الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 |بغداد 35° C
yaqein.net
الرئيسية » تحقيقات »

كيف تغلغلت الشهادات المزورة مناصب قيادية في العراق؟

كيف تغلغلت الشهادات المزورة مناصب قيادية في العراق؟

ما زال كثير من العراقيين يتندرون على قصة حصلت في سنوات الإحتلال الأمريكي الأولى حين سئل أحد المسؤولين الكبار عن شهادة الدكتوراه التي يعرف نفسه بها وفي أي مجال هي، فأجاب بأنها “دكتوراه في حب الحسين”!!، وتبدو هذه الإجابة غير المنطقية مفتاحا لفهم الوضع العام في العراق بعد الإحتلال الأمريكي، وحال النخبة التي حملها المحتلون معهم ليتبوءوا المناصب العليا في البلاد.

وقد تغلغل أصحاب الشهادات المزورة في مفاصل الدولة وأصبحوا مؤثرين في العديد من مؤسساتها في ظل غياب التدقيق والمحاسبة الحكومية، لا سيما وأن معظمهم ينتمون إلى أحزاب ومليشيات تدير المشهد السياسي في العراق اليوم.

وقد كان الرقم الذي أعلنته وزارة التربية في نهاية عام 2016 عن وجود نحو 2560 شهادة دراسية مزورة؛ صادما وأحدث ردود فعل استنكرت وجود هذا الكم من المزورين، خاصة وأن كثيرا منهم يتسنمون مراكز متقدمة في قيادة الدولة ووزاراتها، دون أن تتخذ بحقهم إجراءات قانونية تجردهم من مناصبهم أو تقدمهم للمحاكمة، رغم أن العديد من المراقبين يشككون بصحة هذا الرقم ليوصله بعضهم إلى نحو عشرين الف شهادة مزورة أو أكثر.

صراع سياسي

ولا توجد إحصائية دقيقة عن عدد المسؤولين الذين يمتلكون شهادات مزورة، بسبب التعتيم الإعلامي الذي يمارس على هذه القضية، والتهديدات التي يتعرض لها كل من يفكر بفتح هذا الملف وإثارته من الناحية القانونية، إلا أن بعض القضايا التي تتم إثارتها بين الحين والآخر تسلط الضوء على هذا الملف وتعيده إلى الواجهة، مثل ما حدث مؤخرا من إقالة النائب الفني لمحافظ الأنبار علي فرحان حميد بعد ورود كتاب يفيد بأنه قدم شهادة مزورة لتسلم هذا المنصب، وقد أثار الخبر ردود فعل مستنكرة في الشارع الأنباري ودعوات لإعادة النظر في شهادات المسؤولين الآخرين، فيما وصف الشخص المقال الخطوة بأنها محاولة لتسقيطه سياسيا ولا تستند إلى وثائق رسمية، وتعهد بإقامة دعوى قضائية ضد المحافظ صهيب الراوي، متهما إياه بالكذب والإفتراء، وأنه “شخص مزور لا يليق بأهل الأنبار”، على حد قوله.

ويرى كثير من العراقيين تحدثوا لـ”وكالة يقين” أن بعض الخطوات التي تتخذ ضد المسؤولين الذين يمتلكون شهادات مزورة لا تعبر عن حرص الحكومة وأجهزتها على النزاهة والشفافية؛ بقدر ما تعبر عن الصراع السياسي المستعر بين الكتل الحاكمة، ومحاولاتها تسقيط بعضها البعض.

ويقول الباحث التربوي “عمر الفهداوي” لـ”وكالة يقين”  أن أهل الأنبار يعرفون أن كثيرا من مسؤوليهم لا يمتلكون شهادات دراسية، وأن الكثير منهم مزورون وبعلم الدولة وأجهزتها، لكنهم لا يتحركون لإسقاطهم حفاظا على التوازن العشائري في المحافظة، التي تحكم بتفاهمات بين شخصيات تمثل هذه العشائر، بكل امتداداتها ونفوذها ومصالحها الإقتصادية.

ويؤكد “الفهداوي” أن إثارة مثل هذا الموضوع في المحافظة يمكن أن يحدث إشكالات كثيرة على النسيج الإجتماعي، وما يصاحب ذلك من اتهامات وتأجيج للرأي العام، لذا يضطر الكثيرون للسكوت خوفا من تداعيات خطيرة قد يحدثها الموضوع، وفقا لقوله.

حصانة “دينية”

ويبدو الموضوع أشد تعقيدا في المحافظات الجنوبية التي تحكم الأحزاب الدينية الشيعية السيطرة عليها، خاصة وأن بعض حملة هذا النوع من الشهادات هم معممون أو ينتمون إلى أسر دينية معروفة، ومن يفكر بفتح هذا الملف يمكن أن تناله تهمة “البعثية” أو حتى “الداعشية”.

وتزداد المشكلة تعقيدا بسبب كون معظم هذه الشهادات المزورة قد تم إصدارها من إيران وخاصة في أيام المعارضة للنظام السابق، حيث كانت مقرا لمعظم الأحزاب التي تولت الحكم فيما بعد، وقد تم إصدار الكثير منها من جامعات ومعاهد وهمية أو غير معروفة، وشكلت في السنوات اللاحقة نوعا من الحصانة القوية لحامليها، تجمع بين “الأهلية العلمية” والنضال” كما يقول الصحفي “محمد عبد الحسين”، والذي يشير لـ”وكالة يقين” إلى أن النواب المزورين ينتمي أغلبهم إلى كتل قوية متنفذة ولا يستطيع أحد أن يتعرض لهم، ويضرب مثلا بالنائبين في ائتلاف دولة القانون “عدنان الشحماني” و”رياض غريب”، واللذين تربطهما علاقات قوية بفصائل مسلحة تجعل من العسير سحب الحصانة البرلمانية منهما، رغم أن لجنة التربية في مجلس النواب أعلنت أن ستتابع الموضوع من أجل اتخاذ إجراءات رسمية بحق النائبين إضافة إلى إسم النائب “مشعان الجبوري” الذي طرح معهما.

ويضيف “عبد الحسين” أن مجموع النواب المتهمين بتزوير شهاداتهم الدراسية هم 46 نائبا ينتمي أغلبهم إلى التحالف الوطني، وبعضهم زور شهادات إعدادية لأنه يشترط توفرها كحد أدنى للمرشحين في الإنتخابات وفقا للقانون العراقي، فيما زور البعض الآخر شهادات جامعية وماجستير ودكتوراه، ومعظم هذه الشهادات تعود إلى مؤسسات دراسية وهمية في إيران وسوريا، قالوا أنهم حصلوا عليها أيام معارضة النظام السابق.

ويستبعد “عبد الحسين” أن تتخذ بحق هؤلاء النواب أية إجراءات قانونية رغم أن المفوضية العليا للانتخابات أعلنت أنها ستتحرك قضائيا ضدهم تمهيدا لاستبدالهم، إلا أن الحصانة الدينية والمليشياوية التي يتمتعون بها تفوق البرلمانية، على حد قوله.

إحصاءات وإجراءات

وبالرغم من أن مجلس النواب العراقي قد ناقش هذا الموضوع عدة مرات، إلا أنه لم يتم التوافق حتى الآن على صيغة يخرج بها قانون يعالج قضية الشهادات المزورة، كما ثار لغط كبير حول فقرة العفو عن المزورين في قانون “العفو العام” وساندت مطلب العفو عنهم كتل سياسية من بينها ائتلاف دولة القانون وغيره، وقد أعلنت السلطة القضائية في كانون الثاني 2016 آليات شمول المتهمين بالتزوير في قانون العفو العام، مؤكدة عدم شمول من زور شهادته الدراسية للحصول على وظيفة بدرجة مدير عام فما فوق، فيما لفتت الى أحقية المتضررين بالمطالبة بالتعويض بسبب الأضرار التي سببها الموظف المزور، وهو ما يعني أن من هم دون درجة مدير عام غير مشمولون بهذا القانون، ولن تتخذ بحقهم أية إجراءات قانونية أو قضائية.

وعبر سنوات حذرت منظمات محلية ودولية من خطورة تنامي هذه الممارسات وتأثيرها على الوضع التعليمي والعمل في مؤسسات الدولة، فقد أظهرت إحصائية لمنظمة التعليم العالمي الدولية نسب تزوير الشهادات في محافظات العراق خلال عامي 2007 – 2008، واحتلت فيها محافظة البصرة المركز الأول بواقع تزوير نسبته 19% تلتها بغداد بفارق نصف درجة، وكانت أقل المحافظات نسبة هي محافظة المثنى التي بلغت نسبتها 2%، ولم يشمل التقرير المحافظات الثلاث في إقليم كردستان العراق.

كما أن وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق “عبد ذياب العجيلي” قد صرح في 22/2/2009 أنه تم رصد 1393 شهادة مزورة للعام الدراسي 2006-2007، و1374 للعام الدراسي 2007- 2008- و75 للعام 2008-2009، منوها إلى أن العمل يتواصل لتدقيق شهادات الطلبة وكشف حالات التزوير والتلاعب فيها، ووفقا لتصريح الوزير السابق فإن الحصة الأكبر من الشهادات المزورة المكتشفة كانت من نصيب الجامعة المستنصرية ببغداد وبواقع 228 شهادة.

أما هيئة النزاهة فقد أعلنت قبل انتخابات مجالس المحافظات السابقة في 2009 أنها شكلت 14 فرقة من المحققين والتحريين للتحقق من صحة صدور الشهادات والوثائق الدراسية المقدمة من المرشحين للانتخابات، ثم أعلنت عن رصد حالات تزوير شهادات قام بها مرشحون في انتخابات مجالس المحافظات ودوائر الدولة، بلغ عددهم عام 2010 نحو 6031 متهم، من بينهم 250 موظف بدرجة مدير عام فأعلى حيث أصدرت الهيئة 3329 أمر قبض و 2702 أمر استقدام بحقهم.

وأصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في 30/3/2009 قرارا بتشكيل لجنة لتدقيق الشهادات الدراسية للحد من هذه الظاهرة واتخاذ الإجراءات اللازمة لقيام الجامعات والمعاهد العراقية بنشر أسماء خريجيها على مواقعها الالكترونية ابتداء من سنة 1990 فصاعدا للتثبت من صحة صدور الشهادات الدراسية عنها، كما أصدر ديوان الرقابة المالية لسنة 2008 إحصاءا كشف من خلاله وجود أكثر من ألف شهادة مزورة في مديرية واحدة تابعة لوزارة التربية.

إتهامات لوزراة التربية

ويتهم البعض وزارة التربية بالخضوع لإرادات سياسية تمنعهم من اتخاذ إجراءات بحق المزورين هؤلاء، إلا الناطق باسم الوزارة “إبراهيم السبتي” يقول لـ”وكالة يقين” أن وزارته لا يمكن أن تتساهل أبدا في قبول أي شهادة مزورة حتى لو كان حاملها مسؤولا أو صاحب نفوذ في الدولة، ويضيف أنهم يتجاوبون مع الطلبات التي تردهم والشكاوى ولا يترددون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق هؤلاء المزورين، و”سبق وأن قامت الوزارة بإسقاط الكثير من هذه الشهادات وقدمت المخالفين للمحاكمة وفقا لأحكام القانون”.

وردا على تهمة خضوع الوزارة لسياسة المحاصصة الحزبية وتأثير ذلك على اتخاذ القرار فيها؛ ينفي السبتي هذا الإتهام ويقول بأن العمل في الوزارة يعتمد على الكفاءة والتحصيل الدراسي، وهي تضم كافة ألوان الطيف العراقي، على حد قوله.

لكن مواطنين اتهموا الوزارة في السنوات الماضية بممارسة سياسة طائفية في عملية تصحيح الأوراق الإمتحانية وهو تزوير من نوع آخر، حيث يشتكي سكان المناطق السنية في بغداد من تعرض أبنائهم الذين يحملون أسماء الصحابة وخاصة (بكر، عمر، عثمان، سفيان، عائشة وغيرها) إلى “ترسيب” إجباري، وغالبا من يحصل الذين يحملون هذه الأسماء على درجات منخفضة حتى لو كانوا من المتفوقين دراسيا.

ويقول “عمر الجبوري” لـ”وكالة يقين” وهو من سكان منطقة الدورة جنوب غربي بغداد أنه للسنة الثالثة على التوالي كان يحصل على معدل قليل في امتحانات الشهادة الثانوية رغم أنه متفوق دراسيا ويذاكر دروسه بشكل ممتاز. ويضيف أنه بعد كل امتحان كان يقارن إجاباته بالإجابة النموذجية فيتصور أن سيحصل على مركز متقدم في “السادس علمي” لكنه يفاجأ كل عام بمعدل منخفض، ويؤكد الجبوري أنه منذ أن أصبح تصحيح الإمتحانات مركزيا أصبحت هذه المشكلة هاجسا يؤرق الطلبة في المناطق السنية، في حين أن طلبة بعض المناطق الأخرى يحصلون على درجات مرتفعة، رغم أن كثيرا منهم غير ملتحقين بالدراسة أصلا.

شهادات من “مريدي”!!

ولم يعد سرا أن عمليات التزوير هذه تتم من قبل سماسرة معروفين ومكاتب تقدم خدماتها بمبالغ مختلفة بحسب نوع الشهادة، وتتواجد أغلب هذه المكاتب في سوق مريدي بمدينة الصدر شرقي بغداد، والذي يشتهر محليا بكونه المركز الأول والأخطر للتزوير منذ أيام النظام السابق، حيث تقوم عصابات التزوير بمنح أي شخص الشهادة التي يريدها وبأختام تشبه الأصلية بحسب المبلغ الذي يدفعه، ويقول (ك . ع) لـ”وكالة يقين”  وهو شخص كان يعمل في مجال التزوير ثم تركه أنه هذه العصابات تقدم كل ما يرغب فيه الشخص الراغب بذلك من شهادات دراسية وأوراق ومستمسكات رسمية، ويقصدها الكثير من الأشخاص بغرض استخراج هذه الوثائق المزورة.

ويضيف “المزور السابق” أن الأسعار تتفاوت بحسب الوثيقة المستخرجة بحسب التخصص الذي يرغب فيه الشخص، ويقصده سياسيون وأشخاص عاديون رغبة منهم في استخراج ما يشاءون من شهادات وعقود وأوراق رسمية أو غير رسمية.

وقد أصبح السوق “ماركة” محلية وعربية للتزوير، بعد أن تم تداول اسمه في المسلسل المصري “فرقة ناجي عطا الله” عام 2012، ومكاتب التزوير فيه محمية من قبل مسلحين يرتبطون بمليشيات شيعية، لذا تبدو الحكومة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لإغلاق هذه المكاتب أو تحجيم دورها على الأقل، هذا إذا كانت تريد ذلك فعلا.

عقوبات قانونية

ويرتب القانون العراقي على جريمة التزوير عدة عقوبات، لكنه على يبدو أصبح معطلا منذ عام 2003 على حد قول المحامي “يوسف رحيم”، والذي يشير إلى أن القانون العراقي يتعامل مع تزوير الأوراق الرسمية في المادة (291) من قانون العقوبات رقم (111) لعام 1969 ويعتبرها جريمة يستحق مرتكبها العقاب المتمثل بالعزل من منصبه واستعادة كافة الرواتب والمبالغ التي صرفت له من تاريخ إعادة تعيينه الى تاريخ عزله، ثم السجن مدة لا تزيد على خمسة عشر عاما، للشخص المزور ومن يستخدم المستند المزور مع علمه بتزويره، كما جاء في المادة (289) من قانون العقوبات العراقي.

لكن هذه العقوبة تم تعطيلها وغالبا ما تخضع للمساومات السياسية والحزبية، كما أن المؤسسة القضائية متمثلة في (مجلس القضاء الأعلى) تخضع هي الأخرى لصفقات السياسة، حيث أن من يتولون زمام الأمور فيها هم تابعون لجهات حزبية وسياسية وعلى رأسها ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وفق ما يقول المحامي.

وتبدو مشكلة الشهادات المزورة التي يحملها ساسة عراقيون عصية على الحل في المدى المنظور على أقل تقدير، وهي تشبه حقل ألغام كبير قد يذهب ضحيته كل من يفكر بالخوص فيه دون إسناد سياسي قوي، تمتلكه في الغالب جهات تمارس التزوير وتحمي ممارسيه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات