الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » انتهاك حقوق المرأة في العراق »

زواج القاصرات .. صغيرات يحملن لقب "أرملة" أو "مطلقة"

زواج القاصرات ..  صغيرات يحملن لقب “أرملة” أو “مطلقة”

باءت بالفشل جولة البحث الجديدة التي يقوم بها “راضي عطية زوين” من اجل العثور على صهره المختفي منذ اربعة اشهر والذي لم يكمل مع زوجته سنة واحدة ، وسط أخبار متفرقة وغير مؤكدة عن سفره الى تركيا كمحطة أولى قبل هجرته الى بلد اوربي واستقراره هناك بانتظار الموافقة على طلب اللجوء.

زوين “61 عاماً” الساكن في منطقة المعامل شرق بغداد ، اضطر الى  الموافقة على زواج ابنته البالغة 12 عاماً تحت إلحاح وجهاء واقارب العريس الذين تكلموا كثيراً عن مصلحة ابنته واخلاق ولدهم وضرورة  تجاهل الشكليات الخاصة بالعمر والزواج داخل المحكمة ، وهي أفكار ندم كثيراً لأنه وافق عليها .

زوجة بدون حقوق

بصوت منكسر وحزين يبين الرجل الستيني لـــ “وكالة يقين” ان زواج الفتى المراهق من ابنته التي كانت في المرحلة الاخيرة من الدراسة لابتدائية جرى على يد شيخ معمم زودهم بورقة عقد يمكن تصديقها في المحكمة  لاحقاً ، مضيفاً انه لم يرتاب من الأمر لأن الطريقة واسعة الانتشار ومعمول بها وبشكل واسع وخصوصاً في المناطق الشعبية مثل حي المعامل.

ويتابع زوين أن اهل صهره وأقاربه رفضوا التعاون معه في مشكلته ونصحوه بانتظار عودة زوج ابنته وهو أمر تأكد تماماً من عدم حصوله بعد الاخبار المتكررة عن حياة اللهو والعبث التي يعيشها في فنلندا وامتناعه عن اي تواصل معهم ورفضه الاعتراف بالزواج الذي يحمد زوين الله لأنه  لم ينتج عنه اي أطفال .

في محكمة البياع غرب بغداد ، تواجه بسعاد جاسم الشمري مشكلة ذات تفاصيل مشابهة حيث قتل زوج ابنتها الوسطى قبل قيامة بتصديق عقد زواجه بشكل رسمي وهو ما يهدد ابنتها بالحرمان من اي حقوق  لها وحتى لقب “ارملة” الذي تسعى لتثبيته في بطاقة أحوالها المدنية .

توضح الشمري لــــ “وكالة يقين” ان ابنتها البالغة من العمر 13 سنة “في وقت الزواج” فقدت نسختها من عقد السيد ولم تعثر على نسخة زوجها من هذا العقد ولا تعرف طريقة للوصول الى الشيخ الذي قام بالعقد او الشهود الحاضرين في وقت إبرامه وهي جميعاً متطلبات تريدها المحكمة لإثبات صحة زواجها .

وتشير إلى ان زوج ابنتها تعلل بمشاغله الكثيرة وبصحة عقد السيد ولم يقم باي خطوة لتسجيله في المحكمة حتى وفاته بانفجار في منطقة الكرداة ببغداد تاركاً ورائه زوجة لم يقض معها أكثر من سنة واحدة وطفلة لا يتجاوز عمرها الشهرين ومعضلة معقدة تتمثل في إثبات هذا الزواج.

القانون يمنع الظاهرة

يؤكد المحامي “ياسين محسن الحياني” مشاهدته لعشرات القضايا المماثلة في محاكم العاصمة بغداد وجميعها تخص الفتيات القاصرات اللواتي يتزوجن خارج المحكمة وما يترتب على هذا الامر من مشاكل لا نهاية لها وخصوصاً حين ينكر احد الطرفين هذا الزواج او يتوفى الزوج او يختفي ، مبيناً ان المشكلة تزداد تعقيداً بوجود الاطفال .

المحامي الحياني شرح لــ”وكالة يقين” نص المادة العاشرة من قانون الاحوال الشخصية في العراق والتي تعاقب بالحبس فترة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد على سنة مع فرض غرامة مالية على كل رجل عقد زواجه خارج المحكمة ، مضيفاً ان المشرع في العراق عمل على وضع مثل هذه النصوص لمواجهة الزواج العرفي او ما يسمى “زواج الشيخ او السيد” وحث المواطنين على الزواج عبر المحاكم .

ويتابع الحياني ان المشرع في العراق تصدى لظاهرة زواج القاصرات عبر قانون رقم 188 لسنة 1959 والذي نص على سن البلوغ للفتاة يتراوح بين 15 و 18 سنة مع محاربة ظاهرة الاكراه والإجبار على الزواج حيث ينص على موافقة المرأة  كشرط أساسي للمضي في عقد الزواج.

ناشطة : 3000 قاصر تزوجن في سنة

الناشطة النسوية “سوزان رجب البياتي” أمضت فترة 10 اشهر في العمل على مشروع مشترك مع شبكة عراقيات ومنظمة حواء من اجل حصر ظاهرة زواج القاصرات عبر عينة شملت 1578 فتاة من محافظات (كربلاء والبصرة وبابل وديالى وصلاح الدين واجزاء من محافظة الانبار فضلاً عن العاصمة بغداد) واعتمدت على بيانات رسمية صادرة من مجلس القضاء الاعلى.

الناشطة البياتي عرضت على “وكالة يقين”  جزء من النتيجة النهائية التي توصلوا اليها  وضمت نسب وارقام مقلقة للغاية (بحسب تعبيرها) حيث توصلت الى نسبة 61% من الفتيات القاصرات انتهت حياتهن الزوجية بالطلاق وبدون الحصول على اي حقوق تذكر فيما بلغت نسبة الفتيات القاصرات اللواتي لم يدخلن المدرسة 65% من العينة التي شملتها الدراسة .

وتعتبر البياتي ان الارقام السالفة قليلة الاهمية مقارنةً برقم 3151 وهو عدد الطلبات المقدمة خلال سنة واحدة للمحاكم من اجل التصديق على عقود زواج جرت على أيدي رجال دين ، مضيفةً ان 93% من هذه الطلبات تخص فتيات قاصرات تزوجن خارج المحكمة وهن مهددات بضياع كامل حقوقهن الزوجية .

مخاطر جسدية ونفسية

في عيادتها بمنطقة الحارثية وسط بغداد تحدثت اخصائية النسائية والتوليد الدكتورة “شيرين العبدلي” عن مخاطر أخرى تحيط بزواج القاصرات بعيداً عن الحقوق والعقود الرسمية وهي الاثار الصحية والنفسية لهن وفي مقدمتها حالات الاجهاض والولادة المبكرة التي تسجل ارتفاعاً كبيراً لدى القاصرات مقارنةً بالنساء البالغات.

وتضيف العبدلي لـــ “وكالة يقين” ان الإصابة بارتفاع ضغط الدم وتشوهات منطقة الحوض والعمود الفقري والنزيف الحاد هي أعراض تتكرر لدى القاصرات المتزوجات بسبب حملهن المبكر ، مستدركة بأن المخاطر تطال الجنين الذي قد يولد بمشاكل صحية خطيرة مثل قصور الجهاز التنفسي ونقص النمو الجسدي والعقلي أو حتى التشوهات الخلقية الكبيرة .

وتحذر الدكتورة العبدلي من مخاطر نفسية تفوق الجسدية في الزواج المبكر وفي مقدمة هذه المخاطر الاصابة بالكأبة الحادة او الشخصية الهستيرية وهي ناجمة عن عدم إتاحة الوقت الكافي لعيش مرحلة الطفولة والحرمان المبكر من حنان الابوين وعدم إدراك طبيعة العلاقة الزوجية بالنسبة للقاصرات وكذلك ما يترتب على الزواج من حياة الشراكة وخدمة الزوج وهي جميعاً تفاصيل ربما يصعب على القاصر استيعابها ويجعلها فريسة سهلة لمشاكل نفسية خطيرة تدفع بالمصابة الى أفعال متهورة وغير محمودة العواقب .

كتلة الحكيم تتمسك بزواج القاصرات

وفي الوقت الذي تعمل عضو لجنة المرأة في البرلمان “رحاب العبودة” على الارتقاء بواقع حقوق المرأة في العراق فإنها تلقت وباستغراب كبير طلباً من كتلة المواطن التابعة للمجلس الاعلى بزعامة “عمار الحكيم” لتعديل قانون الاحوال الشخصية في العراق وبصيغة تسمح بتمرير زواج الفتيات وبعمر 9 سنوات.

وقالت العبودة في حديث لــ “وكالة يقين”  اننا في الوقت الذي نعمل جاهدين لمعالجة ظواهر مثل الزواج خارج المحكمة وزواج الفتيات القاصرات نفاجأ بمقترح لتعديل قانون الاحوال لا يحتوي اي تحديد للسن ويلزم المحكمة بتصديق العقود الشرعية والتي ستكون بهذه الحالة هي الأساس.

وأكدت العبودة معارضتهم في لجنة المرأة البرلمانية لهذا التعديل وذلك لاحتوائه على فقرات تختلف مع الدستور والمواثيق التي يلتزم بها البلد مع الأمم المتحدة، مشددةً على ان التعديل يتعارض في الاساس مع طموح لجنتها في النهوض بواقع المرأة والدفاع عنه.

الفقر والتقاليد وراء المشكلة

من جهتها تقر الباحثة الاجتماعية في وزارة العدل “سناء صبر اللامي” بأن الفقر هو العامل المشترك الأكثر تردداً في دوافع تزويج  القاصرات حين تلجأ العائلة الى تزويج فتياتها الصغار من رجال كبار جداً بالسن او متزوجين لأكثر من مرة أو ذوي أخلاق وسمعة سيئة وذلك للخلاص من نفقاتهن .

وتتابع اللامي في تصريح لـــ “وكالة يقين” ان عنصر الفقر هو الذي يجعل من زواج القاصرات منتشر بشكل اساسي في المناطق الشعبية التي تتشابه الظروف الاقتصادية السيئة لمعظم سكانها ، مضيفةً ان العادات والتقاليد القبلية تساهم في زيادة هذه الظاهرة داخل المجتمعات التي ترى في زواج الفتاة الصغير ضرورة واجبة وان بقائها في بيت ابيها يجلب له نوع من العار والشك في سلوك بناته .

وتمضي الباحثة الاجتماعية بالقول أن النسبة الأكبر من أزواج القاصرات هم من طبقة الاغنياء الذين تقدموا في العمر وربما يعجزون عن أداء الواجبات الزوجية ولكنهم ينظرون الى الزوجة الصغيرة والجميلة كجزء من ممتلكاتهم الثمينة والواسعة ، لافتة الى ان هولاء العجائز يتزوجون ويطلقون باستمرار ومثلما يفعلون مع سياراتهم وعقاراتهم .

وتلفت اللامي الى انه وعلى العكس من النظرة السائدة بأن الزواج المبكر هو ستر للفتاة والعائلة فإن تجربتها المستمرة في هذا المجال  تجد ان العدد الاكبر من المتزوجات في سن مبكرة انتهى بهن الحال مطلقات او حتى  ارامل وان عدد غير قليل منهن انحرفن عن السلوك القويم وانجرفن في علاقات محرمة بسبب الفترة القصيرة التي قضينها في الزواج وحرمانهن المبكر من الشريك ، مشددةً على ان متابعتها المستمرة لهذا الملف جعلها على يقين بأن هذه المشكلة باتت تمثل تهديداً حقيقاً لعموم المجتمع ولمؤسسة الاسرة على وجه الخصوص.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات