الإثنين 23 أكتوبر 2017 | بغداد 20° C
الرئيسية » تحقيقات »

أهالي حي النفط في واسط ... حفاة على أرض من ذهب

أهالي حي النفط في واسط … حفاة على أرض من ذهب

أضطر الخمسيني عواد هليل الربيعي الى بيع حلوى الأطفال  وبعض الاشياء البسيطة على منضدة يفترشها أمام منزلة المتهالك في حي النفط (جنوبي شرق مدينة الكوت) وذلك بعد سنوات من تخلي أحد المسؤولين عن وعده  له بتقديم العناية الطبية وتوفير فرصة عمل تلائم ظروفه الصحية الصعبة .

وبقي الربيعي لعدة سنوات يعاني من مضاعفات مرض السكري وكان يعول على أحد المرشحين الذين زار منطقتهم قبل أيام من الانتخابات التشريعية التي جرت في العراق عام 2014 والذي وعد الربيعي ببذل كل الجهود للاعتناء به وحتى لو تطلب الامر علاج في الخارج وألتقط معه مجموعة من الصور وزوده برقم هاتفة الشخصي للتواصل والتفاهم على المباشرة برحلة العلاج خلال بضعة أيام .

وعود انتخابية

ويؤكد الربيعي لوكالة يقين أن الأيام اصبحت شهور و فاز المرشح بمقعد في البرلمان وفشلت كل الجهود للاتصال به هاتفياً أو إيصال رساله شفهية  لأحد معاونيه الذين سبق لهم توثيق حالة الربيعي والتي تدهورت فيما بعد ولم يجد الاطباء خيار سوى بتر جزء من كف قدمة لإيقاف “غرغرينا السكري” بينما بات اليوم يستعين بعكاز لمشي المسافات التي لا تتعدى حدود حيهم الفقير.

استمعت الحاجة بدرية ناصر الزاملي”65 سنة” للنقاش وتدخلت لتؤيد كلام الربيعي مضيفةً أن مواسم الانتخابات تعني لهم زيارات وكاميرات ومبردات او مدافئ نفطية “بحسب الموسم” وعدد غير منتهي من اللافتات والأكثر من هذا كله هو الوعود ومنها بناء المدرسة والوحدة الصحية وتبليط الشوارع وإنشاء منظومة للصرف الصحي وسحب المياه الاسنة من الطرقات والتي ترفض التبخر مثلما تفعل وعود الزائرين.

تشرح الزاملي معاناتهم في الصيف مع شحة المياه ونقص الكهرباء والروائح الكريهة المنبعثة من تجمعات المياه الاسنة المحيطة بمنازل حي النفط مع ظهور الحشرات والافاعي وهي تتساوى في خطورتها مع تهديدات الغرق خلال موسم الشتاء والذي يشهد في كل عام حوادث سقوط المنازل بسبب تجمع مياه الامطار وعدم وجود أي طريقة لتصريفها خارج شوارع الحي ومنها حادثة سنة 2013 والتي فقدت فيها الزاملي احد أبناء أختها الذي قتل واصيب شقيقة بانهيار منزلهم ذو السقف الطيني .

الحاجة ذات الوجه المختلط بالتجاعيد والوشوم تؤكد أن جميع أنواع المعاناة اليومية التي يعيشونها تهون أمام التهديدات المستمرة عن احتمالية ترحيلهم لأنهم حي عشوائي غير قانوني و مقام على أرض تعود للدولة  فضلاً عن وجود مشاريع مستقبلية لاستخراج النفط الموجود بكثرة تحت منازلهم ، مشيرةً الى ان نقمة النفط مستمرة في ملاحقتهم ولن تتركهم ما داموا يعيشون في بلد مبتلى بهذه اللعنة .

معاناة الشتاء

ويقر الضابط  في مديرية الدفاع المدني بمحافظة واسط ميثم الخفاجي بأن حي النفط يعد الأصعب لتنفيذ واجبات الانقاذ والإخلاء التي يقومون بها في مواسم الأمطار وذلك بسبب انعدام الشوارع المبلطة أو التخطيط في بناء المنازل بالإضافة الى  الافتقار لشبكة تصريف مياه الأمطار مما يجعل عملهم شبة مستحيل وبحاجة الى دعم ومساندة من قوات الجيش والعمليات.

ويشير الضابط  الشاب الى ان الحي العشوائي يتحول الى بحيرة  في فصول الشتاء ذات المعدلات العالية من الامطار ويتعذر على فرق الانقاذ استخدام عرباتهم والدخول الى المنطقة ، مضيفاً ان طبيعة بيوت الحي  والمواد الرخيصة المستخدمة في بنائها تجعلها تنهار كلياً أو جزئياً .

الخفاجي أوضح لوكالة يقين ان حي النفط يحتل المرتبة الاولى بين مناطق محافظة واسط التي تشهد حوادث غرق و انهيار المنازل في فصل الشتاء وتم تسجيل أكثر من 7 حالات وفاة بينهم أطفال وعدد من الجرحى في السنوات الأربعة الأخيرة ، مبيناً أن مديريتهم تضع في حساباتها سنوياً ان تتعامل مع حالة غير اعتيادية في حي النفط وبمجرد استمرار المطر بالهطول الاكثر من يومين.

53 الف فقير

يصف سلام وادي المكصوصي  “صاحب جمعية حق الإغاثية في واسط”  حي النفط بأنه البقعة الأكثر فقراً في العراق بالرغم من مجاورته لأثنين من أكبر مصادر الدخل الوطني وهما حقلي بدرة والأحدب النفطيين فضلاً عن وقوعه فوق بحيرة محتملة من الذهب الأسود لم يرى منها السكان سوى الفقر والإهمال ،بحسب قوله.

ويشمل عمل المكصوصي جميع مناطق واسط ويمتلك سجلات بالكثير من العوائل المحتاجة ولكنه يصنف حي النفط بأنه يحتل المقدمة في عدد الحالات الانسانية من حيث كثرة الايتام والمعاقين واصحاب الأمراض والعاملين في المهن الشاقة والمذلة والذين يشكلون نسبة مرتفعة من 53 ألف نسمة يسكنون الحي ، ومنهم زهراء ذات الأربعة اعوام والمصابة بالشلل الدماغي ومرتضى الذي يعمل في مكبات القمامة وينفق على أمة المريضة واخته المطلقة وطفلها الصغير .

ويستعرض الناشط المكصوصي لوكالة يقين المئات من الحالات الانسانية الصعبة والمخيفة في حي النفط والتي يؤكد بأنها تفوق قدرة اي جمعية إغاثية او منظمة خيرية  وتستدعي تدخل حكومي عاجل لترتيب الأوضاع وإنقاذ سكان هذا الحي من خلال إجراءات عملية وبعيدة عن المزايدات والخطابات ، مبيناً انه طالب وناشد وتوسل للكثير من المسؤولين وقيادات الاحزاب وشيوخ الدين من أجل التدخل ولم يجني منهم سوى الخطابات وعبارات التشجيع المفتقرة للمساعدات الفعلية .

مسؤول: لا ننوي ترحيلهم

من جهته ينفي عضو مجلس محافظة واسط ورئيس لجنة الخدمات في المجلس مهدي يونس عيال وجود  أي توجه لدى الحكومة المحلية لترحيل سكان حي النفط في الوقت الحالي مؤكداً رفضهم لمثل هذا الاجراء الا في حالة توفير بديل مناسب يليق بالسكان الحاليين للحي .

عيال قال لـوكالة يقين ان مجلس المحافظة يقف بالضد من اي اجراء يزيد من معاناة السكان في الحي وأن الفرق البلدية كثفت من جهودها خلال الشهرين الماضيين لتوفير الخدمات ومعالجة المشاكل العديدة التي توجد في المنطقة سواء كانت في تعبيد وتمهيد الشوارع  ومعالجة مناطق تجمع المياه في الحي بالإضافة الى الكهرباء.

ولفت المسؤول المحلي الى أن حملة الخدمات الحالية مستمرة وبمشاركة وجهود عدة دوائر في مجلس المحافظة  برغم غياب التخصيصات المالية ضمن موازنة المحافظة التي تأثرت بفعل الازمة المالية الحالية .

نقمة البترودولار

الى ذلك يرى الأستاذ الثانوي عودة فياض الزركاني “من سكان حي النفط” ان موضوع غياب التخصيص المالي لا يمكن القبول به كمبرر لاستمرار حالة التدهور الخدمي في منطقتهم المزدحمة ، داعياً الى تخصيص جزء من مبالغ البترودلاور التي تتسلمها المحافظة باعتبارها منتجة للنفط وتتواجد بها حقول عملاقة مستثمرة من شركات اجنبية .

ويلفت الاستاذ الزركاني الى انه وفي حال تعثر توفير السيولة المالية اللازمة لتوفير الخدمات في حيهم فأن الحكومة المحلية وبالتعاون مع وزارة النفط او الحكومة المركزية كان بإمكانها ان تطلب من الشركات الاجنبية المستثمرة للحقول النفطية ان تساهم بجزء من عمليات الاعمار وتقديم الخدمات للأحياء السكنية الفقيرة ، مشيراً الى انه قرأ عن مثل هذه الحالات في الكثير من الدول التي تشترط على الشركات الاجنبية العاملة فيها تقديم خدمات متنوعة للمناطق العاملة فيها.

ويستدرك الزركاني في حديثة لوكالة يقين الى انه وفي حال قلة مبالغ البترودولار المستلمة من الحكومة المركزية فأن سلطات محافظة واسط بإمكانها طلب زيادة هذا المبلغ وكذلك يمكنها ان تطالب الشركات الاجنبية العاملة في مجال النفط ان توفر الرعاية الصحية وفرص العمل وإقامة مشاريع تنموية لعموم المحافظة وخصوصاً المناطق القريبة من عمل هذه الشركات كجزء من تعويضهم عن الاضرار الصحية التي تلحقها بالبيئة في المحافظة جراء عمليات استخراج وتكرير النفط .

محافظة غنية وسكان فقراء

ويتفق الخبير الاقتصادي عبدالصمد المشهداني مع كلام الزركاني موضحاً ان واسط باتت تعد من المحافظات ذات الواردات المالية الجيدة قياساً بغيرها من المحافظات العراقية بعد الاتفاق على مشروع البترودولار  والذي ينص على دفع الحكومة المركزية مبلغ دولار واحد عن كل برميل تنتجه المحافظات .

وبحسب الاحصائيات الرسمية التي يحتفظ بها المشهداني وأطلعت وكالة يقين عليها  فأن الإنتاج اليومي لحقلي بدرة والاحدب في واسط وصل مؤخراً الى 235 الف برميل يومياً ويعادلها مبلغ 235 الف دولار يحول الى ميزانية المحافظة ، مرجحاً زيادة هذه المبالغ مع الجهود المتزايدة لشركات النفط الاجنبية في استكشاف ابار جديدة  وإدخال أخرى الى الخدمة بعد استكشافها وحفرها في وقت سابق .

ولا تتوقف الايرادات المالية  في واسط على النفط “بحسب المشهداني” بل يضاف اليها عائدات منفذ زرباطية الحدودي مع ايران والذي يؤكد انه ومع كل حالات الفساد والتكسب غير المشروع منه فأنه يجني سنوياً أكثر من 7,5 مليون دولار سنوياً ويذهب نصف المبلغ الى ميزانية المحافظة بحسب قانون الموازنة العامة .

ويتابع المشهداني ان واسط وغيرها من المحافظات المنتجة للنفط وذات المنافذ الحدودية تحتاج الى التخطيط أكثر من اي شيء أخر لأن التخطيط سيجعل المسؤولين يضعون قائمة اولويات للعمل وإنفاق الاموال على خدمة الاحياء الاكثر فقراً ثم الفقيرة صعوداً باتجاه المناطق ذات الوضع الجيد ، منوهاً الى أن الأمانة والتخطيط الجيد من شأنهما ان يحفظا كرامة سكان حي النفط اللذين ينطبق عليهم الوصف بأنهم حفاة على أرض من ذهب .

وبالعودة الى سكان حي النفط فأنهم يجمعون على حاجتهم الماسة والفورية الى حقوق بسيطة وفي مقدمتها تبليط الطرق وافتتاح وحدة طبية ومستشفى  وتأسيس مشروع صرف يجنبهم كارثة الغرق في مياه الامطار والتي يعانون منها كل سنة ، مؤكدين ان أحلامهم هذه بسيطة، ولا تصل الى جزء بسيط من الوعود التي سمعوها من المرشحين الانتخابيين والتي كانت أقلها تمليكهم الاراضي التي يسكنون عليها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات