الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » تحقيقات »

بغداد.. مساجد ترعى فيها المواشي واخرى تتحول لمكب نفايات

بغداد.. مساجد ترعى فيها المواشي واخرى تتحول لمكب نفايات

يعتصر الألم قلب أبي علاء الجبوري في صباح كل يوم وهو يمر بجانب مسجد خضير الجنابي في منطقة البياع “جنوب غرب بغداد”، ويشاهد أكوام القمامة تحيط به وأصحاب المواشي يرعون بداخلها من دون أن يتجرأ على فعل شيء أو الاعتراض ولو بكلمة؛ لأن عاقبة من يتدخل لتغيير الوضع القائم هو الموت، أو التهجير، وربما السجن بتهمة التعاطف مع رمز إرهابي.

الجبوري أفاد لوكالة يقين بما كان شاهد عيان عليه من هجوم مشترك قامت به سرية من جيش المهدي ووحدة من القوات الحكومية، في إحدى ليالي شهر حزيران من عام 2007، واستمر لساعتين تخلله إطلاق النار داخل المسجد الخالي من المصلين أو الحراس، ومصادرة كل الأثاث الموجود في الحرم ومسكن شيخ المسجد وغرفة الحراس وانتهى بإشعال النار فيه والانسحاب بشكل سلس؛ برغم تواجد وحدة من جيش الاحتلال الأمريكي على مقربة من موقع المسجد.

مشهد يومي 

ويبين الجبوري لــــ “وكالة يقين” إن المهاجمين لم يكتفوا بهذا الفعل فقط ، وقاموا بعد أقل من شهر بدعوة سكان منطقة شارع 5 في البياع إلى إلقاء نفاياتهم داخل ساحة المسجد ، متابعًا أن مجموعة من جيش المهدي تستقل سيارة مزودة بمكبرات الصوت دعت الأهالي إلى تجميع نفاياتهم داخل جامع خضير الجنابي محطة أولى قبل رفعها بواسطة سيارات النفايات التابعة لبلدية منطقة البياع.

ويضيف أن فعل رمي القامة المشين يحصل يوميًا وتحت أنظار المسؤولين في المجلس البلدي وقيادات الشرطة والجيش ووجهاء المنطقة من دون أن يتحرك أحد لمنعها ، أو تأتي وسيلة إعلامية لتوثيق ونشر هذا الفعل المخزي والحاصل في بلد يتقاسم حكمه مجموعة من الأحزاب التي تدعي الإسلام.

ولفت إلى أن أسلوب تجميع القمامة تكرر مع جامع آخر وهو (الكوثر) في منطقة البياع الثالثة بعد أن تم اغتيال اثنين من خطبائه وهما الشيخان “محمد جدوع” و “علي العبيدي” الذي شهدت جنازته حادثة إطلاق نار من قبل جيش المهدي أودت بحياة أربعة من المشيعين، واختطاف ثلاثة آخرين عثر على جثثهم لاحقًا قرب محطة مجاري البياع.

مواشي في أقدم مساجد الحرية

وتختلف التفاصيل بشكل بسيط في جامع الأولى بمنطقة الحرية “غربي بغداد” حيث جرى التعامل بشكل متسلسل منذ اعتقال خطيبه “عدنان المشهداني” وبعدها تم إيقاف الصلاة فيه بعد استهدافه بقذائف الهاون، وصولًا إلى تفجيره بشكل كامل من قبل عناصر جيش المهدي وتحويله لاحقًا إلى مكان لرعي المواشي التي تقتات على بقايا النفايات المتجمعة على أنقاض المسجد، بحسب ما أفاد به لوكالة يقين، “نعمة المشهداني” وهو احد المصلين القدماء في المسجد.

المشهداني البالغ من العمر 65 عامًا والساكن حاليًا في أربيل “شمال العراق” أوضح لــــ “وكالة يقين”  إن جامع الأولى هو واحد من المساجد القديمة في غرب العاصمة بغداد ويعود تاريخ تشييده إلى  بداية ستينات القرن الماضي ويحمل مكانة رمزية كبيرة لدى سكان منطقة الحرية ، مبينًا أن محاولات كثيرة جرت لإعادة بنائه من جديد، ولكنها توقفت نهائيًا بعد اختطاف المهندس “نزار الدليمي” المسؤول عن استحصال الموافقات الرسمية للبناء، وعُثِرَ على جثته فيما بعد، وبدت آثار التعذيب واضحة عليها ، ويشير المشهداني إلى أن جامع الأولى هو واحد من 12 مسجدًا في منطقة الحرية، وجميعها مغلقة ولم تشهد إقامة أي صلاة أو رفعًا للأذان منذ 10سنوات؛ برغم مئات الخطابات الرسمية من المسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الوزراء عن الوحدة الوطنية بين مكونات الشعب العراقي ، مطالبًا كل من يتحدث بهذا الأمر أن يذهب لمشاهدة قطعان الأغنام وهي ترعى في بيوت الله في منطقة الحرية.

مصدر : 74 مسجد مغلق في بغداد

محاولات عديدة قام بها مُعِدُّ التحقيق للحصول على تصريح رسمي من ديوان الوقف السني بهذا الخصوص، ولكنها باءت جميعًا بالفشل لرفضهم الحديث، غير أن مصدرًا في الدائرة القانونية بالوقف وافق على الحديث بشرط عدم ذكر اسمه “لكونه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام” وابتدأ من عدد المساجد المستولى عليها من قبل الميليشيات في عموم المحافظات، والبالغ عددها 193 مسجدًا يوجد منها 74 في بغداد وحدها .

المصدر المعني بمتابعة الأوضاع القانونية لهذه المساجد أوضح لـــ “وكالة يقين”  أن هذه المساجد تنقسم إلى مجموعة مغلقة ومهجورة، وأخرى مهدمة بالكامل أو جزئيًا، وقسم ثالث من هذه المساجد وهي التي تتخذها القوات الحكومية (جيش وشرطة اتحادية) مقرات لها، وهي جميعًا خارج سيطرة ديوان الوقف السني حاليًا .

وتابع المصدر القانوني أن أعداد المساجد المغلقة تتباين من منطقة إلى أخرى في بغداد، فهناك مناطق تم إغلاق مساجدها بالكامل، مثل حي الشعب، وفيه 16 مسجدًا مقفلًا وحي الصدر، ويحتوي على 10 مساجد مغلقة، وحي الحرية ، وفيه 12 مسجدًا مغلقًا، ومناطق أخرى تحتوي على مسجد واحد مفتوح من أصل مساجد عديدة، ومنها أحياء البياع والجهاد والأمين وبغداد الجديدة.

و أقر المصدر العامل في ديوان الوقف السني بتعقيد هذا الملف وصعوبته، ولكنه يعود للتأكيد بأنهم مستمرون في العمل به؛ وبالرغم من المخاطر الكبيرة التي تتعرض لها كوادرهم؛ جراء مراجعة مواقع تلك المساجد من اجل الكشف عليها وكتابة تقارير أولية عنها ، مبينًا أن هناك موظفين تم قتلهم ، وآخرين اخْتُطِفوا وعُذِّبوا من زملاء له في الدائرة القانونية؛ لأنهم كانوا يقومون بواجباتهم .

هيئة علماء المسلمين : المشهد يذكرنا بأفعال التتار

يُحَمِّل مسؤول قسم الثقافة والإعلام في هيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور “عبد الحميد العاني” عدة جهات مسؤولية غلق المساجد ، موضحًا أن الأمر لا يتوقف عند حدود الميليشيات الطائفية وأحزابها التي باشرت إغلاق المساجد أو استولت عليها ، بل إن المسؤولية تقع بالدرجة الأساس على الحكومة فهي ما بين العجز عن استعادة هذه المساجد لواقفيها والقائمين عليها ، والعجز عن حماية المصلين فيها.

الدكتور العاني قال لــــ “وكالة يقين”  إن جميع الجهات الرسمية وشبه الرسمية لم تتعامل مع هذا الملف كما ينبغي سواء الأجهزة الحكومية بمختلف أنواعها، أو الوقف السني المسؤول عن إدارة الأوقاف الإسلامية بما فيها المساجد ، فهؤلاء جميعا ما بين تقصير متعمد أو تجاهل، وبين انحياز للميليشيات المسؤولة عن الإغلاق ، مضيفا انه كان للعديد من الجهات الحكومية دور في التآمر على المساجد ، كما أن الكثير من مسؤولي الأجهزة الأمنية متواطئون مع الميليشيات في عملية الإغلاق أو الاستيلاء على تلك المساجد؛ لأنه معلوم أن العديد من الميليشيات هي جزء من القوات الحكومية.

وبخصوص تحويل المساجد إلى مكبات قمامة، وأماكن رعي للمواشي؛ يشدد العاني على أن هذه الأحداث تذكرنا بما فعله أعداء الإسلام عند استيلائهم على الحواضر الإسلامية ومدنها، فقد كنا نقرأ في التاريخ عن حوادث مشابهة بما يجري اليوم للمساجد، حيث أغلقت المساجد، أو أحرقت، أو جعلت مكبًا للنفايات أو إسطبلات للخيول ونحوها، قرأنا ذلك في أحداث استيلاء التتار على بغداد، أو الصليبيين على القدس، أو في بلاد الأندلس، وكذلك ما فعله الصهاينة حديثا في اعتداءاتهم المتكررة على المسجد الأقصى، فجذور هذه الأفعال الحقد على الإسلام والمسلمين.

الاستيلاء أخطر من الحرق والتهديم

مع إقراره بأن منظر القمامة ورعي المواشي في المساجد المهجورة هي صورة             صادمة وبشعة؛ لكن الكاتب والمحلل “نوزاد صباح” يرى بأنها أقل ضررًا من انتزاع ملكية المساجد والمزارات التاريخية من الوقف السني وتحويلها إلى الوقف الشيعي ، وهو المصير الذي طال العديد من المساجد الأثرية والضخمة منها على وجه الخصوص .

ويوضح الكاتب صباح لـــ “وكالة يقين”  أن مرقد العسكريين في سامراء تم تحويله -وبقوة السلاح- إلى ملكية الوقف الشيعي، وكذلك مرقد سلمان الفارسي “جنوب بغداد”، وهي مزارات باتت تدر أموالًا ضخمة للوقف الشيعي والمرجعيات المشرفة عليها ، بينما يحمل جامع الآصفي في بغداد و الذي وضع الوقف الشيعي يده عليه دلالة تاريخية؛ لأن بناءه يعود إلى 400 سنة في وقت كان الموقع الجغرافي وضخامة البناء هي الأسباب التي دفعت حزب الفضيلة للاستيلاء على جامع الرحمن وسط العاصمة ورفض أي تفاوض عليه مع ديوان الوقف السني.

ويعرب المحلل الشاب عن اعتقاده بأن إغراق المكون السني بالمشاكل المتلاحقة والأزمات، وفي مقدمتها النزوح، ومنع العودة إلى المناطق الأصلية جعلت من مشكلة المساجد تحتل مرتبة ثانوية في اهتمامات المواطن السني، فضلًا عن تواطؤ بعض ممثليهم السياسيين والرسميين في هذا الملف، وخوف الآخرين من الخوض فيها أغرى الآخرين بالتطاول على أملاك الوقف السني ومصادرتها بشكل رسمي.

دور إيراني

من جهته يرى الخطيب السابق لجامع ملوكي في بغداد الشيخ “حسين عمير الدليمي” في تصريح لوكالة يقين ، أن ديوان الوقف السني عاجز عن إرجاع المساجد، وأنه يكتفي بالاستنكار والتنديد، في وقت كانت ملكية كثير من المساجد يتم تحويلها لصالح ديوان الوقف الشيعي ومن دون أي وجه حق .

الشيخ الدليمي اتهم إيران بدعم الميليشيات المسعورة؛ لتنفيذ مخطط يقوم على حرق بيوت الله وهدمها، وتحويلها إلى مكبات للقمامة، مشيرًا إلى أن جميع هذه الأفعال تتم على مرأى الحكومة الضعيفة، وغير القادرة على حماية مؤسساتها  ومنها المساجد .

ويطالب الدليمي الحكومة ، بأن تثبت مصداقية شعارات المصالحة الوطنية من خلال إعادة ملكية المساجد، وبنائها وتعميرها، ومنع الميليشيات السائبة عنها، مشددًا على أنه ومن دون هذه الخطوات فإن شعارات المصالحة وهتافاتها ستبقى أكاذيب وأباطيل لن تنطلي على أبناء الشعب العراقي بحسب تعبيره.

بالعودة إلى أبي علاء الجبوري الواقف على أطلال جامع الجنابي في البياع؛ فإن عبارة المصالحة الوطنية تثير لدية رغبة بالضحك والبكاء معًا، وهو ذات التناقض الذي قام به عناصر الميليشيات حين دعوا الأهالي للتقرب إلى الله بإلقاء نفاياتهم في مسجد يعود لمخالفيهم في المذهب.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات