الأحد 17 ديسمبر 2017 | بغداد 10° C
yaqein.net
الرئيسية » انتهاك حقوق المرأة في العراق »

اتساع دائرة العنف الأسري في العراق يهدد بتفكيك المجتمع

اتساع دائرة العنف الأسري في العراق يهدد بتفكيك المجتمع

كانت مشاهد صادمة تلك التي عرضتها مواقع التواصل الاجتماعي في العراق لمجموعة رجال يعذبون فتاة صغيرة بتعليقها من قدميها بمروحة، قيل وقتها: إن هؤلاء الرجال هم أعمام هذه الطفلة التي فقدت والديها منذ عدة سنوات، وعلى اثر ذلك ألقت الشرطة القبض على هؤلاء الأشخاص بعد انتشار المقطع.

وأحدثت هذه المشاهد صدمة كبيرة في المجتمع العراقي، وسرعان ما تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي مطالبين بإيقاع أشد أنواع العقاب بهؤلاء المجرمين، وقد أصبح لافتًا للنظر مؤخرًا انتشار أخبار العنف الأسري في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في العراق، ومما يزيد من بشاعة هذه الأخبار هو صور ومقاطع فيديو يتم بثها عن تعذيب طفل من ذويه، أو ضرب مبرح تتعرض له امرأة من زوجها، وهو ما لم يكن معهودًا منذ سنوات قليلة في مجتمع محافظ كالعراق.

ولعل ما مر به العراق من حروب وانقسامات طائفية قد ألقت بظلالها بشكل واضح على البنية الاجتماعية فيه، والتي بدأت تتمزق، وتفرز مشاكل وأزمات كان العراقيون إلى عهد قريب يشمئزون حتى من سماع أخبارها.

قصص مأساوية
لم تستطع (نوال) البالغة من العمر 38 عامًا أن تتحمل مزيدًا من الضرب والإهانة من زوجها لها ولأطفالها الأربعة، فقررت الالتجاء إلى أهلها ورفع قضية طلاق على زوجها الذي ترتبط به منذ قرابة 17 عامًا، وتقول (نوال) -التي تسكن في منطقة الشعب ببغداد- لـ”وكالة يقين”: إن زوجها يعود إلى المنزل كل يوم في وقت متأخر وهو مخمور، ويقوم بضربها مع أطفالها بطرق وحشية، أدت ذات مرة إلى كسر ذراعها.

وتضيف نوال للوكالة، أنها قررت الالتجاء للقانون فبدأ زوجها في إرسال وساطات عشائرية لحل الموضوع، لكنها رفضت وأصرت على موقفها، فأخذ زوجها يهددها بأخذ الأطفال بعيدًا عنها، وهو ما ضاعف مخاوفها منه، فقررت أن تغادر لتسكن عند بعض أقاربها في إحدى المحافظات الجنوبية لحين صدور حكم الطلاق، وهي لا تزال تنتظر ذلك رغم أن زوجها في مستمر في إرسال التهديدات والوساطات في آن واحد.

وغير بعيد عنها قصة (أم كرار)، التي اضطرت للهرب من بيت زوجها بعد سنوات من العذاب كما تصفها، حيث كان زوجها الذي يعمل في صفوف إحدى المليشيات يقوم بضرب ولده الوحيد بحجة أنه “يريده أن يكون رجلًا”، وفي مقابلة مع “وكالة يقين” تصف (أم كرار) حياتها مع زوجها بالعذاب المستمر طيلة 11 عامًا، وتقول: إنه كان يضرب ابنه بشكل هستيري كل يوم، ووصل به الأمر إلى إطفاء السكائر في جسده عقوبة له على بعض الأخطاء الصغيرة، وحين كانت تعترض؛ ينالها نصيبها من الضرب والإهانة، مما جعلها تتخذ قرارًا بالهروب إلى بيت خالها في مدينة الصدر.

وتحمل (أم كرار) المجتمع جانبًا من المسؤولية عن حوادث العنف الأسري، حيث يميل المجتمع دائمًا إلى جانب الرجل كما تقول، ويحمّل المرأة المسؤولية عن كل ما يجري، كما أن نظرات المجتمع وأحاديثه عن النساء المطلقات تجعلها تتردد في طلب الانفصال عن زوجها، رغم كل ما واجهته، وتضيف بحسرة أنها لا تعرف ما الذي ينتظرها في قابل الأيام، وهي عاجزة عن اتخاذ قرار يحدد مصيرها ومصير ابنها الوحيد.

تعريفات وإحصاءات
ويُعَرَّف العنف الأسري قانونيًا بأنه “الأفعال التي يقوم بها أحد أعضاء الأسرة، ويلحق ضررًا ماديًا أو معنويًا أو كليهما بأحد أفراد الأسرة”، وقد عرّفته المادة الأولى من مسودة قانون الحماية من العنف الأسري المطروحة أمام مجلس النواب العراقي بأنه” أي شكل من أشكال الإساءة الجسدية أو الجنسية أو النفسية أو الاقتصادية؛ ترتكب أو يهدد بارتكابها من أحد أفراد الأسرة ضد الآخر، بما لهم من سلطة أو ولاية أو مسؤولية في صعيد الحياة الخاصة أو خارجها”.

وتقدم منظمات حقوقية مزيدًا من الشرح لهذه النوع من الاعتداءات، حيث تعد من بين أشكاله الاعتداء الجسدي الذي يتضمن الضرب والركل والعض، والصفع والرمي بالأشياء وغيرها، أو التهديد النفسي كالاعتداء الجنسي أو الاعتداء العاطفي، كالسيطرة أو الاستبداد أو التخويف، أو الملاحقة والمطاردة، أو الاعتداء السلبي الخفي كالإهمال، أو الحرمان الاقتصادي، وقد يصاحب العنف الأسري حالات مرضية كإدمان الكحول والأمراض العقلية، وفقًا لهذه التفسيرات.

ولا يقتصر العنف الأسري على الإساءات الجسدية الظاهرة؛ بل يتعداها ليشمل أمورًا أخرى كالتعريض للخطر أو الإكراه على الإجرام أو الاختطاف أو الحبس غير القانوني أو التسلل أو الملاحقة والمضايقة، بحسب التعريفات الحقوقية.

ووفقًا للمسح الذي توصلت له دراسة لوزارة التخطيط حول هذا الموضوع في الفترة ما بين 2007- 2016 فإن واحدة من كل خمس نساء عراقيات تتعرض للعنف الأسري البدني، وسبق للوزارة أن أعلنت في دراسة أصدرتها عام 2012 أن 36% على الأقل من النساء المتزوجات أبلغن جهات رسمية بتعرضهن لشكل من أشكال الأذى النفسي من الأزواج، وأبلغت 23% منهن بالتعرض لإساءات لفظية، و6% منهن بالتعرض للعنف البدني، و9% للعنف الجنسي، في حين ترجح منظمات نسوية أن الأعداد الحقيقية للمعنفات تفوق ذلك، وأن “الحياء الاجتماعي” والخوف من التبعات يحول دون الاعتراف بحجم المشكلة الحقيقي.

تحولات اجتماعية
وتتنوع أسباب هذا العنف الذي تتعرض له نساء وأطفال وطاعنون في السن أحيانًا، لكن السبب الرئيس فيه كما يقول الكثير من الباحثين هو تراجع تأثير القيم الروحية على المواطنين، رغم أن البلد تحكمه أحزاب توصف بأنها ذات خلفية إسلامية منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، وتقول الباحثة الاجتماعية (ماجدة السعدي) لـ”وكالة يقين”: إن الأزمات الأمنية والحرب الطائفية قد أدت إلى تمزق النسيج الاجتماعي في العراق بشكل كبير، حيث زادت أعداد الأرامل والأيتام، وضعف الوازع التربوي؛ بسبب غياب أولياء الأمور إما بالقتل أو الاعتقال أو الانشغال بهموم المعيشة اليومية، وتضيف السعدي: إن عمليات التهجير أدت إلى انحسار قيم “المحلة العراقية” التي كانت عرفًا شائعًا وتقليدًا يخضع له الجميع، فرحيل آلاف العوائل عن مواطن سكناها ومجيء أخريات مكانها أدى إلى تحولات كبيرة على صعيد القيم الأخلاقية لهذه المناطق، فغابت قيم كان الناس يقدسونها، مثل حرمة الجار، ومعاملة بنت الجيران كالأخت، وانحسر التكافل الاجتماعي بين سكان المنطقة الواحدة بشكل كبير، وهو ما أسهم بظهور إفرازات سلبية مثل العنف الأسري وغيره.

وتحذر الباحثة الاجتماعية من احتمالات ظهور مزيد من هذه المشاكل، وتحولها إلى ظواهر تسهم في تفتيت المجتمع وتمزيق الأواصر التي تربط بين أفراده، خاصة وأن الرادع القانوني ضعيف جدًا، بل إن كثيرًا من الجهات الحكومية ترفض وضع حد لهذه التجاوزات، خشية أن تدخل في نزاعات عشائرية أو مذهبية، في ظل ضعف سلطة الدولة وأجهزتها الأمنية، على حد قولها.

“مغازلة” العشائر
وتبدو التشريعات القانونية ما زالت بعيدة عن ملامسة هموم الكثير من المواطنين، الذين يتعرضون لأنواع مختلفة من التعنيف بذرائع شتى، وينتقد كثير من ناشطي منظمات المجتمع المدني غياب قوانين تردع المعتدين، أو توقع العقوبة بحقهم، بل إن بعض النواب يغازلون فئات اجتماعية معينة، تعتبر أنه ليس من حق الدولة التدخل في هذه المشاكل باعتبارها “شخصية”، وترتبط ببعض القيم العشائرية التقليدية، كما تقول الناشطة الحقوقية (ندىهاشم) لـ”وكالة يقين”، وتضيف، أن سياسة الحكومة والأحزاب الحاكمة تجاه العشائر تجعلهم يتجنبون إثارة غضبها في مسائل كهذه، يعتبرها بعض المؤمنين بالقيم العشائرية “حقًا شخصيًا” ليس لأحد أن يتدخل فيه.

وبحسب الناشطة فإن كثيرًا من النساء الريفيات يتعرضن لأنواع من الانتهاكات والتعديات، التي لا تجرؤ مؤسسات الدولة على التدخل لوقفها رغم مخالفتها الصريحة للقانون، مثل “زواج الفصلية” و”زواج القاصرات”، حيث تعد هذه المسائل خطوطًا حمراء لدى بعض العشائر في الريف، وبعض مناطق المدن التي تريفت في العقود الأخيرة.

وتمتلئ سجلات المحاكم بقصص اعتداءات وانتهاكات تتعرض لها نساء عراقيات، غالبًا ما تنتهي بإلغاء هذه الدعاوى، نتيجة ضغوط اجتماعية وعشائرية، تصل حد التهديد أحيانًا، مما يدفع بالجهة المشتكية إلى التنازل عن القضية، واللجوء إلى طرق تقليدية “بدائية” كمجالس الفصل العشائري لحلها.

وقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في العراق بعد انتشار خبر تزويج خمسين امرأة من إحدى العشائر في البصرة إلى رجال من عشيرة أخرى دفعة واحدة؛ بسبب خلاف بين العشيرتين، وكانت نتيجة هذا “الفصل” هو الحكم بمنح نساء من هذه العشيرة إلى الأخرى، في واحدة من أغرب القصص في عراق ما بعد 2003.

وقد استنكر ناشطون حقوقيون ومدافعون عن حقوق المرأة ومواطنون هذا التصرف، واعتبروه نوعًا من “ممارسة الرق” بشكل حديث، فيما لاذت أجهزة الدولة وأذرعها القانونية بالصمت.

انتقادات دولية
ورغم أن بعض النواب من كتل مختلفة يتبنون تجريم هذه الممارسات، والسعي لتغليظ العقوبة على مرتكبيها، وإدراج ذلك في مسودة قانون “مناهضة العنف الأسري في العراق” والذي أعدت مسودته عام 2015؛ إلا أن هذه التعديلات لم يتم إدراجها في بنوده حتى الآن، مما أدى إلى انتقادات وجهتها منظمة (هيومن رايتس ووتش) للسلطة التشريعية العراقية، حيث قالت المنظمة في مذكرة أرسلتها لرئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري في شهر آذار/ مارس الماضي “إن على البرلمان تحديد عقوبات خاصة بجرائم العنف الأسري، وإلغاء البنود التي تقدّم الصلح على العدالة، مع تعزيز تدابير الحماية الخاصة بالضحايا في مشروع قانون مناهضة العنف الأسري”.

لكن رئيسة لجنة المرأة والأسرة والطفولة في البرلمان العراقي (لمى جواد كاظم) تقول لـ”وكالة يقين”: إن المجلس يبذل قصارى جهده للخروج بصيغة نهائية للقانون تستطيع ضمان حقوق المرأة والطفل العراقي، وإيقاع العقوبة بكل من يمارس أي شكل من أشكال الاعتداء عليهما.

وتضيف النائبة أن لجنتها تقيم اجتماعات وورش عمل باستمرار، بالإضافة إلى زيارات ميدانية إلى المحاكم للوقوف على هذه المشاكل وإجراءاتها في التحقيق بقضايا الأسرة وحقوق الإنسان والعمل بشكل مكثف لإنضاج مشروع قانون العنف الأسري، والذي سيتضمن إنشاء ورعاية “مراكز لإيواء النساء المعنفات” أيضًا.

وحول الانتقادات التي يتعرض لها البرلمان لتأخره بتشريع هذا القانون؛ قالت كاظم: إن اللجنة حريصة على ألا تتعارض بنود القانون مع “الشريعة الإسلامية” وحقوق الإنسان العالمية، لذا تتأنى في صياغة القانون، مؤكدة أنه سيشرع قريبًا، وسيصبح ملزمًا ورادعًا للمتجاوزين، ومنصفًا للضحايا بشكل كامل، على حد قولها.

قوانين غير مطبقة
ورغم أن القانون العراقي يضع عقوبات للمعتدين والمتجاوزين بحق زوجاتهم وأبنائهم وذويهم، إلا أن المشكلة تكمن في العجز عن تطبيق بنوده كما يقول المحامي (محمد الربيعي) لـ”وكالة يقين”، والذي يرى أن سلطة العشيرة و”رجال الدين” أصبحت تفوق سلطة القانون وهيبته في المجتمع.

ويشير الربيعي إلى أن الكثير من النساء بتن يفضلن الاستمرار في تحمل “الذل والمهانة” على طلب الطلاق، بسبب النظرة الاجتماعية “البائسة” للمطلقة، وضغوط الأهل لحرمان المرأة من حقها في الانفصال عن زوجها “الظالم”، خوفًا من كلام الناس، أو رضوخًا لقوانين العشيرة وبعض رجال الدين.

ويقول المحامي: إن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 قد وضع الكثير من الضمانات للزوجة والأطفال، كما جاء في المادة 40 من قانون الأحوال الشخصية، والتي نصت “أن لكل من الزوجين طلب التفريق إذا أضر أحد الزوجين بالزوج الآخر أو بأولادهما، ضررًا يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية”، مؤكدًا أن الاعتداء بالضرب المبرح يبيح للزوجة التقدم بشكوى للقضاء، والذي يجيز التفريق بينها وبين زوجها.

وفضلا عن ذلك فإن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 وقانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 نصا على رعاية الدولة لبرامج تأهيل لمرتكبي هذه الجرائم، وذلك بإحالتهم إلى مراكز تأهيل تابعة لدائرة الحماية من العنف الأسري، وإخضاعهم للتأهيل والتدريب بها لمدة تتراوح بين الأسبوع والأسبوعين، مع دفع غرامة مالية قدرها 100 ألف دينار.

أما إذا تكرر هذا العنف فيعاقب مرتكبه بخدمة المجتمع، بما يتفق مع مؤهلاته وتخصصه، كالعمل في دور رعاية الأيتام والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة.

إجراءات غير رادعة!!
ورغم أن مجلس القضاء الأعلى قد أنشأ قبل سنوات “محكمة العنف الأسري”؛ إلا أن معدلات العنف الأسري في ارتفاع مستمر، حيث لم يعد مجرد وجود قانون يخيف من يتجاوزن بحق نسائهم أو أطفالهم، وتستقبل المستشفيات بشكل مستمر ضحايا لاعتداء ذويهم عليهم، كما حصل في النجف، إذ ألقت القوات الأمنية فيها القبض على رجل في حي ميسان بالمدينة، يدعى (مالك كاظم علي) قام بتعذيب ابنتيه الصغيرتين زهراء وغدير بطريقة وحشية، وتم نقلهما إلى مستشفى الفرات الأوسط في الكوفة غربي النجف، وقد أعلنت شرطة المحافظة أن الأب مريض نفسيًا وأنه يتعاطى المخدرات.

وقد أصبحت قضية تزايد العنف تجاه النساء والأطفال قضية أمنية تتداخل فيها عوامل العشيرة والمنطقة والمذهب، لذا قامت وزارة الداخلية بافتتاح “مديرية حماية الأسرة والطفل من العنف”، وهي مكونة من مقر عام بالإضافة إلى 16 قسمًا، من بينهما اثنان في جانبي الكرخ والرصافة من بغداد، وقسم في كل محافظة، لكن ذلك كله لم يحد من الظاهرة أو يحجم من خطرها المتنامي.

السلطة في قفص الاتهام
ويرى رئيس المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب (عمر الفرحان) أن مسؤولية انتشار هذه الظاهرة تقع بالدرجة الأساس على القانون والحاكم والسلطة، فوجود قوانين رادعة بشكل يتلاءم مع الانتهاك يمكن أن يحد من انتشار هذه الظاهرة، وفق ما يرى.

ويعتبر الفرحان –في مقابلة مع “وكالة يقين”- أن من مفارقات الوضع الذي يعيشه العراق أن الدستور الحالي لم يفعّل هذه القوانين سوى في مسودة على رفوف قاعة البرلمان، ولذا فان المسؤولية تقع مباشرة وبصورة كاملة على الحكومة في بغداد، ومن ثم المنظمات الدولية التي لم تحرك ساكنا “سوى كتابة تقاريرها في هذا الموضوع”.

ويوصي الناشط الحقوقي بتأهيل برامج الرعاية وحماية ضحايا العنف لمنع تكرار هذه الجرائم، وتشديد العقوبة على مرتكبيها، وتأكيد دور منظمات المجتمع المدني، وفي تنفيذ قانون حماية الأسرة من العنف بكافة صوره، بالإضافة إلى أهمية التوعية الاجتماعية والقانونية على كافة المستويات.

ويلقي الفرحان باللائمة على غياب القانون وانتشار الميليشيات والجماعات المسلحة خارج القانون، والطائفية السياسية، وحتى مع وجود القانون فإن هناك ما يسمى بإسقاط الملاحقات القضائية عن الجناة إذا تم التوصل لصلح، وهو ما لعب دورًا كبيرًا في اختلال المنظومة الأخلاقية، وانعدام الاهتمام الحكومي بواقع الأسرة، فضلًا عن انتشار “الجهل والتخلف” ممثلة ببعض التقاليد والأعراف القبلية، وتأثير انعكاس أعمال العنف والصراعات على المجتمع العراقي، والعامل الأبرز هو البطالة وانتشار الكحول والمخدرات، على حد قوله.

أطفال الشوارع
ويبدو أن العنف أصبح بالفعل سرطانًا ينخر جسد المجتمع العراقي ويقوض أركانه، فسنوات الاحتلال والعنف الطائفي والاحتراب الداخلي والفساد السياسي والمالي؛ بدأت آثارها تظهر بشكل واضح حتى في لعب الأطفال، ويحذر أطباء نفسيون من تنامي هذه الظاهرة وتأثيراتها السلبية على مستقبل الأجيال العراقية.

ويشير الطبيب النفسي (علي أسعد) –في مقابلة مع “وكالة يقين”- إلى أن المجتمع العراقي بات أكثر تقبلًا للعنف وتعاطيًا معه حتى في الخلافات الصغيرة، وقد أدى ذلك إلى تشوه نفسي أصبحت تعاني منه شرائح واسعة من أطفال العراق، وخاصة من أبناء الطبقة الفقيرة؛ نتيجة لما يلاقونه من إهمال أسري وتعنيف مستمر داخل البيت وخارجه.

ويحذر أسعد من ازدياد أعداد أطفال الشوارع الذي باتوا يشكلون “قنبلة موقوتة” على حد تعبيره، معتبرًا أن ارتفاع أعدادهم هو تعبير عن استشراء العنف في الجوانب السياسية والاجتماعية وحتى المنزلية، حيث تدفع المعاملة السيئة الكثير من الأطفال للجوء إلى الشارع بحثًا عن جو يجدون فيه احترامًا أكبر، أو يتقبلهم بعد أن لفظتهم المعاملة السيئة داخل البيت.

ويؤكد الطبيب النفسي أنه تعامل مع الكثير من الحالات التي يقوم فيها الأب بإجبار أبنائه على العمل في الشارع، لتوفير لقمة العيش، ومن يخالف هذا يعرض نفسه للضرب والإيذاء وربما الطرد، خاصة وأن ضرب الأطفال لا يعد عملًا معيبًا أو محرمًا في الكثير من الأوساط الاجتماعية في البلاد.

وهكذا أصبحت حياة العراقيين تسير في دوائر مغلقة من العنف السياسي والطائفي والاجتماعي، بالإضافة إلى الفساد السياسي والمالي، الذي يشكل البيئة المثالية لانتشار العنف الأسري، كما يقول الكثيرون.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات