الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » انتهاك حقوق المرأة في العراق »

ديالى ... انتحار النساء يقرع ناقوس الخطر وسط صمت حكومي مطبق

ديالى … انتحار النساء يقرع ناقوس الخطر وسط صمت حكومي مطبق

فشلت كل محاولات عائلة (أبي صبار الزبيدي) في تجنب مصير الانتحار الذي انتهت إليه ابنتهم الكبرى بعد 4 سنوات قضتها على أمل معرفة مصير زوجها المختطف، ومعاناة كبيرة في إعالة وتربية 3 أطفال تركهم لها من دون أي مصدر دخل يقيهم العوز والجوع الذي عانوا منه طيلة الفترة الماضية .

ويبين (أبو صبار) أن صهره تم اختطافه نهاية عام 2012 بواسطة ميليشيا طائفية أثناء عملة في مهنة البناء بقضاء المقدادية في محافظة ديالى، ولم تسفر جهود البحث والتقصي عن معرفة مصيره وسط ترجيح من الأقارب بمقتله، مضيفًا أن ابنته رفضت الاقتناع، واستمرت في البحث خلال هذه السنوات ولكن بدون جدوى، حتى بانت علامات الانهيار واليأس عليها.

انتحرت بعد عجزها عن إعالة أطفالها
ويتابع الزبيدي في حديث لـ”وكالة يقين”، أنه حاول إقناع ابنته بالانتقال وأولادها للعيش معهم في بيته المزدحم، وحاول مساعدتها ماديًا، ولكنه الآخر يعاني من العوز المادي، مشيرًا إلى أنها مارست مهن مثل الخدمة في البيوت وبيع الخبز على الجيران في منطقة أمام ويس بمحافظة ديالى من اجل تربية أبنائها بعد أن فشلت في الحصول على راتب الرعاية الاجتماعية أو أي إعانة حكومية .

ويضيف الأب المفجوع أنه كثف من زياراته لأبنته مؤخرًا، وطلب من أولادة التواصل المستمر معها بعد أن لاحظ حالة اليأس والقنوط التي أصابتها، ولكنه لم يتوقع أبدًا أن تقدم على إحراق نفسها في بيتها بعد أن أرسلت أبناءها مع أحد أخوالهم ، مبينًا بصوت يغالبه النشيج والعبرات أنها كانت عاقلة طوال حياتها، ولكن صبرها ومعاناتها فاقت الجبال.

الحرمان من الوظيفة سبب آخر
ولا يختلف أسلوب انتحار ابنة الزبيدي عن مصير (خولة باقر العواد) الساكنة في ضواحي مدينة بعقوبة “مركز محافظة ديالى”، ولكن الدافع هذه المرة كان اليأس من الحصول على التعيين على ملاك وزارة التربية بالرغم من استيفائها الشروط المطلوبة للتوظيف، وفي مقدمتها معدل التخرج العالي وإتقانها لطرائق التدريس.

ومع رفض عائلة العواد القاطع للإدلاء عن الحادثة؛ غير أن أحد المقربين منهم قال لـ”وكالة يقين”: إن الفتاة المنتحرة تبلغ من العمر 23 عامًا، وكانت من المتفوقات على مستوى المنطقة في الدراستين الإعدادية والجامعية، وسبق لها التقديم 7 مرات من أجل التعيين على ملاكات وزارة التربية في منطقتها، وطرقت جميع الأبواب من أجل الحصول على الوظيفة وبما فيها مجلس المحافظة ومديرية تربية ديالى، ولكن بدون جدوى.

وأضاف المصدر للوكالة، أن الجيران والأقرباء صعقوا بنبأ وفاة الفتاة المتفوقة بعد أن سمعوا عن تعرضها لحادث حرق أثناء إعدادها طعام العشاء لأسرتها، وأن الشكوك والكلام انتشر بكثرة عن حالة انتحار وليست حادثة عرضية، وهو ما تم تأكيده لاحقًا بعد تحقيقات أثبتت أن الفتاة التي عولت كثيرًا على الوظيفة قررت وضع حد لحياتها، ونفذت خطتها في حمام المنزل في منتصف الليل وباستخدام مادة البانزين سريعة الاشتعال، والتي حالت دون التمكن من إنقاذها.

مصدر طبي: النساء أكثر انتحارًا
من جهته يوضح المعاون الطبي في مستشفى بعقوبة (أحمد التميمي)، أن معظم حالات الانتحار التي يتم إحضارها إلى المستشفى تكون لنساء بين الـ20 و45 من العمر ويتشابه العدد الأكبر منها باستخدام طريقة الحرق بواسطة المشتقات النفطية، مستدركًا بأن عددًا ضئيلًا منها ينجو بعد الإسعافات الطبية، ويخضع للعلاج المطول حتى الشفاء ولكن تبقى التشوهات الجسدية الناجمة عن الحادث.

ويشير التميمي في حديث لـ”وكالة يقين” إلى تزايد حالات الانتحار الواصلة إليهم وخصوصًا من النساء برغم إصرار ذويهن على أنها حوادث منزلية ، لافتًا إلى أن المختصين في الطب العدلي يتعرفون وبجهد قليل على حالات الانتحار من خلال مكان تركيز المادة الحارقة وكميتها، والتي تكون دائمًا من أعلى الجسد حيث تعمد المنتحرات إلى صب السائل فوق الرأس قبل إشعاله، فضلًا عن المقاومة التي تكون شديدة وعنيفة في حالات الحوادث العرضية، واقل منها في حوادث الانتحار.

ويقر المعاون الطبي التميمي بوجود حالات انتحار باستخدام وسائل أخرى، ومنها العقاقير الطبية والشنق أو قطع الأوردة، ولكنها تبقى متفرقة وقليلة قياسًا بأسلوب الحرق الذي يصفه بأنه يمتلك حصة الأسد، والقاسم المشترك بين معظم الحالات التي اطلع عليها، مؤكدًا بأن الظاهرة أخذت بالتزايد والانتشار في السنوات الثلاثة الأخيرة، ولكنه يرفض الإفصاح عن أرقام وإحصائيات بهذا الشأن .

إحصائية : 75% من المنتحرات يلجأن للحرق
إلى ذلك تؤكد (سوزان رجب) من منظمة حواء المعنية بشؤون المرأة والعائلة عدم وجود إحصائيات دقيقة لحالات الانتحار في عموم محافظات العراق ومنها ديالى، عازية السبب إلى الأسلوب المتبع في هذا المجال، وهو تسجيل هذه الحالات ضمن سجلات الوفيات الحكومية تحت بند “أسباب أخرى للوفاة”؛ وذلك لتجنب النظرة المجتمعية الخاطئة إلى العائلة أو العشيرة التي ينتمي إليها المنتحر.

وبحسب الإحصائيات التقريبية التي جمعتها رجب واطلعت عليها “وكالة يقين”، فإن ديالى شهدت خلال العام الماضي 2016 حصول  44 حالة انتحار انتهت بالموت، بينما نجت 32 حالة أخرى وتم إسعافها وإنقاذها في الوقت المناسب، فيما تم تسجيل 46 حالة مؤكدة للانتحار في مدن وأقضيه المحافظة خلال العام الحالي، ولغاية مطلع تشرين الأول الجاري .

وترى رجب أن حصيلة النساء كانت 97% من مجمل حالات الانتحار الحاصلة في محافظة ديالى، ولجأ 75% منهن إلى استخدام أسلوب الحرق بينما جاء أسلوب العقاقير الطبية في المرتبة الثانية، وبعدها الشنق، وأخيرًا طريقة قطع الأوردة باستخدام الآلات الجارحة.

باحثة: الفقر هو المتهم الأول

وتُحَمِّل المسؤولة في منظمة حواء الجهات الحكومية المسؤولية بالدرجة الأساس عن التصاعد المخيف في حوادث الانتحار بسبب تردي الوضع الاقتصادي، الذي كان الدافع في أغلب الحوادث فضلًا عن الانعدام التام في المراكز المختصة بالعلاج النفسي والتأهيل الاجتماعي للأسرة، متابعة بأن الأسرة والعشيرة تتحمل نصيبها من المسؤولية في احترام المرأة وتقديرها وكذلك الحال بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني التي قالت بأنها لا تعد ولا تحصى في كشوفات المساعدات والدعم الدولي، ولكنها على أرض الواقع غائبة وغير ذات نفع أو جدوى للمجتمع في ديالى.

تتفق الباحثة الاجتماعية (تابلو حميد خوشناو) مع ما ذهبت إليه (سوزان رجب) بخصوص التقصير الحكومي، وتضيف بأن معظم دوافع الانتحار النسوي في العراق تنطلق من أسباب اقتصادية بحتة، ويتم اللجوء إليه حين تعجز المرأة عن تحقيق ذاتها أو مساعدة زوجها وأهلها أو إعالة أطفالها، مشددة على أن الفقر هو المتهم الأول في معظم حالات الانتحار التي سمعت عنها وتابعتها.

وتبين خوشناو لـ”وكالة يقين”، أن العراق أصبح بيئة خصبة للأمراض النفسية وسط هذا الكم الهائل من العمليات العسكرية وحالات النزوح والتفكك الأسري والفساد المستشري في معظم زوايا المجتمع وغياب القانون، وبالتالي فإن المواطن الذي يحمل مختلف أنواع الهموم والمشاكل مع يقين تام بعدم حدوث الإصلاح والتغيير، مما يجعله فريسة سهلة لأمراض مثل الفصام والاكتئاب الشديد والهلوسة السمعية، وأغلبها تقود صاحبها إلى الانتحار من أجل وضع حد للمعاناة.

خوشناو شاركت مع فريق مختص في دراسة “غير رسمية” لتقصي الزيادة الحاصلة في الأمراض النفسية بين العراقيين خلال العامين الأخيرين “2016 و2017″، وشملت عينات من جميع المحافظات والمستويات الاجتماعية والمعيشية، وتوصلت إلى زيادة واضحة بنسبة 7% في العموم مع مؤشرات واضحة على أن العنصر النسوي كان هو الأكثر تضررًا، على اعتبار أن المرأة هي الحلقة الأضعف في المجتمع “بحسب تعبيرها”.

وتحتفظ الباحثة الاجتماعية خوشناو بنسخة “اطلع مُعِدُّ التحقيق عليها” من إحصائية عالمية نظمتها (مؤسسة غالوب) واسعة الشهرة في مجال استطلاعات الرأي، والتي توصلت إلى أن العراق هو أكثر بلدان العالم حزنًا وكآبة بين 138 دولة شملتها الإحصائية .

شلل حكومي تام أمام الظاهرة
يصف أستاذ علم الاجتماع (علي كرجي الحلبوسي) –متقاعد- إحصائية معهد غالوب بأنها وصمة عار في جبين الحكومات التي تعاقبت على العراق بعد 2003، والتي لم تقدم شيئًا لشعب يعيش في واحد من اغني بلدان العالم سوى المزيد من الخراب والفساد والتشريد، ومرتبة متقدمة في إحصائيات الحزن و الانتحار العالمية .

ويوضح الحلبوسي لـ”وكالة يقين”: إن انتحار أي شخص في العالم يدفع الجهات المختصة إلى التحقيق والبحث والتعمق لمعرفة الأسباب والعمل بشكل سريع على وضع الحلول والعلاجات، باستثناء العراق الذي لم تكلف وزارات مثل: الداخلية والصحة والشؤون الاجتماعية نفسها بعمل دراسة مبسطة عن واقع ظاهرة الانتحار، أو حتى إصدار إحصائية رسمية واحدة بأرقام الظاهرة .

وأكد الحلبوسي أن جميع البحوث التي قدمها الأساتذة المحليون عن ظاهرة الانتحار وخطورتها إلى الجهات المختصة؛ كان مصيرها في سلة المهملات، ولم يتم التعامل الجدي معها في ظل وجود مسؤولين أعمتهم العصبية الحزبية، وجعلتهم يعملون على تفريق الشعب تحت مسميات شتى بدلًا من البحث عن مشتركات التعايش السلمي “بحسب قولة”.

ورأى الأستاذ المتقاعد أن انعدام الأمل بالجانب الحكومي واليأس من تحركه، لا يعني ترك المشكلة والتخلي عنها، وإنما يأتي هنا دور المؤسسة الدينية في التوعية بحرمة هذا العمل، “أي الانتحار”، والتحذير من عواقبه الوخيمة، وبعدها مؤسسة المنظمات غير الحكومية في التوعية والمعالجة وتقديم النصح والإرشاد، وهناك أيضًا مؤسسة القبيلة والعشيرة التي يقع عليها واجب التضامن مع الأفراد وإنقاذهم من الفقر والمشاكل الأخرى، وفي النهاية فإن مؤسسة الأسرة وواجبها التعاوني والتضامني فيما بينها يحتل دورًا مهمًا في مواجهة ظاهرة الانتحار والحد منها.

ويصر الحلبوسي على القول بأن القادة الحاكمين في العراق يرتكبون أكبر ازدواجية يتخيلها العقل البشري، فهم من جهة ينتمون في معظمهم إلى أحزاب أسلامية، ويتحدثون يوميًا في مواضيع المساواة والعدل وخدمة الشعب وغيرها من المصطلحات البراقة، ومن جهة أخرى يدفعون المواطن إلى الفقر واليأس والقنوط قبل أن يقدم على ارتكاب أكبر الكبائر.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات