوله لا يسد ربع الحاجة السنوية للمواطن العراقي، كما تقول أرقام وزارة الزراعة، مما يرسم سيناريوهات أكثر سوداوية وتشاؤما حول مستقبل الأمن الغذائي لسكان بلاد الرافدين.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات