الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 |بغداد 35° C
yaqein.net
الرئيسية » التعليم في العراق »

الكليات والمعاهد غير المعترف بها.. سرطان ينهش جسد التعليم في العراق

الكليات والمعاهد غير المعترف بها.. سرطان ينهش جسد التعليم في العراق

يتردد “عباس محمد” البالغ من العمر أربعة وعشرين عاما مع أصدقائه على مقهى راق في منطقة شارع فلسطين ليقضوا عدة ساعات يوميا في تدخين النركيلة ولعب الورق، يقول عباس أنه تخرج من “الأكاديمية العليا للدراسات الإنسانية والعلمية” عام 2015 ولم يجد عملا حتى الآن، كما أنه لا يستطيع العمل في الدوائر الحكومية بشهادته لأنها غير معترف بها، إلا إذا تم تعيينه بواسطة يدفع فيها مبلغا لا يقل عن خمسة آلاف دولار في الوظائف العادية، ويزداد المبلغ كما زادت أهمية الوظيفة.

ويقول عباس لـ”وكالة يقين” أن حاله يمثل وضع آلاف الشباب العراقي الذي يدرسون في كليات ومعاهد غير معترف بها، رغم أن بعضها تتقاضى مبالغ باهظة ولكن بلا جدوى، على حد قوله.

ولا تقتصر حالة الفوضى التي يعيشها العراق منذ سنوات على مجالات الأمن والسياسة والفنون، بل تعدت ذلك إلى الجانب التعليمي، الذي يبدو أنه تعرض إلى قدر كبير وممنهج من التخريب لدوره الحيوي والمؤثر في بناء العقول وصناعة الوعي لدى الجمهور، وتتجلى حالة الفوضى التعليمية في كثرة عدد الجامعات الحكومية والأهلية في البلاد، والتي لا تتناسب أو لا يقابلها خطة حكومية لاستيعاب هؤلاء الخريجين وتوفير وظائف حكومية أو خاصة لهم، أو توظيف خبراتهم في بناء البلاد.

مصادر لجمع المال

ويتهم البعض الكليات والمعاهد غير المعترف بها بالضحك على ذقون الطلبة وإيهامهم بأن مؤسساتهم التعليمية معترف بها من قبل وزارة التعلم العالي من أجل اجتذابهم للدراسة فيها والحصول على المال، وتتفاوت أقساط هذه الكليات بحسب الاختصاصات، وتصل أقساط بعضها إلى أربعة ملايين دينار سنويا.

ويؤكد “فارس الدليمي” وهو طالب في “معهد حمورابي التدريبي” في حديث لوكالة يقين أن الهدف الرئيسي من إنشاء هذه المعاهد والكليات هو الرغبة بالكسب المادي، حيث تعد مصدرا لتمويل العديد من رجال الأعمال والسياسيين، ويقول أنه منذ التحاقه بهذا المعهد سمع وزملاؤه من الإدارة وعوداً بأن يتم الاعتراف بشهاداتهم قريبا، وظلوا ينتظرون هذا الاعتراف عاما بعد آخر ولم يحصل ولا يعتقد أنه سيحصل على ذلك الاعتراف، رغم أن المعهد مستمر باستقبال الطلبة الجدد كل عام.

ويلاحظ الكثيرون أن الكليات الأهلية بشكل عام وخاصة تلك المعترف بها قد أصبحت مرتعا لبعض السياسيين غير الحاصلين على شهادات جامعية، والذين يسجلون فيها للحصول على نوع من التقدير والمكانة الاجتماعية، كما يقول (م . ع) لـ”وكالة يقين” وهو أستاذ جامعي بكلية دجلة الاهلية والتي تقع بمنطقة السيدية في جانب الكرخ، ويضيف الأستاذ الذي طلب عدم الكشف عن اسمه أن هذه الكلية التابعة لرئيس المجلس الأعلى الإسلامي “عمار الحكيم” تستقبل باستمرار عددا من النواب وأعضاء مجالس المحافظات الذين لا يلتزمون بالدوام اليومي ويحضرون غالبا في أوقات الامتحانات، كما أن الكثير من أبنائهم وأقاربهم من الفاشلين دراسيا أصبحوا يرتادون هذه الكلية وغيرها من أجل الحصول على شهادات أو الارتباط بعلاقات صداقة مع بعض الفتيات الجميلات، مما جعل للكليات الأهلية سمعة سيئة في الأوساط التعليمية والمجتمع العراقي بشكل عام، بعد ان تحولت إلى “معارض” للأزياء والسيارات وأماكن لإقامة الحفلات الراقصة، وتجمعات لأبناء الطبقات الغنية والمترفة والتي تعيش في مجتمعات مغلقة، بمعزل عن الوضع العام والمشاكل التي يشهدها الشارع العراقي، وفقا لما يقول.

موقف الوزارة

وتلتزم وزارة التعليم العالي بقانون التعليم الأهلي رقم 13 والذي أقر سنة 1996 والمعدل بقانون رقم 57 لعام 2000، ورغم أنها تصدر كل فترة لائحة بالكليات والمعاهد غير المعترف بها؛ إلا أن الكثيرين يتهمونها بالتساهل مع هذه المؤسسات التعليمية وغض الطرف عنها، رغم أنها تسبب إشكالات كبيرة في الواقع التربوي والتعليمي في العراق، وتسهم في تخريج من مزيد من البطالة المقنعة.

ويقول الناطق باسم الوزارة “حيدر العبودي” لـ”وكالة يقين” إن وزارته تعلن باستمرار أسماء الجهات التي لا تعترف بشهاداتها من أجل تحذير المواطنين، وتطالبهم بالتأني والتأكد عبر موقعها وصفحتها على الفيس بوك عند التقديم إلى أي مؤسسة تعليمية كي لا يقعوا ضحية لخداعها، ويضيف أن وزير التعليم العالي طالب الجهات الأمنية والإدارية باتخاذ الإجراءات اللازمة لإغلاق هذه الكليات ومحاسبة المسؤولين عنها، ورفعت الوزارة خمس دعاوى على جامعات أهلية وفاتحت وزارة الداخلية ومجالس المحافظات والمحافظين من أجل إغلاق تلك الجامعات، و”هم في انتظار تنفيذ القانون بحقهم”.

وقد أعلنت الوزارة قبل فترة أسماء الكليات والمعاهد العاملة في الساحة والتي لا تحظى بالاعتراف الحكومي، وجاء في القائمة التي نشرتها الأسماء التالية:

1-جامعة الأكاديميين العرب.

2- كلية النخيل الهندسية.

3- المعهد العربي للمحاسبين القانونيين.

4-  المعهد العراقي العالي للإعلام والمعلوماتية.

5- معهد حمورابي التدريبي.

6- المعهد العربي للتدريب والبحوث الإحصائية.

7- معهد الحسين للدراسات العليا في بغداد والمحافظات.

8 –  معهد البحوث والدراسات العربية.

9 –  معهد الفارابي للدراسات العليا في بغداد والمحافظات.

10- معهد التاريخ العربي والتراث العلمي.

11- المعهد العربي العالي للدراسات في بغداد والمحافظات.

12- الأكاديمية العليا للدراسات الإنسانية والعلمية.

13- المعهد العربي العالي.

14- المعهد العراقي للدراسات العليا في بغداد والمحافظات.

15- معهد المنار للدراسات العليا في بغداد والمحافظات.

16- كليات ومعاهد أخرى أجنبية أو صغيرة.

ورغم هذه اللائحة والتحذيرات الرسمية إلا ان الكثير من هذه المؤسسات ما زالت تمارس دورها دون أن تغلق أو يتم محاسبة القائمين عليها، وما زال الكثيرون يشتكون من أنهم وقعوا ضحية لها ولـ”دعاياتها المضللة”.

تظاهرات ووقفات احتجاج

وقد شهدت بغداد ومدن أخرى على مدى السنوات الماضية عدة تظاهرات ووقفات احتجاج نظمها الطلبة الدارسون في هذه الكليات والمعاهد، طالبوا فيها وزارة التعليم العالي بالاعتراف بشهاداتهم أسوة ببقية الكليات الأهلية، وهو ما رفضته الوزارة واتهمت الطلاب بالانسياق وزراء إعلانات ودعايات وهمية، دون أن يستوثقوا من حقيقتها أو يراجعوا موقف الوزارة منها.

ورغم كثرة الإحتجاجات والرفض الطلابي لسياسات الوزارة تجاه هذه الكليات إلا أن المسؤولين لم يتخذوا قرارات لحل هذه المشكلة التي يتزايد عدد المتضررين منها باستمرار، ويقول عضو لجنة التعليم النيابية “محمد الشمر” لـ”وكالة يقين” أن الحكومة مطالبة بإنصاف هذه الشريحة المتزايدة من الطلبة، وحل مشكلتهم بشكل جذري إما بالإعتراف بهذه الكليات والمعاهد أو إغلاقها، مؤكدا أنهم كلجنة طالبوا بمنح مهلة عام واحد لهذه المؤسسات الأهلية من أجل تسوية أوضاعها القانونية، واستكمال الشروط التي وضعتها وزارة التعليم العالي، لكن كلا الطرفين لم يستجيبا، فلا الوزارة قامت باتخاذ الإجراءات القانونية تجاه هذه الكليات ولا القائمين عليها استوفوا الشروط المطلوبة، على حد قوله.

ويضيف الشمري أن بعض هذه الكليات تحولت إلى مؤسسات ربحية تقوم باستغلال الطلبة ماديا وأخذ الأموال منهم ثم تخدرهم بوعود لا أساس لها من الصحة، والضحية هم مئات الطلبة وربما أكثر في مختلف محافظات العراق.

وعود كاذبة

ويقول “عمر رائد” لـ”وكالة يقين” وهو طالب في جامعة الأكاديميين العرب الواقعة بمنطقة الوزيرية في الرصافة في حديث لوكالة يقين أنه تظاهر وزملاءه أكثر من مرة أمام وزارة التعليم العالي وطالبوا الوزارة بتحمل مسؤوليتها تجاههم كطلبة ضاعت من عمرهم عدة سنوات ومن أموالهم الملايين في الدراسة بمؤسسة كانوا يعتقدون أنها معترف بها رسميا، لكنهم تفاجؤوا بعد التحاقهم بها بفترة أنها غير مدرجة ضمن الجامعات التي تعترف الحكومة بشهاداتها، ويضيف عمر أن إدارة الجامعة كانت تؤكد لهم بين الحين والآخر أنها قد حصلت على إجازة الاعتراف وسيعلن ذلك قريبا، وأرتهم عدة مرات مخاطبات رسمية بينها وبين الوزارة ومن ضمنها وثائق تتعلق بالاعتراف، لكن شيئا من ذلك لم يحصل.

ويتساءل “مصطفى العبيدي” لـ”وكالة يقين” وهو زميل لعمر في الجامعة : أين كانت الحكومة خلال السنوات الماضية حين كنا ندفع أقساطها السنوية، ونداوم فيها بشكل يومي، لماذا لم تتدخل حينها وتمنع هذه “المهزلة” على حد قوله، ويتابع القول أن أبسط ما كان يمكن أن تقوم به الوزارة هو إغلاق هذه الجامعة، وتعويض طلابها من الذين تم الضحك عليهم، لكن الوزارة لم تتفاعل مع طلباتهم أبدا لا بالإعتراف ولا بالتعويض المادي والمعنوي حتى، وتركتهم يتظاهرون في الشارع أكثر من مرة دون أن تقوم بواجبها تجاههم، كما يرى.

معدلات ضعيفة

ومن أكثر الفئات التي تلتحق بهذه الجامعات هم أصحاب المعدلات الضعيفة، والذين لا تؤهلهم درجاتهم للدخول إلى الجامعات الحكومية، ومن هؤلاء كرار نادر وهو من سكان مدينة الصدر، يقول في حديث لـ”وكالة يقين” أن معدله في الثانوية العامة كان 53% ولم يستطع أن يلتحق بدراسة التخصص الذي كان يرغب فيه وهو الحاسوب، فاضطر للتقديم على كلية النخيل الهندسية ببغداد، رغم أنه سمع الكثير عن عدم الإعتراف بشهادتها لكن إدارتها قالت لهم منذ البداية أن الإعتراف الرسمي بها هو مسألة وقت، وأنهم قد استكملوا كافة الإجراءات المطلوبة من قبل الوزارة، ويضيف كرار أنه ظل يدرس فيها لعامين، لكنه ترك الدراسة فيها بعد أن علم أن الوزارة تحذر الطلبة من الإلتحاق بها.

ويقول الباحث التربوي “سيف الطائي” لـ”وكالة يقين” أن هذه الكليات والمعاهد تساهم بشكل مباشر في تردي التعليم في العراق، حيث أصبحت سمعة الجامعات العراقية سيئة للغاية منذ سنوات، بعد أن كان يقصدها طلاب من مختلف دول العالم للدراسة فيها، لقوتها وتميزها وقوة الشهادة التي يحملونها عالميا.

ويضيف الطائي أن ما ساعد على انتشار هذا النوع من الكليات هو تغاضي وزارة التعليم العالي عنها، وعدم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقها، لأن كثيرا من القائمين عليها تربطهم علاقات قرابة أو صداقة بالمسؤولين في الوزارة، وربما حصل بعضهم على أموال منها لقاء التغاضي عن هذه الكليات، والنتيجة هو تخريج جيل ضعيف علميا وغير مؤهل للمساهمة في بناء البلد، بل إن الكثير من هؤلاء الخريجين يفتقدون لأسس المعرفة حتى في التخصصات التي درسوها، وغالبا ما يقصدها الفاشلون دراسيا والذين يرغبون في الحصول على شهادات جامعية لتعليقها في منازلهم والتباهي بها أمام الآخرين، على حد قوله.

محاولات تبرير

لكن البعض يبرر وجود هذه الكليات ويعتبرها حالة طبيعية وجزءا من المشهد التعليمي في ما بعد 2003، كما تحدثت لـ”وكالة يقين” الطالبة “نسرين جواد” والتي كانت تدرس في إحدى الكليات غير المعترف بها ثم تركتها لتلتحق بكلية السلام “الكسنزانية سابقا”، وهي ترى أن الكثير من الشباب العراقي معذورون في التحاقهم بمثل هذه المؤسسات التعليمية، حيث أن القبول عبر “الإنسيابية” قد يضيع مستقبل الطالب كما ترى، فالكثير من الشباب من ذوي المعدلات الضعيفة يقدمون عبر الإنسيابية لكن يفاجؤون بقبولهم في جامعات بعيدة وفي محافظات أخرى قد لا يستطيعون العيش فيها، كما حصل معها حيث تم قبولها في جامعة القادسية بالديوانية، ولم تستطع الذهاب إلى هناك لأنها فتاة وليس لديها أقارب في المدينة، فاضطرت للدوام بإحدى الكليات الأهلية، لكنها لما وجدت أن شهادتها غير معترف بها تركتها والتحقت بكلية السلام لدراسة القانون، رغم أن القسط السنوي قد تضاعف، لكنها كانت تبحث عن مستقبلها كما تقول.

وتضيف نسرين أن قضية الحصول على شهادة بكالوريوس أو حتى دبلوم أصبحت قضية مهمة ومؤثرة في المجتمع العراقي، والكثير من الشباب اليوم يشعرون بما يشبه النقص لأنهم لم يحصلوا على شهادات تؤهلهم للانخراط في الحياة العامة والحصول على نظرة تقدير واحترام كافية من قبل أقرانهم، لأن شهادة المتوسط أو الإعدادية أصبحت تشبه اليوم كون الشخص أميا، على حد قولها.

وربما ساهم في إقبال بعض الشباب على هذا النوع من الكليات والمعاهد هو أنها تتساهل في إنجاحهم، ولا تدقق إداراتها في الحضور والغياب، لأن الهدف الرئيسي هو الحصول على الربح المادي قبل كل شيء.

نفوذ وحصانة

حاولنا التواصل مع رؤساء وعمداء ومسؤولي هذه الكليات والمعاهد لمعرفة رأيهم في الموضوع وأخذ مزيد من التفاصيل وبيان وجهة نظرهم في الملابسات القانونية للقضية؛ إلا أن الرفض كان الجواب الوحيد، وبحسب بعض المقربين منهم فإن هؤلاء المسؤولين يخافون الإدلاء بتصريحات ربما تعقد من وضعهم القانوني، كما أن بعضهم ينتظر صفقات أو اتفاقات مع وزارة التعليم العالي لتقنين وجود كلياتهم ومعاهدهم.

ووفقا لبيانات وزارة التعليم العالي التي اطلعت عليها ”وكالة يقين” فإن عدد الجامعات والكليات الأهلية المعترف بها من قبل الوزارة بلغ 26 جامعة وكلية، بالإضافة إلى أربع كليات معترف بها من قبل وزارة التعليم ورفعت الى مجلس الوزارة للمصادقة عليها.

وتقول الوزارة أنها أعدت مسودة قانون جديد سيصوت عليه قريبا في مجلس النواب،  إضافة إلى مسودة قانون آخر ما زال قيد الدراسة عن الإستثمار الأجنبي في مجال التعليم الأهلي.

وتبدو هذه المشكلة في اتساع بسبب ضعف القوانين الحكومية والإجراءات الأمنية التي تتخذ بحق المخالفين للقانون، كما أن النفوذ الذي يتمتع به أصحاب هذه الكليات والمعاهد والعلاقات التي تربطهم بالأحزاب والمسؤولين تمنحهم ما يشبه الحصانة في التعامل مع القضاء والأجهزة الأمنية حتى لو صدرت بحقهم أحكام ومذكرات قضائية، فيما يستمر خداع الشباب العراقي واستنزافهم حتى إشعار آخر.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات