الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » تحقيقات »

المنافذ الحدودية في العراق.. واجهة أخرى للسرقة والفساد المالي

المنافذ الحدودية في العراق.. واجهة أخرى للسرقة والفساد المالي

تتعدد أوجه وأبواب الفساد في العراق، حيث تساعد بنية النظام الحالي الذي أقيم بعد عام 2003 على تغلغل الفساد وتوطنه في مؤسسات الدولة، مع غياب الرقابة الحكومية أو ضعفها وعدم قدرة الموظفين الأمناء على منع صفقات الفساد أو الرشى الصغيرة والكبيرة، لأن ذلك قد يكلفهم الكثير من العداوة والإقصاء وربما الاستهداف الشخصي، وتعد المنافذ الحدودية العراقية إحدى أبواب الفساد الكبيرة بحسب التقارير الحكومية والمستقلة، وأدت خلال السنوات الماضية إلى ظهور طبقة من “الأثرياء الجدد” من الضباط والجنود والموظفين، الذين استغلوا مناصبهم وتواجدهم في هذه الأماكن الحساسة للحصول على أموال طائلة ورشى كبيرة، مقابل إدخال بضائع فاسدة أو ممنوعة قانوناً، أو التساهل مع بعض الشركات التي تدفع لهم الأموال مقابل تسهيلات يحصلون عليها.

ووفقا للأرقام الرسمية التي كشفت عنها اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، واطلعت عليها “وكالة يقين” ؛ فإن العراق يخسر ثمانية مليارات دولار سنويا من الموازنة العامة بسبب حالات الابتزاز وإدخال البضائع بشكل غير رسمي عبر المنافذ الحدودية، وتقول عضو اللجنة “ماجدة التميمي” لـ “وكالة يقين”  إن العراق يتكبد سنويا أكثر من ثمانية مليارات دولار كخسائر بسبب عمليات الفساد وابتزاز التجار وتهريب البضائع بالتواطؤ مع بعض الموظفين الفاسدين، الذين أصبحوا أثرياء من خلال عملهم في هذه الأماكن.

وتضيف النائبة أن الكثير من البضائع الممنوعة قانونيا والمحرمة دوليا تدخل إلى البلاد من خلال شراء ذمم بعض الموظفين العاملين هناك، مثل المخدرات التي أصبحت تمثل آفة مستشرية في المجتمع، كما أن بعض الموظفين يقدمون على تعطيل أجهزة السونار واعتماد الحساب اليدوي لتمرير بعض البضائع والتلاعب في الحسابات، ورغم تشكيل لجنة للتحقيق في هذه الاتهامات إلا ان بعض الكتل السياسية “المستفيدة” من الوضع تحاول عرقلة عمل اللجنة وتسويف التحقيق من أجل عدم كشف الحقائق أمام الرأي العام العراقي، على حد قولها.

ما هي هذه المنافذ

وتتعدد المنافذ الحدودية للعراق على امتداد حدوده مع الدول الستة المحيطة به، ويبلغ عدد هذه المنافذ 22 منفذا بريا وبحريا، هذا عدا عن المنافذ الجوية المتمثلة بالمطارات، أو التي تقع داخل الحدود العراقية وتستقبل بانتظام البضائع التي تفد من دول مجاورة، ومن مجموع هذه المنافذ فإن تسعة منها فقط هي التي تعمل بسبب ظروف الحرب التي تمر بها البلاد من سنوات.

وترتفع المدخولات المالية لهذه المنافذ وتنخفض باستمرار تبعا لمستوى العلاقة مع دول الجوار وما يرتبط بها من أزمات، أو تأثرا بالمواسم التي تزيد فيها بعض البضائع أو تنقص، وبحسب أرقام الهيئة العامة للكمارك التابعة لوزارة المالية العراقية؛ فإن إجمالي إيرادات الهيئة لشهر شباط الماضي في 2017 ارتفعت إلى 101 مليار و838 مليون دينار، مقارنة مع 44 مليارا و538 مليون دينار في الشهر نفسه من العام الماضي، بإجمالي زيادة في الإيرادات بلغت 57 مليارا و300 مليون دينار، أما في شهر نيسان الفائت فقد بلغت إيراداتها 38 مليار دينار عراقي، هذا عدا عن المنافذ البحرية ومنافذ إقليم كردستان، مما يعني أنها يمكن أن تساهم بشكل فعال في إنعاش الميزانية العراقية كما يقول الخبير الإقتصادي “سعد العنبكي” لـ “وكالة يقين”، والذي يؤكد أن هذه المنافذ العراقية تشهد مخالفات قانونية كثيرة مما جعل مساهمتها تنخفض في الميزانية الحكومية، مقابل عائدات النفط التي تهيمن على العائدات بنسبة 97 % من حجم إيرادات الموازنة.

ويرى العنبكي أن اقتصاد العراق الريعي جعل الإعتماد على البضائع المستوردة رئيسيا، وغالبا ما تدخل إلى البلاد بضائع مهربة أو ممنوعة، هذا عدا عن السلع المعفية جمركيا، مما يؤدي إلى انخفاض العائدات المالية بسبب عدم الإلتزام بضوابط التعرفة الجمركية من قبل المسؤولين في المنافذ٬ وهو ما ينبغي تداركه خاصة وأن العراق يمر بأزمة مالية حادة.

وثمة مشاكل أخرى تعاني منها المنافذ الحدودية ولها ارتباط بشكل مباشر أو غير مباشر بالفساد المالي والإداري كما يعتقد العنبكي، حيث “تغيب المخازن الحديثة المبردة ومحطات الإستراحة المناسبة، فيما يستمر إهدار الأموال في مشاريع عبثية لا تقدم شيئا للاقتصاد العراقي سوى المزيد من الفساد والتدهور في الخدمات”.

 

 

البضائع المهربة

وتتنوع البضائع التي تدخل عن طريق هذه المنافذ ما بين المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية والأدوية والمستلزمات الطبية وسلع أخرى، بالإضافة إلى البضائع غير القانونية، وقد تعود التجار أن يقيموا علاقات جيدة ببعض الضباط والمتنفذين هناك، من أجل تسهيل مرور بضائعهم وإعفائها من الرسوم المالية أو تخفيضها مقابل رشى كبيرة تدفع لهم، ويحكي سلام عبد الحسين لوكالة يقين وهو تاجر من أهالي البصرة يقوم باستيراد المواد الغذائية من الكويت عن طريق منفذ سفوان عن المتاعب التي لا تنتهي بالنسبة للذين يرفضون دفع الاموال و”الإتاوات” للمسؤولين على الحدود، مما يدفعهم في النهاية إلى الرضوخ للأمر الواقع ودفع “المقسوم” على حد قوله، ويضيف بأنه عاني في بداية ممارسته للاستيراد من الكويت من تعنت وتضييق هؤلاء المسؤولين لأنه كان يريد أن تتم عملية إدخال البضاعة بشكل قانوني دون دفع رشى، فواجه الكثير من المشاكل والعراقيل، وخسر مبالغ كبيرة بسبب رفض بعض الضباط إدخال السلع التي استوردها، فبقيت في الشمس والحر عدة مرات إلى أن تلفت، ويختم كلامه بأنه القوانين والمسؤولين في العراق يدفعون المواطن ليخالف القانون ويتحايل عليه بالإكراه، ولا مكان للنزيه في هذه المهنة إلا ما ندر.

وغالبا ما يتم تقسيم العمل في هذه المنافذ بين الضباط والمسؤولين الكبار، فلكل نوع من البضاعة مسؤولون عنه، يفاوضون التجار ويساومونهم مقابل السماح لهم بإدخالها، لكن مكمن الخطورة الأكبر في الموضوع هو في البضائع المحرمة قانونيا كالمخدرات والأدوية الفاسدة والسلع منتهية الصلاحية، وهو ما يعرض حياة المواطن العراقي للخطر، حيث تقوم وزارة الداخلية المسؤولة عن هذه الدوائر كل فترة وأخرى بجولات تفتيشية عليها، لتكتشف ممنوعات يتم إدخالها واستقبالها من قبل بعض التجار بالتنسيق مع المسؤولين.

 

وكر الدبابير

ولا تبدو مهمة القضاء على هذا النوع من الفساد سهلة أو ممكنة في ظل وجود عصابات أمنية ومليشياوية تشرف على عمليات التهريب وتحمي من يقومون بها بقوة القانون أو السلاح، وفي البصرة حيث تجري عمليات التهريب الأكبر تتقاسم الأحزاب الكبيرة وميليشياتها السيادة على هذه المنافذ وتتحكم في البضائع الداخلة والخارجة، حيث يتخصص حزب الفضيلة في تهريب النفط إلى خارج العراق عن طريق سيطرته على “قوة حماية النفط” الحكومية، فيما تتنفذ ميليشيا “حزب الله” في شرطة الجمارك، أما المجلس الأعلى والتيار الصدري فيسيطران على الشرطة المحلية وحماية المنشآت، وجميع المؤسسات الحكومية السابقة هي ضالعة في عمليات التهريب بشكل أو بآخر.

أما المجلس الأعلى بزعامة “عمار الحكيم” فتوجه إليه اتهامات بالإشراف على عمليات تهريب المخدرات من إيران، عبر المنافذ الحدودية في البصرة وديالى، وتشرف بعض الأحزاب والمليشيات على تهريب سلع أخرى من بينها الخمور والمواد الغذائية منتهية الصلاحية وغيرها.

وبرغم وجود عشرات الدلائل والإعترافات بضلوع الأحزاب والميليشيات الشيعية في عمليات التهريب؛ إلا أن الجميع يبدو عاجزا عن مواجهتها أو تقديمها للقضاء، لما تمتلكه من نفوذ كبير في الأجهزة الأمنية والمؤسسة القضائية، وهو ما يشكل خطرا كبيرا على أي شخص يقدم على فتح هذه الملفات الشائكة.

وبحسب كلام الضابط في شرطة الحدود (ر. ك) لـ“وكالة يقين”  فإن هناك تنسيقا ضمنيا بين هذه الأحزاب والمليشيات للضرب بيد من حديد على كل من يحاول كشف هذه الملفات أو عرضها أمام الرأي العام، ويروي الضابط قصص عدد من الضباط الذين تم نقلهم إلى أماكن اخرى لمحاولتهم الوقوف في وجه هذه الممارسات غير القانونية، كما تعرض البعض إلى تهديد مباشر بالقتل إذا حاول التحدث أو إثارة هذا الموضوع، وهو ما يدفع بالكثيرين ليلوذوا بالصمت خوفا على حياتهم وأسرهم.

ويؤكد الضابط أن عملية اغتيال محافظ البصرة السابق محمد مصبح الوائلي كانت بسبب خلافاته مع شركائه في الأحزاب الشيعية حول حصة حزب الفضيلة من النفط ومحاولته الإستئثار بالنصيب الأكبر، وهو ما دفع منافسيه وخصومه إلى اغتياله عام 2012.

لجان وتحقيقات

وبسبب كثرة الشكاوى الواردة من هذه المنافذ، والتقارير التي ترفع إلى أجهزة الحكومة حول حجم الفساد والثروات الطائلة التي أصبح يتحكم فيها مسؤولون وضباط يعملون فيها؛ فقد قررت الحكومة تشكيل هيئة لإدارة المنافذ من المفترض أن تضم ممثلين عن كل محافظة في العراق، ومندوبون من وزارات الخارجية والداخلية لوضع حد لعمليات الفساد المتفاقمة، كما يقول الناطق باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي، والذي يشير إلى أن هذه المنافذ يفترض بها أن تحقق ثلاثة تريليونات دينار عراقي أو ما يعادل 2.4 مليار دولار في العام الواحد، ولكن مجموع ما حققته خلال العام الأخير كان تريليون دينار فقط بسبب الفساد المستشري.

لكن اللجنة الاقتصادية البرلمانية ترى أن هذه الإجراءات لن تكون ذات جدوى كبيرة ما لم يقرّ “قانون المنافذ الحدودية” والذي سيزيد من واردات الدولة إذا ما تم تطبيقه بحذافيره وفقراته والتي تتضمن محاربة الفساد المالي والإداري في هذه الأماكن.

ويقول عضو اللجنة “جبار العبادي” لـ “وكالة يقين” إن إدارة بريمر عطلت العمل بقانون “التعرفة الجمركية” والذي كان يجري به العمل سابقا، واستمر هذا التعطيل حتى عام 2015، وقامت خلال هذه الفترة بتطبيق ضريبة تعرفة بـ”إعمار العراق”، وتبلغ  5% من قيمة البضائع.

ويعتبر العبادي أن ما يجري من عمليات فساد مالي في هذه المنافذ هو جزء من خطة تستهدف تقويض الإقتصاد العراقي وإضعاف الدولة، وجزء من المسؤولية تتحملها السلطة التنفيذية باعتبارها مطالبة باتخاذ المزيد من الإجراءات لوقف ما يجري من “مهازل” هناك، على حد قوله.

بإشراف المليشيات

ورغم حجم الإدانات من كافة الأطراف السياسية لعمليات الفساد والتهريب التي تجري في المنافذ الحدودية إلا أن الكثير من العراقيين يتهمون هذه الأطراف بالمشاركة في ما يجري هناك، عن طريق ممثليهم ومندوبيهم والميليشيات التابعة لهم، ويتحدث سكان القرى المحاذية لإيران في ديالى عن دخول مئات الشاحنات يوميا دون أن يعرف أحد ماذا تحمل وإلى أين تتجه، وفي حديث لـ “وكالة يقين” يقول أبو حازم وهو من سكان إحدى قرى منطقة مندلي في ديالى أن سكان قريته يشاهدون يوميا عشرات الشاحنات التي تدخل من الحدود الإيرانية برفقة مسلحين من مليشيات تخاف منها حتى القوات الأمنية ولا تجرؤ على إيقافها وتفتيشها، ويضيف أن المنافذ الحدودية في ديالى تشرف عليها مليشيات منظمة بدر والمجلس الأعلى بالدرجة الأولى، وهي تقوم بانتقاء من يعملون فيها على أسس طائفية ووفقا لشروط صارمة، حتى يضمنون استمرار عملهم دون إزعاج أو مشاكل، على حد وصفه.

ولا يبدو أن مشكلة الفساد في هذه المنشآت الإقتصادية الحيوية سيتم حلها قريبا وفقا لأغلب المراقبين، فيما يستمر هدر الأموال العراقية بالتزامن مع تصاعد نسب الفقر والبطالة في أحد أغنى بلدان العالم.

 

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات