الإثنين 23 أكتوبر 2017 | بغداد 20° C
الرئيسية » تحقيقات »

مخاوف من كوارث بيئية في المناطق التي استعادتها الحكومة في العراق

مخاوف من كوارث بيئية في المناطق التي استعادتها الحكومة في العراق

بعد أن ينقشع غبار الحروب عن المدن والقرى تبدأ مشاكل من نوع ثان، فمخلفات الصراعات لا تقل في أحيان كثيرة عن خطورة المعارك وضحاياها بل قد تفوق أعدادهم أحيانا، وفي المدن التي استعادتها الحكومة من  مسلحي (تنظيم الدولة) ، بدأت تظهر منذ الأيام الأولى مشاكل ومخاطر بيئية تهدد حياة السكان المحليين، ورغم اكتمال السيطرة على الرمادي والفلوجة وتكريت ومعظم مدينة الموصل ومدن ومناطق أخرى إلا أن الدماء ما زالت تنزف حتى اليوم، كما أن التلوث البيئي الذي تعيشه هذه المدن أصبح يشكل خطراً على الهواء والمياه والتربة، وينذر بعواقب وخيمة على الأجيال القادمة في المستقبل.

وتتنوع مصادر هذا التلوث بتنوع الأسلحة التي استخدمت في الحرب، ومخلفاتها التي تترك أثرها بشكل مباشر أو غير مباشر على حياة العراقيين هناك، ولا يبدو هذا الأمر غريبا على العراق الذي أصبح حقلاً لتجارب الأسلحة الملوثة والمسرطنة والمليئة باليورانيوم منذ عام 1991 وحتى اليوم،عدا عن التخريب الممنهج والفعال لكل أشكال الحياة فيه، وتلويث الطبيعة بشكل متعمد أو غير متعمد، حتى أصبحت بيئته مليئة بأنواع من الأمراض والأوبئة، حتى تلك التي كان قد تخلص منها منذ عقود.

تلوث وتشوه

أحدثت المعارك المستمرة منذ عام 2003 -مع بعض فترات التوقف- تلوثا كبيرا في الهواء في عدة مدن عراقية، حيث أدى استخدام الفسفور الأبيض ومواد محرمة دوليا في قصف الفلوجة ومدن أخرى إلى ظهور حالات تشوه ولادي وجنيني، فضلا عن حالات تسمم وتلوث في الأغذية والمزروعات، وقد انتقدت منظمة العفو الدولية استخدام “قوات التحالف الدولي” مادة الفسفور الأبيض في قصف مناطق في الموصل مؤخرا، وقالت المنظمة في بيان لها إن استعمال هذه المادة في محيط مدينة الموصل “يمكن أن يشكل خطراً مميتاً للمدنيين الفارين من القتال في الأيام والأسابيع القادمة”، وأضاف البيان أن المنظمة تلقت شهادات من شهود موثوقين وأدلة بالصور على انفجار مقذوفات للفسفور الأبيض في الهواء فوق المنطقة الواقعة شمال قرية كرملش، على بعد حوالي 20 كيلومتراً إلى الشمال من الموصل، وفق ما جاء في نص البيان.

والفسفور الأبيض مادة حارقة تشتعل بدرجات حرارة عالية عند تعرضها للهواء، ويمكن أن يتسبب بإصابات مروعة فيحدث حروقاً عميقة في العضلات والعظام، ويحرق جسم الإنسان ولا يبقي منه سوى العظام، ويهيج استنشاقه لفترة قصيرة القصبة الهوائية والرئة، أما استخدامه لفترة طويلة فيسبب جروحا في الفم، ويكسر عظمة الفك، وإذا ما جرى دفنها في التربة أو غمرت بالماء فمن الممكن إطفاء أسافين الفسفور الأبيض مؤقتاً، ولكنها تعود إلى الإشتعال تلقائياً إذا ما جرى الكشف عنها، مما يشكل مصدر خطرا جديا على المدنيين.

ضحايا الفسفور الابيض

في إحدى المستشفيات الخاصة بمدينة أربيل يرقد “سعد حميدي” وهو من سكان حي الزنجيلي في الجانب الأيمن للموصل، بعد أن أصيب بشظايا من القصف الذي استهدف منطقته ومناطق أخرى مجاورة، ويعاني حميدي من حروق عميقة في عدة مناطق من جسده، وفقدانه لأربعة من أفراد أسرته أثناء القصف، وقد تم نقله إلى أربيل للعلاج بعد استعادة المنطقة من قبل الجيش ، ووفقا لرواية حميدي لـ”وكالة يقين” فإن المنطقة كانت تشهد اشتباكات عنيفة وقصفا متبادلا بين القوات المشتركة ومسلحو (تنظيم الدولة) إلى أن قامت طائرات التحالف الدولي بقصف المنطقة بقنابل الفسفور الأبيض، وقد انهار جزء من منزله جراء القصف، وبدأت القنابل تنهمر عليهم مما أدى إلى مقتل العشرات وإصابة المئات من سكان منطقته وما جاورها، ومن بينهم أفراد عائلته.

ويقول الأطباء أن حالة حميدي ما زالت صعبة ونسبة الحروق تصل إلى أكثر من 60% من جسده بعضها عميقة وفي أماكن حساسة وخطيرة، وحتى لو تماثلت حالته للشفاء؛ فإنه سيظل يعاني بقية عمره من الإصابات الناتجة عن الحروق التي أصابته.

ورغم أن اتفاقية جنيف عام 1980 تحرم استخدام الفوسفور الأبيض ضد السكان المدنيين أو حتى ضد الأعداء في المناطق التي يقطن فيها مدنيون، وتعتبر استخدامه جريمة حرب، إلا أن القوات الامريكية استخدمته أكثر من مرة في العراق، ولا يزال حجم الضحايا في الموصل جراء استخدام هذا السلاح مجهولا؛ بسبب التعتيم الحكومي وتخوف وسائل الإعلام من طرح الموضوع بشكل جدي.

حرائق النفط

وأدت المعارك في مدينة القيارة والتي استمرت لأسابيع إلى احتراق عشرات آبار النفط في المدينة، مما تسبب في تشكل سحب ضخمة من الدخان استمرت لبضع شهور، ونزوحاً عاماً للسكان عن المدينة، بعد وقوع عشرات حالات الإختناق والإصابة بالأمراض الجلدية بين السكان المدنيين، وتلوث مياه نهر دجلة الذي يمر بالمدينة، كما أن السحب الدخانية نجم عنها غيوم أدت إلى تساقط أمطار ملوثة بالنفط على المدينة فاصطبغت كلها باللون القاتم؛ حتى تغير لون صوف ووبر المواشي إلى السواد، ولا يزال الكثير من سكان الناحية يعانون من آثار استنشاق الغازات السامة الناتجة عن الحرائق.

واستمرت محاولات إطفاء الحرائق من قبل الفرق التابعة لوزارة النفط عدة أسابيع حتى تم إخماد آخر بئر نفطي مشتعل، لكن تأثيرات دخان الحرائق ظلت لشهور بعد ذلك، مما دعا لجنة حقوق الإنسان البرلمانية للقول بأن استمرار هذه الكارثة جاء بسبب الإهمال الحكومي، وطالبت اللجنة في بيان لها رئيس الوزراء حيدر العبادي بإنهاء المشكلة، ووصفت الجهود الحكومية المبذولة بأنها لم ترتق إلى المستوى المطلوب، على حد تعبير البيان.

تجريف وجفاف

وقد أدت المعارك المستمرة في عدد من المحافظات إلى حرق مساحات خضراء واسعة من الحقول والبساتين والمزارع وتحولها إلى أراض جرداء أو بور لا تصلح للزارعة، كما يقول أبو سلمان لـ”وكالة يقين” وهو مزارع بسيط من ناحية يثرب اضطر لترك منزله ومزرعته إثر اشتداد المعارك بين الحكومة ومسلحي (تنظيم الدولة) ونزح مع أسرته إلى إقليم كردستان، ليبقى هناك حوالي عامين، ولما عاد وجد أن مزرعته التي كان يمتلكها وتبلغ مساحتها أربعة دوانم قد تم تجريفها من قبل مليشيات مسلحة قدمت من مدينة بلد القريبة، حيث أصبحت أرضها بورا وغير صالحة للزراعة بعد أن ظلت تنتج أنواعا مختلفة من المحاصيل الزراعية لعشرات السنين.

ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تم تجريف وتجفيف العديد من السواقي والقنوات التي تنقل المياه إلى المزارع والبساتين، مما أدى إلى جفاف مساحات واسعة منها، مما اضطر بعض السكان الذين عادوا إلى مناطقهم في حزام سامراء الجنوبي والذي يشمل أقضية ونواحي الضلوعية وعزيز بلد ويثرب والإسحاقي وغيرها إلى ترك مناطقهم مرة أخرى، بعد أن اصبحت غير آهلة للسكن والمعيشة.

وتقول عضو مجلس محافظة صلاح الدين سعدية العبيدي لـ”وكالة يقين” أن هذه المناطق تضررت كثيرا بسبب الحرب، وخسرت معظم بناها التحتية وهي بحاجة إلى ميزانية ضخمة من أجل إعادة إعمارها، مضيفة أن جفاف العديد من المزارع وتحولها إلى أراض قاحلة ينذر بكارثة بيئية حقيقية، وربما تتحول في المستقبل إلى صحراء بعد أن فقدت مقومات الحياة الأساسية فيها.

حرق الحقول

وعادة ما يفرض المنتصر قوانينه الإنتقامية على الأرض، فقد شهدت المناطق التي استعادتها الحكومة من تنظيم الدولة أو التي تشن عليها هجمات بين الحين والآخر “للبحث عن مسلحين” إجراءات عقابية، من بينها حرق المزارع والحقول وتجريفها، والزائر لمناطق حزام بغداد يلاحظ ذلك بوضوح، حيث تحولت مناطق خضراء شاسعة إلى أرض يباب، وأصبحت مشاهد بساتين النخيل المحترقة في قضاء التاجي شمالي بغداد طبيعية ومعتادة، ويقول محمد نصير لـ”وكالة يقين” وهو من سكان شاطىء التاجي إن هذه المنطقة كانت من أجمل مناطق حزام بغداد، بما تحويه من بساتين ومناظر طبيعية وإطلالات ساحرة على نهر دجلة، مما جعلها مقصدا لكثير من العوائل البغدادية للاستجمام والتنزه، قبل أن تتحول إلى ساحة للمعارك.

ويشير نصير إلى أن حملات التفتيش التي تقوم بها القوات الحكومية عادة ما تنتهي بإحراق المزارع المحاذية للطرق الرئيسية بحجة منع المسلحين من الإختباء فيها، مما أدى إلى إحراق مئات الدونمات في المنطقة، التي بدأ التصحر يزحف على أطرفها.

ويرى أبو نصير أن القوات الحكومية نفسها لا تستطيع الوقوف بوجه المليشيات التي تدخل إلى المنطقة بين الحين والآخر، فتمارس التخريب والحرق، لأنها مسنودة من جهات أعلى وأكثر نفوذا حتى من الدولة، على حد قوله.

تكدس النفايات

وبسبب أجواء الحرب فقد أصبحت تعاني الكثير من المدن والبلدات التي وقعت تحت خط النار من تكدس أطنان كبيرة من النفايات والمزابل التي بدأت تلوث أجواء هذه المناطق، وبحسب الخبير البيئي سالم سلوان فإن هذا النوع من التلوث يسبب تأثيرات سلبية كبيرة على التربة والمياه والصحة العامة لما يسببه تكدسها من أضرار على الصحة العامة للإنسان، لوجود مواد عضوية قابلة للتعفن والتلف، عدا عن المواد السامة والضارة الأخرى، بالإضافة إلى تصاعد الروائح الكريهة منها، مما يساعد على التكاثر السريع للبكتريا والفطريات والحشرات الضارة.

ويقول عضو مجلس محافظة نينوى عايد اللويزي لـ”وكالة يقين” إن تكدس وتجمع النفايات بهذا الشكل يشكل مخاطر جسيمة على الحياة هناك وتهدد بتفشي الأوبئة الخطيرة بين السكان، ويضيف: بالرغم أن بلدية الموصل تقوم بجهود كبيرة لإزالتها إلا أنها تعاني من قلة عدد الآليات التي لا تتناسب مع المساحات الواسعة التي تغطيها النفايات منذ شهور، بسبب توقف الخدمات التي تقوم بها البلدية، مما يهدد بكارثة بيئية قادمة إذا لم تتحرك السلطات المعنية.

ويشتكي سكان الموصل من غياب عمال البلدية وضعف دورهم لا سيما في المناطق التي استعادتها الحكومة منذ شهور وخاصة في الجانب الأيسر، فضلا عن المناطق التي لا تزال تشهد حربا في أيمن الموصل وما جاورها.

مستنقعات في الشوارع

ويشتكي سكان حي الميثاق في أيسر الموصل لـ”وكالة يقين” من تراكم النفايات بشكل “مخيف” في مناطقهم، وعجز بلدية الموصل عن رفعها حتى الآن، متحججين بقلة الآليات المخصصة لذلك، لكن تكدس النفايات بهذا الشكل حول المنطقة إلى مكان موبوء بالحشرات والجرذان والبعوض والذباب والروائح النتنة، كما يؤكد أبو فهد في حديث لوكالة يقين وهو من أهالي المنطقة والذي يشير إلى ظاهرة تكاثر الجرذان في المنازل بالإضافة إلى الحشرات، مما أدى الى انتشار بعض الأمراض الجلدية خاصة بين الأطفال، لأن مياه الإسالة غير موجودة على الأغلب وهم مضطرون لشراء المياه النقية من أجل الشرب والإستحمام، هذا الوضع دفع السكان إلى حرق النفايات بشكل عشوائي، مسببين سحبا من الدخان المنبعث من هذه الحرائق وروائح كريهة.

ومما يزيد الطين بلة هو انسداد المجاري منذ شهور وتجمع مياه الصرف الصحي بين البيوت في عدد من أحياء جانبي المدينة، وهو ما حولها إلى مستنقعات لا يستطيع الشخص اجتيازها إلا بصعوبة في كثير من الأحيان، ويتخوف السكان من استمرار الوضع على ما هو عليه دون إصلاح المجاري ورفع النفايات، لأن الوضع يمكن أن يتحول إلى كارثي في فصل الشتاء وموسم الأمطار.

أعراض جانبية

وثمة أعراض جانبية للحروب يمكن أن يصاب بها حتى سكان المناطق الآمنة والبعيدة عن القتال، فقد حدثت عدة حالات تسمم قبل مدة في مياه الشرب بمنطقة الرضوانية غربي بغداد بسبب توقف المشروعات المائية عن العمل جراء الفيضانات الناجمة عن غلق سدة الفلوجة، أثناء سيطرة تنظيم الدولة على المدينة، وتم نقل العديد من الحالات الى المستشفيات جراء إيقاف محطات تصفية المياه عن العمل.

كما سجلت عدة حالات للتسمم بالمياه أثناء حصار مسلحي (تنظيم الدولة) للمجمع السكني في ناحية البغدادي غربي الأنبار، فيما اتهمت السلطات الحكومية التنظيم بتلويث المياه بمواد سامة من أجل قتل الأهالي المتعاونين مع الجيش، على حد قولهم.

ومما يزيد في تدهور الوضع البيئي وارتفاع معدلات التلوث هو ازدياد مساحات السكن العشوائي في المدن، ومعظم هذه المناطق تخلو من الخدمات والبنى التحتية ويسكنها فقراء ربما لا تلتفت الحكومة إليهم كما يشتكون، وتتبع ذلك مشاكل تتعلق بتصريف المياه وعدم وجود شبكة مجاري، والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والذي يدفع السكان للاستعاضة عن ذلك بالمولدات الكهربائية على مدار اليوم، وهو ما يسهم في رفع نسبة التلوث في الجو، وقد تحولت العديد من هذه المناطق إلى بؤر للتلوث البيئي وساحة لانتشار أنواع مختلفة من الأمراض، لا سيما الجلدية وأمراض الجهاز التنفسي.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات