الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 | بغداد 19° C
yaqein.net
الرئيسية » تحقيقات »

فساد القضاء العراقي.. إعدامات وأحكام بتهم كيدية

فساد القضاء العراقي.. إعدامات وأحكام بتهم كيدية

خاص // وكالة يقين 

قبل قرابة ثلاث سنوات وقف قاض عراقي شهير يُدعى (محمود الحسن) أمام شاشات التلفزة؛ ليدلي بتصريح صحفي، وافتتح إحدى جمله بالبسملة، كما لو كان يقرأ آية قرآنية، ثم قال: العدلَ (بفتح اللام) أساس الملك.. صدق الله العظيم!، وقد أثارت هذه الحادثة تندرًا كبيرًا واستغرابًا في أوساط العديد من العراقيين الذين استغربوا أن قاضيًا معروفًا يشغل منصب نائب في البرلمان، يخلط بين عبارة مأثورة وآية قرآنية!، وقد ازداد هذا التعجب حين بثت بعض مواقع التواصل الاجتماعي مقطعًا له أثناء حملته الانتخابية؛ وهو يَعِدُ بعض ناخبيه بمنحهم قطع أراض إن هم انتخبوه، ويتعهد لهم بتعيينات في الدولة حال صعوده، ورغم ذلك لم تُتَّخَذ بحقه أي إجراءات قانونية حتى اللحظة، ولعل هذا النموذج يختصر كثيرًا شكل القضاء وصورته في العراق، منذ عام 2003 وحتى اليوم.

وقد حرصت الأحزاب الشيعية الحاكمة منذ احتلال العراق على أن يبقى هذا المنصب بأيدي مقربين وموالين لهم؛ لما له من خطر وتأثير كبيرين على الساحتين السياسية والأمنية، لذا تم اختيار شخصيات عُرِفَت بولائها الكبير لهذه الأحزاب، وخاصة لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قام بتوفير الحماية السياسية وحتى القانونية لرئيس مجلس القضاء الأعلى السابق (مدحت المحمود)، ثم تمت الإطاحة بالمحمود في صفقة بين الأحزاب الحاكمة، وجِيءَ برئيس آخر للمجلس لا يختلف عنه كثيرًا هو (فائق زيدان).

معتقلو القمة العربية
(محمد المشهداني) شاب من أهالي حي الخضراء غربي بغداد، عُرِفَ بكونه مسالمًا قليل الخصومة والعداوة داخل منطقته وخارجها، لكنه تعرض للاعتقال عام 2012 “إجراءً تحفظيًا” كما قيل لأهله وقتها؛ بسبب انعقاد القمة العربية في بغداد في الفترة ما بين 27 إلى 29 مارس/آذار من العام نفسه، لكنه لم يخرج من معتقله حتى اليوم، وقد سعى أهله إلى توكيل عدة محامين للدفاع عنه، ومثل أمام القاضي عدة مرات، لكنه لم يطلق سراحه لأسباب مجهولة، ويقول أحد أصدقائه المقربين والمتابعين لقضيته لـ”وكالة يقين”: إنه بريء أمام القاضي من جميع التهم التي أسندت إليه بعد اعتقاله، لكنهم لم يطلقوا سراحه طمعًا في مبلغ مالي كبير يريدون الحصول عليه من أسرته الميسورة الحال، والتي لم تستطع جمع المبلغ المطلوب منهم، وهو مائة وعشرون مليون دينار عراقي.

وتمثل حالة (المشهداني) عينة من مئات الحالات التي اختُطِفَت، أو تم اعتقالها خلال تلك الفترة، ومعظم من تم تغييبهم لم يطلق سراحهم، باستثناء قلة استطاعت أسرهم دفع مبالغ مالية طائلة لبعض الضباط المشرفين على اعتقالهم؛ من أجل إطلاق سراحهم، ورغم كل ذلك فإن مجلس القضاء الأعلى لم يكلف نفسه حتى عناء التحقيق في حوادث الخطف والاعتقال هذه، مكتفيًا بتصريحات عامة، عن “نزاهة القضاء العراقي واستقلاليته”.

ثروات وأملاك
وبسبب حجم الفساد المالي الكبير الذي عرفت به مؤسسة القضاء في العراق، فقد تضخمت ثروات الكثير من القضاة، وأصبحوا من كبار ملاك الأراضي والعقارات داخل العراق وخارجه، ويقول المحلل السياسي (ماجد الأسدي) لـ”وكالة يقين” أن مؤسسة القضاء ربما تكون الأكثر فسادًا في “العراق الجديد” بسبب ميزانيتها العالية، وحجم الإغداق الحزبي عليها، وتصارع الكثير من الساسة على القضاة؛ لكسب ودهم والتقرب إليهم؛ من أجل توفير حماية قانونية لهم، بالإضافة إلى ما يكسبونه من أموال رِشًى من أهالي بعض السجناء الذين يتأخر الإفراج عنهم.

ويضيف الأسدي للوكالة أن بعض هؤلاء القضاة أصبحوا من كبار أصحاب العقارات والمشاريع التجارية في بغداد، وأربيل، وعمان، ودبي، وإسطنبول، وغيرها، ويجري ذلك كله في ظل تعتيم إعلامي كبير على نشاطهم هذا؛ بذريعة “عدم المساس بالمؤسسة القضائية”.

ووفقًا للأسدي؛ فإن هناك رِشًى كبيرة تُدفَع لمسؤولين في مجلس القضاء الأعلى من أجل تعيين بعض الأشخاص قضاة، بدفع من أثرياء وسياسيين وقادة مجموعات مسلحة، مما يجعل هذه المؤسسة الأكثر فسادًا على مستوى العراق، على حد قوله.

وتسعى المؤسسات الإعلامية التابعة لأحزاب السلطة إلى رسم صورة زاهية عن القضاء في العراق، وتصويره على أنه المؤسسة التي لم تستطع السياسة إفسادها، ويتم ذلك بتوجيهات مباشرة من قيادات حزبية رفيعة، بالاتفاق مع مسؤولين في المجلس، ضمن صفقات متبادلة استطاعت توفير الحماية للفاسدين والقتلة على مدار عدة سنوات ماضية.

رفض للتعميم
لكن البعض يرفض التعميم في وصف القضاة بالفاسدين، ويعتبر أن وضعهم هو انعكاس لطبيعة مؤسسات الدولة التي بنيت على المحاصصة الطائفية والحزبية بعد الاحتلال الأمريكي، ويشير المحامي (ستار لفتة) خلال لقائه مع مراسل “وكالة يقين” إلى أن نسبة الفساد في أوساط القضاة مرتفعة بلا شك، لكن قسمًا منهم غير مشترك في كل ما يدور حوله من صفقات، مؤكدًا أنه من خلال عمله محاميًا، واحتكاكه بهذه الفئة، فإنه وجد الكثيرين منهم يرفضون أن يشاركوا في هذه الصفقات التي تسلبهم قراراهم ونزاهتهم، لكنهم –على حد قوله- معزولون لا يشاركون في صناعة القرار داخل السلطة القضائية.

ويضيف المحامي -الذي يعمل في إحدى محاكم الرصافة شرقي بغداد- للوكالة قائلًا أن كثيرًا من القضاة يتجنبون الوقوف في وجه عمليات الفساد خوفًا على حياتهم من الاستهداف من قبل ميليشيات وأحزاب نافذة، وقد سبق وأن استُهدِف بعضهم، وتصل البعضَ الآخر منهم تهديدات باستمرار لإجبارهم على الانحياز لبعض الأطراف في الصراعات التي تدور رحاها يوميًا في ساحات المحاكم.

لكن آخرين لا يبررون سكوت هؤلاء القضاة على اعتبار أن وظيفتهم ومناصبهم تستدعي منهم الانحياز إلى الحق مهما كانت العواقب، ويقول المحامي (خالد الجبوري) لـ”وكالة يقين”: إن كل قاض يعمل في هذا السلك يقسم على احترام الدستور والقانون، وعدم الانحياز إلى طرف ما على حساب الحقيقة، ومن واجبهم أن يقولوا كلمة الحق في ما يرونه أمامهم من عمليات فساد وظلم وابتزاز، مشيرًا إلى أن بعض القضاة فضلوا الانسحاب من عملهم بعدما وجدوا أنفسهم محاصرين بجيوش من الفاسدين والمجرمين، الذين استطاعوا لَيَّ أعناق القوانين، والتجاوز حتى على أحكام الدستور، بفضل النفوذ الذي يتمتعون به، ففضل هؤلاء القضاة الاستقالة والانسحاب بهدوء حتى لا يكونوا جزءًا من عمليات الفساد والظلم هذه.

نفوذ بنص الدستور
ويبرز دور القضاء في (العراق الجديد) بشكل حيوي وفعال، لعدة أسباب كما يقول الخبير القانوني (مضر عطية) لـ”وكالة يقين”؛ أولها أنه يتمتع بسلطة كبيرة ضَمِنَها لهم الدستور العراقي الذي أقر عام 2005،  ونص على ضمان استقلال القضاة كأشخاص، وعدم السماح بوضعهم تحت سطوة أية سلطة من السلطات الحاكمة، و”أن يكون خضوعهم لسلطان القانون فقط”.

وقد نص الدستور والقوانين العراقية على جعل اختيار القضاء للوظيفة بيد السلطة القضائية حصرًا، وتوفير الحماية لهم، وعدم جواز عزلهم بقرار السلطة التنفيذية، حتى لا يُتَّخَذ ذلك ذريعة للتدخل في عملهم، وهو ما جعل لهم تاثيرًا ونفوذًا كبيرًا داخل مؤسسات الدولة، جعلت كثيرًا من الأحزاب والقوى السياسية تحاول التقرب منهم، وشراء بعضهم للاستفادة من هذا النفوذ.

ويشير عطية إلى أن دخول السياسة في عمل القضاء العراقي قد ساهم في إفساده كثيرًا، ورسم صورة سلبية عنه لدى المواطن البسيط، مضيفًا أن القضاء كان أكثر استقلالًا في العهد السابق رغم خضوعه أحيانًا لتأثيرات الدولة والحزب الحاكم، إلا أن الأمر تضاعف وازداد تعقيدًا بعد عام 2003، حيث انتقلت عملية المحاصصة الطائفية والسياسية إلى المؤسسة القضائية، وساهمت في خلخلة بنيانها وإضعاف دورها، ومن الطبيعي أن تستطيع الأحزاب المتنفذة التأثير على من جاءوا بهم إلى هذه المناصب، وفق ما يرى.

التستر بالقانون!
وقد صاحبت سنوات الحرب الطائفية في بغداد وما بعدها عمليات اعتقال واسعة وممنهجة في المناطق السنية ببغداد، وخاصة حزامها، كانت تعتمد غالبًا على وشايات “المخبر السري” الكيدية، وكانت قطعات الجيش الحكومي والميليشيات الطائفية تجتاح هذه المناطق وتنصب سيطرات حولها، تقوم باعتقال العشرات من سكانها بين الحين والآخر، وكان مصير هؤلاء المعتقلين يتوزع بين القتل، أو الاعتقال، والتغييب في سجون سرية.

ومن هؤلاء: الشاب (ياسر الحياني)، الذي اعتُقِل عام 2013 من منطقة الطارمية بتهمة محاولة التخطيط لقتل جنود عراقيين، ورغم أن الواشي “مجهول الهوية” وليس لديه إثباتات على ما يقول؛ فقد تم أخذ الحياني من منزله بعد منتصف الليل هو و15 شخصًا آخرين من منطقته، بعد اقتحام إحدى قطعات الجيش لها.

وعلى مدى ثلاث سنوات حاولت أسرته عبثًا التوصل إلى مكان احتجازه وفشلت في ذلك؛ رغم أنهم دفعوا ملايين الدنانير لبعض المسؤولين والضباط، إلا أن محاولاتهم وصلت إلى طريق مسدود.

وكانت المفاجأة هي: وصول الخبر إلى أسرته بأنه قد تم إعدامه ضمن مجموعة من المتهمين بقضايا “الإرهاب” في بدايات عام 2016، ليكتشف ذووه أنه كان معتقلًا في سجن الكاظمية، ولم يُسمَح له ولا لزملائه المعتقلين بالتواصل مع أهاليهم، حتى لإبلاغهم عن مكان وجودهم.

ويقول (والد الحياني) لـ”وكالة يقين”: إنه راجع ملف ابنه فيما بعد، ووجد توقيعًا لقاض على حكم الإعدام، وحاول التواصل مع هذا القاضي لمعرفة حيثيات قضية ولده، وبعد جهد جهيد حصل على عنوانه من بعض الجهات المسؤولة.

وحين ذهب إلى القاضي رفض استقباله، وهدده بأنه سيصدر أمرًا باعتقاله إن عاود الحضور إلى مكان عمله، رغم أن والد الشخص المعدوم لم يحاول سوى الاستفسار ومعرفة لماذا أعدم ابنه.

ويقول (والد الحياني) لـ”وكالة يقين”: إن حجم الإهانة والاحتقار والتهديد الذي وجده من قبل القاضي المذكور؛ جعله يقتنع بأن هؤلاء القضاة ليسوا أكثر من “جلادين” يتسترون بثياب القانون، على حد قوله، مضيفًا أن هذه الحالة تكررت مع كل الذين راجعوا هذا القاضي وغيره، وخاصة من أهالي حزام بغداد، والذين تصنفهم السلطات الحكومية على أنهم “حواضن للإرهاب”.

لا استقلال أمام المليشيات!
ورغم أن الدستور نص على استقلال القضاء بشكل كامل أمام أي محاولات لتدخل الجهات السياسية والمسلحة في عمله؛ إلا أن كثيرًا من القضاة أصبحوا “خاصرة رخوة” أمام تدخلات الميليشيات الطائفية، حيث يخشى بعضهم على حياتهم، فيما يتقبل البعض الآخر هذه التدخلات طمعًا في مكاسب مادية يحصلون عليها.

ويروي والد أحد المعتقلين من منطقة الدورة جنوب غرب بغداد خلال مقابلة مع مراسل “وكالة يقين”، كيف أن ابنه البالغ من العمر 28 عامًا تم اعتقاله عام 2012 من أمام لمحل بيع المواد الغذائية في منطقة (الطعمة)، من قبل قوة من الجيش بحجة التحقيق معه ثم إطلاق سراحه، لكنه ظل معتقلًا حتى اليوم.

وبعد عدة مراجعات ومتابعات استطاع الوصول إلى مكان اعتقاله في سجن الناصرية، وقام بتوكيل محام لمتابعة قضية ابنه، ووقف ابنه أمام القاضي، وبعد البحث في أدلة القضية ثبتت براءته.

لكن المشكلة أن هذا القاضي الذي يسكن منطقة بغداد الجديدة شرقي بغداد تم تهديده من قبل ميليشيا “كتائب حزب الله” كي يتراجع عن حكمه هذا، بدعوى أنه يطلق سراح “إرهابي”، فاضطر نتيجة لذلك إلى ترك القضية، خوفًا على حياته.

وقد أدى ذلك إلى رجوع القضية إلى مربعها الأول، بعدما تولى قاض جديد ملف القضية، وتتخوف أسرة المعتقل من الحكم المرتقب في قضية ابنهم؛ بسبب أن القاضي الجديد معروف بعلاقته الجيدة ببعض الميليشيات، مما يجعل فرصة حصول ابنهم على البراءة أشبه بالمستحيل؛ على حد وصف والده.

المادة 4 سُنّة!
وقد أصبحت المادة الرابعة في قانون “مكافحة الإرهاب” والشهيرة بـ(4 إرهاب) ذريعة سهلة وسريعة لاعتقال الآلاف من العراقيين بشكاوى ممن يعرفون بـ”المخبرين السريين”، وعادة ما تكون هذه الشكوى بسبب خلاف شخصي أو عداوة بين طرفين، تنتهي الاعتقال.

وعلى مدى سنوات التصقت هذه المادة سيئة الصيت بالعرب السنة، حيث لفقت التهم لآلاف الشباب والشخصيات العامة وضباط الجيش السابق والكفاءات والنخب، حتى امتلأت المعتقلات بهم.

ونتيجة للضغوط التي مثلها الحراك الشعبي السني والتظاهرات التي اجتاحت عشرات المدن في نهايات عام 2012، فقد اضطرت السلطات القضائية بضغط من السلطة التنفيذية إلى إلغاء فقرة “المخبر السري” من قانون “مكافحة الإرهاب” رسميًا، لكن ما زال العمل يجري به في العديد من المناطق، وفقًا لرغبات وأهواء بعض الضباط والسياسيين المتنفذين.

ورغم كل الشكاوى التي تقدم بها حقوقيون ومنظمات إنسانية لإلغاء التمييز الذي يمارس أثناء تنفيذ هذا القانون، إلا أن السلطات القضائية لم تتراجع عنه أو تعدله، ولا زالت تستخدمه ذريعة للاعتقال والاحتجاز غير القانونيين في العديد من المناطق.

ومن بين آلاف حالات الاعتقال وفقًا لهذا القانون؛ فإن الغالبية الساحقة من وقعوا ضحية له كانوا من السنة، حتى تم تسميته شعبيًا بقانون (4 سُنّة)!!.

إعدامات بالجملة
وقد أثار ملف الإعدامات التي تنفذها الحكومة العراقية بحق المعتقلين لديها كثيرًا من اللغط، لاسيما بعد الاحتجاجات التي قدمتها منظمات حقوقية عربية ودولية، اتهمت فيها حكومة بغداد بتنفيذها على أساس طائفي، ويقول مدير مركز بغداد لحقوق الإنسان (مهند العيساوي) لـ”وكالة يقين”: إن السلطات العراقية لا تكشف عن الأرقام الحقيقية للأحكام الصادرة والمنفذة، ولا عن عدد المعتقلين لديها، وهذا بحد ذاته يُعَدُّ مخالفة كبيرة للقوانين الدولية والداخلية، ولكن بحسب مصادر المركز فقد تجاوزت الأحكام الصادرة بالإعدام منذ 2003 حتى منتصف 2017 الـ4200 حكمًا، و”لم نتمكن من معرفة عدد ما تم تنفيذه منها”.

ويضيف العيساوي للوكالة: إن أغلب القضايا تصل إلى القضاء بعد إدانة المعتقلين؛ بسبب إرغامهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها في مرحلة التحقيق عند الضباط المشرفين عليهم، ولكن مع ذلك فإن عددًا من قضاة التحقيق يرفضون إحالة المعتقلين إلى لجان طبية للتحقق من تعرضهم للتعذيب، مع أن عددًا كبيرًا منهم تبدو عليهم آثار واضحة للتعذيب، وبعضهم أبلغوا القضاة بتعرضهم للتعذيب لكن دون جدوى، هذا فضلًا عن وجود توجهات طائفية لدى بعض القضاة، وهو ما يحول دون إنصاف المعتقلين.

ويرى العيساوي أن هناك قضاة فاسدين ومرتشين، لكنهم لا يمثلون الأغلبية، ومعظم الفساد يكون عند ضباط التحقيق، كما أن معظم المواطنين يتخوفون من تقديم شكاوى ضد عناصر الميليشيات؛ بسبب ثقافة الخوف والترهيب التي تسيطر على المواطنين، وخشيتهم من انتقام هذه العناصر منهم.

ويعتبر الناشط الحقوقي أن هناك تحسنًا محدودًا في أداء القضاء العراقي خلال السنوات الأخيرة، والفساد ليس هو السبب الوحيد لتعثر القضاء العراقي، فالتدخلات السياسية والطائفية ونفوذ السلطة التنفيذية، وغياب ثقافة دولة العدالة والقانون هي أكبر العقبات في طريق القضاء العراقي، حسبما يرى.

سدنة الفساد
وتشير آخر التقارير الحقوقية إلى أن هناك عشرات آلاف المعتقلين في العراق، من بينهم 2881 شخصًا في سجن الحوت بالناصرية جنوبي العراق، محكومون بالإعدام بالدرجة القطعية وفقًا للمادة (4 إرهاب)، وهم بانتظار تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم في أية لحظة.

وتلعب الضغوط التي تمارسها كتل سياسية، بالإضافة إلى أطراف عربية ودولية دورًا بارزًا في تأخير تنفيذ أحكام الإعدام هذه، كما أن السلطات العراقية تخشى من ردود فعل عنيفة في الشارع إذا ما قامت بتنفيذها.

وعلى مدى أربعة عشر عامًا لم تستطع المؤسسة القضائية في العراق إرساء حكم القانون أو الإشراف على تنفيذه وضمان تحققه في الدولة، حتى أصبح العراق في مقدمة الدول التي ينخر الفساد جسدها، وفق التصنيفات الدولية.

ورغم الوعود الدائمة والمتكررة للحكومات العراقية بحماية استقلال القضاء، وضمان تطبيق الدستور والقانون؛ إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث كما يرى الكثيرون، فيما أصبح القضاة مجرد سدنة لدى بعض الضباط والساسة من أصحاب النفوذ، والضحية هو المواطن البسيط الذي يفتقر للسند والظهير الرسمي، ويُمنَع من الحصول حتى على أبسط حقوقه واحتياجاته.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات