السبت 16 ديسمبر 2017 | بغداد 9° C
yaqein.net
الرئيسية » البطالة في العراق »

شبح البطالة يطارد شباب العراق ويهدد مستقبلهم

شبح البطالة يطارد شباب العراق ويهدد مستقبلهم

لا يبدو الحديث عن مشكلة البطالة سهلا في العراق اليوم، فالبلد الزاخر بالخيرات والثروات يعاني كثير من سكانه من عدم قدرتهم على الحصول على عمل، وبالرغم من الميزانيات الإنفجارية التي أعلنت عنها الحكومات المتعاقبة بعد 2003 فإن نسب البطالة بارتفاع مطرد، وتمتلىء المقاهي في المدن العراقية بآلاف الشباب العاطلين عن العمل، والذين يقضون معظم أوقاتهم في تدخين الناركيلة ولعب الورق والدومينو، رغم أن من بينهم عدد كبير من حملة شهادات البكالوريوس والدبلوم، لكنهم لم يجدوا وظائف حكومية أو خاصة بسبب استشراء الفساد الإداري والمالي وسياسات المحسوبية التي تمارسها الأحزاب التي تتربع على كرسي الحكم في بغداد.

براق شاب يبلغ من العمر 28 عاما تخرج من كلية الهندسة في الجامعة التكنولوجية عام 2012 لكنه لم يجد وظيفة تناسبه، فاضطر للعمل في مهن لا تناسبه كما يقول لـ”وكالة يقين”، كان آخرها بائعا في محل للملابس يمتلكه صديقه، وهو يأتي كل يوم مساء إلى المقهى القريب من منزله في منطقة الدورة ببغداد، ليقضي ساعتين أو ثلاثة برفقة أصدقائه، يقول براق إن هذا المقهى مليء بالخريجين الذين وجدوا أنفسهم في الشارع بلا أي عمل أو وظيفة، لأنهم لا يمتلكون واسطات قوية أو معارف بدوائر الدولة، وهم يتجمعون يوميا بدون أي هدف سوى قضاء الوقت ومحاولات نسيان الواقع الذي يعيشونه، وتبادل الأخبار ومتابعة مواقع التواصل الإجتماعي هربا من الأوضاع التي تمر بهم وببلادهم.

مساطر العمال

وتمتلىء “مساطر” العمال في المدن العراقية بآلاف الشباب الذين ينتظرون فرصا للعمل في البناء أو الصباغة وبعض الأعمال اليدوية الأخرى، وبعض هؤلاء يحملون شهادات جامعية، اضطرتهم الظروف للنزول إلى الشارع والعمل في هذه المهنة بعد أن فقدوا الأمل في وظيفة بالقطاعين الحكومي والخاص، ومن هؤلاء الشاب محمد ستار (25 عاما) الذي يقول لـ”وكالة يقين” أنه فقد الأمل بالحصول على وظيفة حكومية بعد أن تخرج من ثلاثة أعوام، ولم يترك بابا للعمل إلا وطرقه، لكن مساعيه كلها باءت بالفشل.

ويضيف ستار أن بعض زملائه استطاعوا إيجاد وظيفة في وزارة التربية كمدرسين بعد أن دفعوا مبالغ تصل إلى ثمانية آلاف دولار، لكنه وضعه المادي لم يسعفه لدفع هذا المبلغ فبقي دون عمل، حتى قرر أن ينزل إلى الشارع للعمل في البناء مع زملائه في مسطر للعمال في حي الجامعة غربي بغداد، خاصة وأن المبلغ الذي يتقاضاه العمال يوميا يمكن أن يساعده في تدبير نفقات أسرته، لكن هذا الأجر غير ثابت، خاصة مع تزايد أعداد الذين يعملون في هذه المهنة بسبب البطالة، على حد قوله.

وإلى جانبه يجلس حسن خلف (26 عاما) والذي تخرج من كلية الزراعة في جامعة بغداد أيضا، واختار أن يعمل في هذا المجال أيضا بعد أن يئس من التعيين الحكومي، لكنه يؤكد لـ”وكالة يقين”أنهم أصبحوا يجلسون أياما بانتظار فرصة حضور مقاول أو صاحب بناء دون جدوى، ويقول بحسرة: حتى في هذه المهنة أصبحت فرصنا محدودة بعد أن كثر العاطلون عن العمل وأصبح مهنة البناء هي الوجهة المفضلة للكثيرين منهم، وهو ما انعكس سلبا على من يعملون فيها، بسبب كثرة الأيادي العاملة مقارنة بحركة البناء.

“السايبا” هي الحل!!

وبسبب قلة الوظائف وارتفاع نسب البطالة يلجأ كثير من الشباب العراقي إلى حل سهل –كما يرونه- وهو شراء سيارة أجرة والعمل بها في الشارع، وهو ما أدى إلى زيادة مهولة في أعداد سيارات الأجرة في المدن العراقية، حيث أصبحت قيادة التكسي “شغل من لا شغل له” كما يقول العراقيون، وبسبب ارتفاع أعداد سيارات الأجرة فقد قل دخل من يمارسون هذه المهنة، كما يؤكد سجاد الذي اشترى قبل عامين سيارة “سايبا” إيرانية الصنع، بسبب سعرها المناسب –حسب قوله لـ”وكالة يقين”- وهو يقضي نهاره متنقلا بين أحياء بغداد باحثا عن ركاب يقوم بنقلهم، ويقول سجاد أن أوضاع سائقي سيارات الأجرة قبل بضع سنوات كانت أفضل من الآن، بسبب إقبال آلاف الشباب على هذه المهنة لعدم توفر البديل.

وبحسب سجاد فإن سائق التكسي قبل أربع أو خمس سنوات كان يحصل يوميا على ما بين 75 إلى 100 ألف دينار، لكن الحال قد تغير اليوم، حيث لا يزيد دخل معظم السائقين على الخمسين ألفا في أفضل الحالات، وربما أقل بكثير من ذلك، هذا عدا عن الأموال التي ينفقونها في تصليح سياراتهم وصيانتها.

ضعف القطاع الخاص

وعلى عكس معظم بلدان العالم؛ فإن وظائف القطاع الخاص في العراق تفقد جاذبيتها بالنسبة لمعظم الشباب، حيث تعاني من تدني الرواتب والمخصصات، بالإضافة إلى انعدام شبه كامل لحقوق الموظف في حالات الفصل التعسفي، وفقدانه حق الحصول على التقاعد بعد بلوغه السن القانونية، لذا يسعى العراقيون إلى الحصول على فرصة تعيين حكومية وإن كانت بمبالغ طائلة، كما أن الكثيرين منهم يفضلون وظيفة حكومية براتب ضئيل على وظائف القطاع الخاص لأنها “بلا مستقبل” كما يعتقدون.

ويعزو الخبير الإقتصادي نزار الحسني لـ”وكالة يقين” أسباب ضعف القطاع الخاص في العراق إلى غياب القوانين التي تنظم عمله أو تضمن حقوق العاملين فيه، لأن معظم من يتولون الملف الإقتصادي في البلاد لا يهمهم القضاء على البطالة أو حل المشاكل الإقتصادية بقدر اهتمامهم بضمان مصالحهم الشخصية، ويضيف الحسني أن غياب القوانين والتشريعات التي تحمي المنتج المحلي أدى إلى إهمال حمايته، رغم أنه يمكن أن يسهم في حل مشكلة البطالة بشكل كبير.

وبحسب الخبير الإقتصادي فإن هذا الإهمال وعدم الإهتمام يدفع بالكثير من أصحاب رؤوس الأموال الجشعين إلى استغلال حاجة العاملين معهم وعدم منحهم حقوقهم بشكل كامل، فلا يوجد قانون يجبرهم على تعديل الرواتب أو تحسينها مراعاة لظروف العمال والموظفين، مهما بلغت درجة استغلال أصحاب العمل لهم، ورغم وجود بعض القوانين التي يفترض أن تعالج قضايا إقتصادية ملحة مثل قانون حماية المستهلك وقانون التعرفة الجمركية؛ إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ عمليا، بسبب عمليات الفساد المستشرية، وعدم إيلائها الأولوية في التنفيذ.

ويدعو الحسني الحكومة والبرلمان إلى إصلاح القطاع الخاص وتعزيزه بقوانين توفر الحماية والعدالة الإجتماعية للعاملين فيه، والإهتمام بدراسة التجارب الناجحة في العالم المتقدم، والتي استطاع القطاع الخاص فيها أن يكون رديفا للعام وداعما للميزانية، لا سيما وأن العراق يعيش أزمة إقتصادية عميقة وتداعيات حرب دمرت البنى التحتية فيه، وهو ما لا تستطيع الحكومة أن تغطي تكاليفه كاملة، على حد قوله.

أصحاب البسطيات      

وتمتلىء الأسواق العراقية بالباعة المتجولين وأصحاب “البسطيات” الذين يبيعون أغراضا أو ملابس بأسعار زهيدة، وبعض هؤلاء تخرجوا من جامعات ومعاهد حكومية وخاصة لكنهم لم يجدوا فرصة عمل تناسبهم ففضلوا الإتجاه للسوق بدل الجلوس في المقاهي أو المنازل، ويرى خريج الجامعة العراقية سعد صائب والبالغ من العمر 23 عاما أن العمل في السوق مهما كان شكله أفضل من الجلوس في البيت وانتظار مساعدة الأهل والأقارب، وهو القرار الذي اتخذه مباشرة بعد تخرجه من كلية القانون، حيث تواصل مع بعض الشخصيات ذات النفوذ كي يجد وظيفة وإن كانت بسيطة لكنه عجز عن ذلك، وعجز كذلك عن إيجاد فرصة كي يعمل في مكتب أحد المحامين فقرر الإتجاه لسوق منطقته الأعظمية، وافتتح بسطية لبيع الإكسسوارات النسائية، وهو يدر عليه دخلا لا باس به لكنه لن يكفيه إذا ما فكر بالزواج، لذا فإنه أجل موضع الإرتباط حتى تتهيأ له فرصة عمل جيدة حتى ولو بعد سنوات، كما يقول.

ورغم أن هذه “البسطيات” تسد حاجة العديد من الشباب العاطلين عن العمل وتوفر لبعضهم دخلا لا بأس به إلا أنهم يتعرضون بين الحين والآخر إلى مضايقة البلديات التي تقوم بإزالة بسطياتهم ومصادرتها، بدعوى تشويههم للشوارع والأرصفة، ويشتكي أحمد حسن وهو صاحب بسطية في المنصور من قيام السلطات بإزالة مصدر رزقه الوحيد –كما يقول- بحجة أنه وزملاؤه يشوهون شكل المنطقة الراقية ويعيقون حركة السائرين على الأرصفة ويزعجون السكان، لكنه يرفض هذه الإتهامات ويؤكد أن الكثير من رواد هذه المنطقة وأهلها يتبضعون منهم نسبة لأسعارهم الجيدة مقارنة بالمحلات الراقية، ويضيف قائلا: إذا كانت الحكومة جادة في الحفاظ على جمال ورقي هذه المناطق فلماذا لا توفر له ولأقرانه من الذين يعملون في مهنته أماكن محترمة ليبيعوا فيها بضاعتهم، كما يحدث في كثير من الدول، التي تقوم بإنشاء أسواق خاصة لباعة الرصيف أو المتجولين، كي يمارسوا عملهم ويعيلوا أسرهم بدل أن يقعوا أسرى للبطالة والحاجة والفقر.

الهجرة كحل أخير

وقد دفعت الظروف المعيشية الصعبة وقلة فرص العمل بالكثيرين إلى الهجرة خارج البلاد، بحثا عن فرص أفضل ربما يحصلون عليها في العمل والعيش الكريم، حتى بلغ عدد العراقيين المقيمين في الخارج وفقا لآخر تقدير بحدود أربعة ملايين شخص، ونسبة كبيرة من هؤلاء هم من الباحثين عن فرص عمل وحياة أفضل.

ويضطر بعض العراقيين المهاجرين إلى العمل في مهن متواضعة في الدول التي يقيمون فيها، من أجل توفير نفقاتهم وأسرهم، ومحمود سعد واحد من هؤلاء حيث يقيم في تركيا منذ عام 2014 بعد أن ترك مدينته الموصل خوفا من القتل أو الإعتقال وانتقل إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان، لكنه ظل جالسا في البيت هناك بسبب عدم حصوله على فرصة عمل، ثم انتقل إلى تركيا مع عائلته بحثا عن فرصة أفضل لكنه ظل عاطلا عن العمل لمدة عام تقريبا؛ قبل أن يجد عملا في إحدى مطاعم منطقة “آق سراي” بإسطنبول، وهو يقول أنه خريج كلية الإدارة بجامعة الموصل وكان يتوقع مستقبلا أفضل له، لكنه مضطر للعمل من أجل توفير لقمة العيش لأهله، خاصة وأنه لا يستطيع العودة إلى الموصل حاليا بسبب عدم استقرار أوضاعها.

ويصف محمود لـ”وكالة يقين” عمله بالمرهق والشاق، حيث يضطر للعمل حوالي 10 ساعات يوميا، مقابل مبلغ زهيد لا يزيد عن 400 دولار شهريا، وهو بالكاد يكفي لدفع إيجار الشقة التي يقطنها مع أسرته، لكنه لا يستطيع ترك العمل لأن البديل يعني الضياع، على حد قوله.

وتشبه قصة محمود قصص آلاف الشبان العراقيين الذين تركوا بلدهم وبيوتهم من أجل البحث عن فرص أفضل في الحياة، حيث يشعر الكثير منهم بعدم وجود مستقبل لهم في بلادهم، بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية والإقتصادية، وهو ما يهدد بفقدان العراق لآلاف العقول والكفاءات، لا سيما وأن من يسيطرون على مفاصل الدولة فيه لا يقدرون أصحاب هذه الشهادات، ويقدمون عليهم أقاربهم ومعارفهم، بسبب هيمنة المحسوبية والواسطات على الوظائف الحكومية غالبا.

تبريرات حكومية

ورغم أن الحكومة تعلن باستمرار عن وضعها خططا للقضاء على مشكلة البطالة إلا أن الظاهرة في تزايد مستمر، وتلجأ الحكومة في أحيان كثيرة لإلقاء اللوم على الظروف السياسية و”الإرهاب”، متهمة هذه الأجندات بتعطيل عملية التنمية في البلاد وإفشال خطط محاربة الفساد والبطالة، وبحسب تقديرات وزارة التخطيط فإن نسبة البطالة قبل عامين كانت تتجاوز 25% بعد أن أظهر المسح الذي أجرته الحكومة عام 2012 بلوغ النسبة 11% وهو ما يعني فشلا حكوميا في احتواء الظاهرة فضلا عن علاجها.

ويبرر الناطق باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي لـ”وكالة يقين” ارتفاع النسبة بالحرب التي عاشها العراق منذ عام 2014 وارتفاع أعداد النازحين الذين ترك معظمهم وظائفهم وأعمالهم واضطروا إلى مغادرة مناطقهم بحثا عن الأمان، بالإضافة إلى تراجع أسعار النفط والتي أضرت بالاقتصاد العراقي وأدت بالنتيجة إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وظائف للمتنفذين!!

ووفق العرف الذي أصبح شائعا في العراق بعد عام 2003 فإن هناك وظائف معينة أصبحت حكرا على فئات معينة، خاصة تلك المرتبطة بالوزارات المهمة كالخارجية والنفط، ويتمتع العاملون فيها برواتب عالية يصل بعضها إلى أكثر من خمسة آلاف دولار بالنسبة للموظفين الجدد، أما القدامي فتتجاوز رواتب بعضهم العشرة آلاف دولار، وهو ما يجعل كثيرا من الشباب يدفعون رشى وأموالا إلى بعض المتنفذين في هذه الوزارات للحصول على وظيفة فيها، قد تصل إلى عشرة آلاف دولار وربما أكثر.

لكن هذه الوظائف أصبح الحصول عليها صعبا اليوم حتى بالطرق غير الشرعية، بعد أن أصبحت شبه محتكرة لأبناء المسؤولين والموظفين الكبار، الذين يملؤون الشواغر منها بأقاربهم وذويهم.

كما أن ظهور “البطالة المقنعة” أسهم في تفاقم صعوبة الحصول على عمل في العراق اليوم، حيث تمتلىء العديد من دوائر الدولة بموظفين لا عمل لهم، يقضون ساعات يومهم في الحديث أو تصفح الإنترنت، ويحصلون على رواتب من الدولة، حتى أصبحت الموقع الذي يحتاج إلى شخصين أو ثلاثة يشغل بعشرة موظفين، جاءوا بتزكيات وواسطات من شخصيات وأحزاب ذات سطوة ونفوذ.

ولا يبدو أن حل مشكلة البطالة سيكون قريبا، في ظل غياب خطط حكومية جادة، أو خطوات لمحاربة الفساد المالي والإداري الذي ينخر جسد مؤسسات الدولة، رغم أن البرامج السياسية المعلنة لجميع الأحزاب تجعل حل هذه المشكلة في مقدمة أولوياتها، وهكذا أصبحت الطاقات الشبابية في العراق معطلة وخارج نطاق الخدمة، يعمل بعضهم في مهن هامشية لا تناسب شهاداتهم، ويتطوع بعضهم في الجيش أو يلتحق بإحدى المليشيات بحثا عن راتب شهري، بانتظار حلول حقيقية تلامس مشاكلهم وتخرجهم من أزماتهم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات