الأحد 20 أغسطس 2017 | بغداد 34° C
الرئيسية » تحقيقات »

إستيراد الكهرباء… هدر كارثي للأموال مقابل إذلال المواطن في العراق

إستيراد الكهرباء… هدر كارثي للأموال مقابل إذلال المواطن في العراق

للمرة الثالثة على التوالي يشارك محمد ابراهيم النصراوي أبناء محافظتة البصرة في تظاهرة للمطالبة بتوفير ساعات أكبر من التيار الكهربائي الوطني في ظل درجات حرارة تعدت نصف درجة الغليان ومعدلات رطوبة غير مسبوقة جعلت المتظاهرين يغيرون أوقات نشاطهم الاحتجاجي من النهار الى الليل من أجل المحافظة على سلامة المحتجين من ضربات الشمس التي تحتل البصرة المرتبة الاولى في تسجيلها قياساً بباقي محافظات العراق.

وكالعادة أستمع النصراوي وزملائه المحتجين ذات الكلام من مسؤول محلي عن خروج وحدات توليدية عن الخدمة بسبب الحرارة غير المعقولة وتوقف الخط الايراني المجهز للمدينة بالكهرباء وهي  الأعذار ذاتها التي تكررت للمرةالرابعة خلال موسم الصيف الحالي ولم تجد لها حلول واقعية من قبل وزارة الكهرباء او الحكومة المحلية في محافظة البصرة.

ورقة ضغط

ويؤكد النصراوي ذو الـــ53 عاماً لـــ “وكالة يقين” أن ملف الكهرباء هو أكبر دليل ورد على القائلين بحب ايران لأبناء الجنوب وحرصها على العلاقة الودية معهم ، مستدركاً بأن أيران قطعت الكهرباء عن أبناء البصرة وتركتهم في أجواء حارقة وعذاب من أجل الضغط على وزارة الكهرباء لاستحصال ديونها المترتبة لقاء تجهيز المدينة بالكهرباء.

زميل النصراوي في  التظاهرات المعلم الثانوي كريم جمعة البزوني يؤيد كلام صديقة بخصوص استخدام ايران لأسلوب القطع المتكرر من أجل خروج التظاهرات كورقة ضغط تسرع في عملية استلامهم للديون وهي طريقة باتت معروفة في محافظات الجنوب خلال فصل الصيف ولا يخلو شهر من هذه التظاهرات.

ويبين البزوني لـــ“وكالة يقين” أن الجانب الايراني يختار توقيت القطع مع الايام التي تسجل اعلى مستويات للحرارة وهو ما حصل في نهاية حزيران الماضي ويضمن لهم زيادة النقمة الشعبية على المسؤولين في المحافظة و الحكومة المركزية ، مبيناً ان هذا الاسلوب بدأ بالتصاعد خلال السنتين الماضيتين .

خلاف بشأن الحاجة للاستيراد

يرفض علي سلطان الموسوي ” موظف في القسم الاعلامي بمحافظة البصرة” الكلام عن أساليب الضغط في موضوع الكهرباء المستوردة ولكنه يؤكد بأن الاتصالات المستمرة  التي يقومون بها مع وزارة الكهرباء اثمرت عن تسديد جزءمن الدين الايراني الخاص بالخط الكهربائي وعجلت في عودة الخط الى الخدمة .

الموظف الاعلامي يوضح لـــ“وكالة يقين” ان مجموع الديون الايرانية الخاصة بمحافظة البصرة تبلغ 417 مليون دولار خاصة بخط (خرمشهر _بصرة) الكهربائي والذي تم تسديد مبلغ 160 مليون دولار منها في نيسان الماضي من قبلوزارة الكهرباء وهو شرط وضعه الجانب الايراني من اجل القبول بتجديد العقد حتى نيسان من العام القادم.

وبخصوص الحاجة الفعلية للكهرباء الايرانية في البصرة يشير الموسوي الى وجود خلاف بين لجنة الطاقة في مجلس المحافظة من جهة وأعضاء في إدارة المحافظة بهذا الخصوص وأن الاول يرى ان الطاقة المنتجة محلياً كافية ويصرالثاني على سداد النقص عبر الاستيراد ، لافتاً الى وجود لجنة من المختصين تعمل على تقصي  حقيقة الموضوع تمهيداً لرفع تقرير به الى ديوان المحافظة من أجل البت به.

الغموض يلف مشاريع الوزارة

من جانبه يرى المدير العام السابق في وزارة الكهرباء حسن سلمان البيضاني ان الاستمرار في استيراد الكهرباء من دول الجوار هو إجراء غريب ويتناقض مع خطط سابقة كان من المفترض تنفيذها خلال الاعوام الاربعة الماضية وتؤديالى الاستغناء الكلي عن الاستيراد.

ويوضح البيضاني لـــ“وكالة يقين” ان خطة الوزارة التي ساهم في وضعها عام 2011 كانت تنص على افتتاح اربعة محطات هي الحلة والخيرات والموصل والقدس وجميعها غازية وخلال موعد اقصاه نهاية عام 2012 وتصل بالعراقالى مرحلة الاكتفاء الذاتي والاستغناء التام عن الكهرباء المستوردة .

وتابع المدير السابق ان الخطة وضعت وفق دراسة موسعة قام بها كادر ممتاز من المهندسين وخبراء الطاقة وبإشراف من مجلس الوزراء وشملت معظم المحافظات العراقية وكانت بمثابة الحل النهائي لمشكلة الكهرباء في العراق ،مستغرباً عدم تنفيذها في وقت تتصاعد الديون المترتبة على الوزارة جراء الاستيراد.

مسؤول: الديون فاقت المليار دولار

الناطق باسم وزارة الكهرباء العراقية مصعب المدرس كشف عن تجاوز الديون الايرانية حاجز المليار دولار لقاء تزويد العراق بـ1300 ميكاواط عبر خطوط البصرة والعمارة وديالى وخانقين ، ملقياً باللوم على وزارة المالية التي لمتطلق المبلغ اللازم لتسديد الديون الإيرانية برغم وجود الأموال اللازمة ضمن الموازنة السنوية .

المدرس أوضح في بيان تلقت “وكالة يقين” نسخة منه ان الموازنة السنوية للعراق تضمنت فقرة استيراد الطاقة وتم تخصيص مليار دولار لها وهي كافية لسداد الديون الايرانية ، مستدركاً بأن المشكلة في وزارة المالية التي لم تسلم وزارةالكهرباء سوى 9% من المبلغ المخصص لسداد ديون وزارة الكهرباء.

وبشأن الكهرباء المستوردة من تركيا أوضح الناطق باسم وزارة الكهرباء ان وزراتهم لا ترى ضرورة لإعادة التعاقد مع الجانب التركي الذي يجهز الكهرباء للعراق عبر بارجات توليد الطاقة خصوصاً وان الكميات التي تجهزها هذهالبارجات يمكن الاستغناء عنه .

خبير: الديون الايرانية تكفي لبناء 10 محطات

بكلمة الهدر غير المفهوم يصف المهندس عامر جلال البياتي إصرار وزارة الكهرباء على الإستيراد الخارجي في وقت يمكن إستثمار هذه الاموال في بناء محطات تقوم بسد الحاجة المحلية في مرحلة أولى قبل التحول الى مرحلة الفائضالقابل للتصدير الى دول الجوار .

المهندس البياتي عمل طيلة الــ14 سنة الماضية مع شركات كار وهيونداي وسيمنس في مجال بناء المحطات الجديدة وتوسيع القديمة وتحديثها ويمتلك تصور كامل عن أسعار البناء والتجهيز والتشغيل للمحطات الكهربائية والتي لا تتجاوز95 مليون دولار لبناء محطة غازية ذات منشأ ممتاز و تقوم بتوليد 300 ميكاواط  .

ووفق حسابات البياتي فأن ديون الكهرباء المستوردة التي تفوق المليار دولار كان بالإمكان إنفاقها على بناء 10 محطات غازية توفر للعراق 3000 ميكاواط  ، مضيفاً ان هذا العدد من المحطات قابل للزيادة اذا ما تم حساب المبالغ المالية التي  أنفقت سابقاً على هذا القطاع والتي سيتم تخصيصها مستقبلاً للاستيراد ضمن موازنات الأعوام المقبلة .

المهندس الخبير في بناء وتشغيل المحطات أكد لــــ “وكالة يقين” ان موضوع إستثمار الاموال في البناء بدلاً من الاستيراد لا يغيب عن أحد من المسؤولين او حتى المواطن العادي ، مبيناً أن الإبقاء على الأوضاع الحالية هي رغبة عليا تفوق تخصص وعمل وزارة الكهرباء وأن الضحية في النهاية هو المواطن الذي يعاني الامرين جراء فقر وتذبذب الكهرباء.

رواتب الكهرباء هي الاعلى

وفي ذات المحور يؤكد المهندس العامل مع شركة ماس المتخصصة في شؤون الطاقة زياد رضا العساف لـــ“وكالة يقين” ان بناء المحطات في مدن العراق من شأنه ان يشغل وبشكل حقيقي كوادر كبيرة متواجدة في وزارة الكهرباءويشغلون مناصب كثيرة بدون عمل فعلي  .

ويوضح المهندس العساف الذي عمل  ضمن شركة ماس في تجهيز مدن اقليم كردستان بالكهرباء : ان الرواتب التي يتقاضاها الموظفين في وزارة الكهرباء العراقية هي الأعلى مقارنة بباقي الوزارات بالرغم من وجود الكثير منهم بدونعمل فعلي او في وظائف مكتبية زائدة عن الحاجة .

ويخلص العساف الى القول بأن بناء المحطات وتوزيعها في مدن العراق المختلفة من شأنه ان يوفر فائدة لوزارة الكهرباء من خلال زيادة كوادرها العاملة بشكل ميداني في هذه المحطات ويقلل من نسبة الموظفين الاداريين او الفائضينعن الحاجة ومن الممكن ان يوفر فرص عمل جديدة لخريجي كليات الهندسة ومعاهد الكهرباء وغير من التخصصات المرتبطة بعمل وزارة الكهرباء.

تصاعد الأسعار الايرانية

الى ذلك يشدد الخبير الاقتصادي عبدالصمد المشهداني على أن الية استيراد الكهرباء في العراق تتسم بعد الشفافية والوضوح خصوصاً في مجال الأسعار وكيفية سداد الديون فضلاً عن التسعيرة التي تبيع بها غاز تشغيل المحطات الكهربائية الى العراق .

ويشرح المشهداني لـــ“وكالة يقين” تسعيرة الوحدة الكهربائية “كيلو واط خلال الساعة”  المستوردة من ايران كانت بسعر 4.5 سنت أمريكي خلال توقيع أول عقد للاستيراد عام 2005 ولكن السعر قفز الى 7.5 سنت أمريكي بعد أقل من5 سنوات على المباشرة بالاستيراد ، مرجحاً ان يكون تمت زيادة السعرة مرة أخرى في الوقت الحالي دون الاعلان عنه.

ويضيف الخبير المتواجد في العاصمة الاردنية والذي تحدث الى “وكالة يقين” عبر البريد الالكتروني ان ايران باعت للعراق الغاز المستخدم في تشغيل المحطات الكهربائية بسعر يفوق الأسواق العالمية بثلاثة أضعاف ، مستدركاً بأن هذهالأسعار الباهظة لم تمنع المسؤولين العراقيين من مطالبة الجانب الايراني بزيادة كميات الغاز دون اعادة دراسة الجدوى من هذه العملية الخاسرة .

وتابع المشهداني ان الحكومة العراقية ممثلة بمجلس الوزراء لجأت الى حل غريب وغير مبرر حين منحت وزارة الكهرباء الايرانية كفالة سيادية عن مبلغ ديون 600 مليون دولار وهي طريقة تلجأ اليها الحكومات عبر إصدار سندات بالعملة الصعبة للمستثمرين او الشركاء الاجانب ، لافتاً الى ان المستقبل ربما يحمل حلول أكثر تعقيداً مع بقاء المستشارين والمسؤولين الذين يوصون بهذه الحلول الكارثية، بحسب وصفة.

وبالعودة الى المتظاهرين في البصرة فأن محمد ابراهيم النصراوي يرى ان الواجب عليهم أن يغيروا مطالبهم من الأسراع بسداد الديون وإعادة الخط الايراني للعمل الى المطالبة بالنصب الفوري لمحطات محلية تغنيهم عن ذلة السؤالوإراقة ماء الوجه للجارة من أجل ان تتصدق عليهم بكهرباء مدفوعة الثمن .

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات