الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » تحقيقات »

حملات الدعاية الانتخابية تبدأ في بغداد مبكرًا بوعود مكررة

حملات الدعاية الانتخابية تبدأ في بغداد مبكرًا بوعود مكررة

ما إن تقترب مواسم الانتخابات في العراق حتى تبدأ الأحزاب السياسية في التحرك باتجاه الشارع بشكل مكثف، عن طريق نشاطات اجتماعية وإنسانية، بمساندة إعلامية من قنوات وإذاعات ومواقع تواصل اجتماعي، من أجل كسب ود العراقيين والتأثير على قرارهم الانتخابي.

وتسعى هذه الجهات السياسية إلى طرح أسماء مرشحين لها، تقوم باختيارهم بعناية؛ بشرط أن يكونوا مؤثرين وأصحاب علاقات واسعة في المجتمع، وتدعمهم للقيام بنشاطات مؤثرة تستقطب اهتمام الناس وتثير انتباههم.

“التجارب السياسية السابقة أثبتت أن معظم الوعود التي تطلق في سياق هذه الحملات هي وهمية”

ويستخدم هؤلاء الساسة وسائل مختلفة من أجل تحقيق الكسب الجماهيري للوصول إلى مقاعد البرلمان أو مجالس المحافظات، وعادة ما يوظف المال في هذه الأنشطة بسخاء، في محاولة لتكوين رأي عام مساند للمرشحين المرتقبين.

وتشهد بغداد ومدن عراقية أخرى حملات محمومة منذ عدة أسابيع، يتسابق فيها المرشحون من أجل أن يحظوا بقبول شعبي.

ورغم أن التجارب السياسية السابقة أثبتت أن معظم الوعود التي تطلق في سياق هذه الحملات هي وهمية ولا ترى النور لاحقًا، إلا أن كثيرًا من السياسيين يعملون بنفس الطريقة كل مرة، ويجدون من ينتخبهم ويحملهم بأصواته إلى مواقع سيادية متقدمة، فالعراقيون كما يقول البعض يمتلكون “ذاكرة سمك”!!.

 

استغلال الفقر

وعادة ما تكون المناطق الفقيرة هي المستهدفة بالدرجة الأولى من هذه الحملات، حيث تقوم هذه الجهات السياسية بمحاولة استغلال حالة الفاقة والحاجة التي يعانونها من أجل التسويق لأنفسهم.

وفي منطقة حي طارق بمدينة الصدر بدأت الحملات الانتخابية مبكرًا هذا الموسم، حيث تستقبل المنطقة منذ أسابيع أفواجًا من السياسيين محملين بالهدايا والمساعدات، فضلًا عن إقامة ولائم في أماكن عامة، وربما يصاحب ذلك توزيع بعض المساعدات المالية.

يقول (سعد الكناني) -وهو سكنة المنطقة- لـ”وكالة يقين”: إنهم بدأوا باستقبال وفود من عدة كتل سياسية، وعلى رأسها حزب الدعوة والتيار الصدري وتيار الحكمة “الجديد”، محملين بوعود كبيرة بإصلاح الواقع الخدمي المتردي.

ووفقًا للكناني؛ فإن شوارع المنطقة تصبح بحيرات “بمعنى الكلمة” بسبب تراكم مياه الأمطار كل شتاء، وعدم وجود شبكة مجاري صحية، خاصة في المناطق “الزراعية” التي بدأت تشهد توسعًا سكانيًا كبيرًا، ويضيف أن طلباتهم من هؤلاء السياسيين ليست كبيرة، فهم لا يرغبون سوى في إصلاح المجاري، ورفع أطنان النفايات المتراكمة، والتي أصبحت مصدرًا للأمراض والأوبئة، وترميم المدارس وتحسين مستوياتها؛ لأن ذلك كله من مستلزمات الحياة الكريمة، التي يفتقدها العراقيون، لكن شيئًا من ذلك لا يحصل أبدًا، على حد قوله.

 

خطاب طائفي

وتسعى كثير من أحزاب السلطة لاستدرار عطف عوام الناس، عن طريق استخدام خطاب طائفي تخويفي من الآخر، وتهديدات برجوع “البعثيين” و”الصداميين” و”التكفيريين”، الذين سيمنعون الزيارة و”سينبشون” قبر الحسين!.

وبسبب حجم تأثير الخطاب المذهبي الذي تستخدمه الأحزاب الحاكمة، عن طريق وسائل إعلامهم وسياساتهم المختلفة، فقد أصبح لهذا الخطاب جمهور يقتنع به، ولا يهمه مدى صدقه من كذبه؛ لأن المهم هو “حماية المذهب”، وفق ما يرون.

يروي (حسين فليح) لـ”وكالة يقين”-وهو من أهالي منطقة الشعلة غربي بغداد- كيف تبدأ هذه الزيارات كل موسم انتخابي، حين يعلن أتباع هذه الأحزاب عن وصول مسؤول معين إلى المنطقة، ويعدون الجمهور بتعيينات وحل لمشاكل الخدمات، ثم يتم استقبال الزائر في حسينية المنطقة، بحضور عدد من شيوخ العشائر الموالين له، والذين يجبرون أبناء عشائرهم على الحضور والمشاركة في اللقاء.

ويضيف فليح للوكالة، أن الخطاب يفتتح بتوزيع مساعدات صغيرة، كوجبات طعام أو مدافئ وغير ذلك، وينتهي بوعود جديدة، “لن ترى النور أبدًا”.

ورغم أن معظم من يحضرون هذه اللقاءات يدركون أن هذه الوعود ليست صادقة، لكن بعضهم يعتقد أن بقاء الحكم بيد سياسيين من طائفته أفضل من ذهابه إلى خصومهم، الذين يريدون “الانتقام” منهم، كما يعتقد (كرار الشميلاوي)، والذي يعطي صوته كل انتخابات لمرشح من التحالف الوطني، يقول (كرار) لـ”وكالة يقين”: رغم أن معظم الساسة الذي ينتمون إلى طائفتنا كاذبون ولصوص، إلا أنهم أفضل من غيرهم، من “البعثيين” و”دواعش السياسة” الذين يكرهون الشيعة ويسعون للانتقام منهم، على حد زعمه.

 

المتاجرة بـ”الحشد”

“معظم الساسة يتخذون من قضية الحشد سُلَّمًا للوصول إلى مجلس النواب والمناصب العليا”

ولعل “موضة” الانتخابات القادمة ستكون المتاجرة بميليشيا الحشد الشعبي، واستغلال علاقة بعض السياسيين بالفصائل المسلحة التي تقاتل (تنظيم الدولة)، وقد بدأ بعضهم بنشر صور ولافتات كبيرة تجمعهم بقيادات ميليشيا الحشد وسط بغداد وفي مداخل المناطق ذات الأغلبية الشيعية.

لكن كثيرًا من المواطنين يعتبرون هذه الممارسات مجرد متاجرة بـ”نصر” لم يحققه هؤلاء السياسيون، ويرى (عباس الفتلاوي) أن معظم هؤلاء الساسة يتخذون من قضية الحشد سُلَّمًا للوصول إلى مجلس النواب والمناصب العليا، ويشير إلى وجود آلاف من عوائل قتلى الحشد التي لم يصلها أحد أو يقدم لها مساعدة، فأين غيرتهم المزعومة هذه، وفق ما يقول.

ويؤيده في الرأي (علي الخيكاني) الذي يقول لـ”وكالة يقين”: إن أخاه الذي قتل في معارك جرف الصخر لم يحصل حتى الآن على صفة “شهيد”؛ بسبب عدم اعتراف الحكومة بالفصيل الذي كان يقاتل معه، والنتيجة أن عائلته وبناته الاربعة يعشن حالة من الفقر والحاجة من دون وجود أي مساعدة أو راتب يعينهم على مواجهة صعوبات الحياة.

ويبدي كثير من سكان هذه المناطق تبرمهم من هذه الدعاية، وحتى أن بعض مناصري هذه الأحزاب والكتل السياسية يتحدثون بشكل صريح في مجالسهم الخاصة عن استغلال الساسة لقضية الحرب ضد تنظيم الدولة، والتي خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى، ودمارًا في مساحات واسعة من البلاد.

 

شيوخ عشائر

ويلجأ كثير من السياسيين في المواسم الانتخابية وما قبلها للاستعانة بشيوخ العشائر، عن طريق تقديم أموال وامتيازات لهم؛ من أجل استقطاب أبناء عشائرهم، وقد استفحلت هذه الظاهرة بشكل كبير في عهد رئيس الوزراء السابق (نوري المالكي)، والذي جمع حوله أعدادًا كبير من هؤلاء الشيوخ، واستثمرهم بشكل جيد في حملاته الانتخابية، لاسيما في المحافظات الجنوبية.

ويعتبر الكاتب الصحفي (نضال الدعمي) هذه الظاهرة مرتبطة بشكل كبير بالنظام السياسي الذي أرست دعائمه الأحزاب الطائفية التي قدمت مع الاحتلال الأمريكي، والذي يبدو خليطًا بين طائفية مذهبية وتقاليد محلية لمجتمع جنوب العراق، والذي يلعب فيه شيوخ العشائر أدوارًا كبيرة في الحياة العامة، وهو ما أدى إلى نشوء “دول” داخل الدولة في العراق، من دون أن تستطيع الحكومة إيقاف تجاوزاتهم؛ لأنها تحتاجهم وتعتمد عليها في كسب تأييد الشارع العراقي.

ويقول الدعمي لـ”وكالة يقين”: إن هنالك تحالفًا نشأ منذ سنوات بين شيوخ العشائر هؤلاء وعدد من “رجال الدين”، يتضمن المحافظة على المصالح المشتركة بينهما، عن طريق الولاء للأحزاب المتنفذة وتوفير الدعم والإسناد لها، مقابل ما يحصلون عليه من مناصب حكومية وأموال، حتى أصبح بعض شيوخ العشائر من كبار رجال الأعمال، على حد قوله.

ولا يعتبر الكاتب الصحفي أن هذه المشكلة ستنتهي قريبًا، لاسيما وأن النعرات العشائرية قد عادت لتلعب دورًا كبيرًا في حياة العراقيين، الذين أصبح كثير منهم يفضلون اللجوء إلى عشائرهم حين يتعرضون إلى مشاكل كبيرة؛ لأنهم لا يثقون بقدرة الدولة ولا القانون على حلها.

 

فئات مختلفة

“تقوم بعض الشخصيات بتنظيم بطولات لكرة القدم باستمرار، وزيارة ورعاية الرياضيين القدامى، للترويج لأنفسهم رعاة للرياضة”

ويركز هؤلاء الساسة نشاطهم على فئات مختلفة من المواطنين، من أجل ضمان الوصول إلى عوائلهم وأقاربهم ومعارفهم، وعادة ما تكون “المغريات” بحسب ما تحتاجه كل فئة، كالطلبة والرياضيين والأكاديميين وغيرهم.

ويقول (مهند العبيدي) -وهو طالب إعدادية من منطقة الأعظمية- لـ”وكالة يقين”: إن مرشحين لكتل سياسية يقومون كل فترة بعمل دورات تدريسية لطلبة السادس الإعدادي بشكل مجاني، ويوفرون كل المستلزمات التي يحتاجها الطالب؛ من أجل كسب تأييد أسرهم ومناطقهم.

كما أن للرياضة نصيب في نشاط هؤلاء السياسيين، حيث تقوم بعض الشخصيات بتنظيم بطولات لكرة القدم باستمرار، وزيارة ورعاية الرياضيين القدامى، للترويج لأنفسهم رعاة للرياضة.

وفي منطقة الحرية غربي بغداد أقام مرشحون عن ائتلاف دولة القانون بطولة في كرة القدم، بمشاركة عدد من مناطق جانب الكرخ كالشعلة والكاظمية والإسكان وغيرها، يقول (صالح الربيعي) -وهو لاعب في العشرين من عمره- لـ”وكالة يقين”: إن شخصيات معروفة بعلاقتها الوثيقة بالمالكي تواصلت مع عدة فرق رياضية في هذه المناطق، ووفرت لهم ملابس رياضية وكرات جديدة، بالإضافة إلى حجوزات في ملاعب “التارتان” باستمرار، وتُوّجوا تواصلهم هذا بإقامة بطولة للفِرَق الشعبية في هذه المناطق، ويرى الربيعي أن الوضع المادي السيئ لكثير من الرياضيين الشباب يدفعهم لقبول التعامل مع هذه الشخصيات، لأن الدولة لم توفر لهم أي دعم، على حد قوله.

 

تنافس طبيعي!

ويرى نواب ومسؤولون أن هذه التحركات طبيعية وتعبر عن جو “شفاف” يتنافس فيه من يستطيع تقديم شيء لناخبيه، كما يشير النائب عن نينوى (عبد الرحيم الشمري)، والذي يؤكد لــ”وكالة يقين” أن كثيرا من النواب كانت لهم جهود واضحة في خدمة مناطقهم، كما حدث مؤخرا في محافظة نينوى وأطرافها، عندما استعادت الحكومة المركزية الأقضية والنواحي المتنازع عليها، على حد قوله.

ويسرد النائب عددا من الوقائع التي يقول أنه كان يساند فيها جمهوره في نينوى، وخاصة في مناطق ربيعة وزمار وسنجار وغيرها، حيث “وقف” إلى جانب سكان تلك المناطق من المهجرين، وكان دائم الزيارة لهم، ثم أشرف بنفسه على عودتهم إلى مناطقهم، كما يقول، ومن حقه أن يوثق جهوده تلك، حتى يعلم المواطنون “من وقف إلى جوارهم ومن خذلهم”.

من جانب آخر؛ يعتبر النائب عن التيار الصدري (مازن المازني) أن الدستور والقانون يكفلان حق التعبير عن الرأي بطريقة سلمية، كما يسمحان بالترويج والدعاية الانتخابية، وما يحدث من بعض النواب هو ممارسة لحقوقهم في إقناع المواطنين باختيار من يفضلهم بشكل جيد.

لكنه لا ينكر أن بعض السياسيين يحاولون الاصطياد في الماء العكر، عن طريق ترويج بعض الشائعات ومحاولات تسقيط خصومهم، أو إثارة نعرات وفتن طائفية تمزق المجتمع، غير أن الاحتكام إلى القضاء يمكن أن يحد من هذه الممارسات، خاصة بعدما تم التصويت على “قانون الأحزاب”.

ويؤكد المازني لــ”وكالة يقين” أن هذه الممارسات لا تبرر منع النائب أو المسؤول من ممارسة حقه في الترويج لنشاطاته و”جهوده”، كما أن من واجب السلطات القضائية والتنفيذية منع أي تصرف أو نشاط يشوبه الكذب والتضليل، أو الإضرار بمصالح العراق العليا، وفق ما يرى.

 

إعلانات ممولة

وبسبب انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وكثرة استخدامها من قبل العراقيين؛ فقد أصبح لكل مرشح محتمل صفحة ممولة في الفيسبوك وغيره من المواقع، ينفق عليها آلاف الدولارات أحيانًا؛ من أجل الوصول إلى عدد أكبر من المتلقين.

ويعج الفيسبوك بالصفحات التي تمثل اتجاهات سياسية وتروج لها، فصفحة (ملتقى البشائر) على سبيل المثال والتي يتابعها مئات الآلاف؛ تروج بشكل صريح للمالكي ومعها عشرات الصفحات الأخرى الكبيرة، وتسعى لإبراز ما تعتبرها إنجازات له، فيما يدعم رئيس ديوان الوقف السني (عبد اللطيف الهميم) عددًا من الصفحات الكبيرة ويغدق عليها الأموال، مثل صفحة (كش عا) الساخرة، والتي تحرص بين الحين والآخر على الترويج له ولنشاطاته.

ويعتاش بعض أصحاب هذه الصفحات على ما يقدمه السياسيون لهم من دعم بين الحين والآخر، فصفحة (الاعظمية نيوز) تروج باستمرار لعدة سياسيين يقومون بتمويل الصفحة شهريًا، ولا غرابة أن تجد ساسة متخاصمين يتم الترويج لهم وتحسين صورتهم جماهيريًا في نفس الصفحة.

فأخبار (محمد الكربولي) و(سليم الجبوري) و(عبد اللطيف الهميم) وآخرين حاضرة دومًا في هذه الصفحة، رغم العداء الشخصي وتقاطع المصالح فيما بينهم، لكن الأمر يبدو صفحة تجارية تتولى تسويق “بضاعة” بعض الساسة مقابل ثمن يتلقاه صاحبها بشكل مستمر.

وتلجأ بعض الصفحات إلى استهداف ممنهج لبعض الشخصيات المعادية للجهات التي ترعاها، ولا يمر أسبوع في العراق من دون أن يتم نشر فضيحة عن سياسي أو رجل دين أو شخصية عامة، وسرعان ما يتداول العراقيون هذه الأخبار، لتسهم في تشكيل رأيهم العام بشكل مباشر وغير مباشر.

 

تبريرات

لكن ما يعتبره البعض عيبًا وارتزاقُا متمثلا في الترويج الإعلامي “المنحاز” عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ يعده أصحاب هذه الصفحات عملا مشروعا يشبه مشاريع المقاولة، على حد قولهم، ويقول (ش . م) -وهو أحد المشرفين على واحدة من أكبر خمس صفحات عراقية على الفيسبوك- لــ”وكالة يقين”: أنهم لا يتعمدون الكذب على الجمهور، وأن كل ما يقومون به هو نقل أخبار هؤلاء المرشحين ونشاطاتهم، كما تفعل الكثير من القنوات التلفزيونية والإذاعات، لذا فإن هذا العمل “مشروع” من وجهة نظره.

ويضيف المشرف أن “المصداقية” التي تتحلى بها صفحته هي التي تدفع هؤلاء السياسيين للجوء إليهم لتعريف الجمهور بنشاطاتهم، لذا فإنهم يرفضون الترويج لشخصيات يتفق الجميع على أنها فاسدة، لكن مجرد وجود شبهات على شخص معين أو تهم غير مثبتة لا يدعوهم لقطع التعامل معه، لأن ذلك قد يكون “مكايدات سياسية”.

وحول المبالغ التي يتقاضونها من هذه الشخصيات فهي تتفاوت بحسب المادة المنشورة وقوة الصفحة –كما يشير المشرف- فالصفحات الكبيرة والمؤثرة مثل “الأعظمية نيوز” و”الخوة النظيفة” و”مشاهير العراق” عبر الانستغرام؛ تتقاضى مبلغ 600 دولار مقابل البث المباشر لفعالية أو نشاط خاص بجهة سياسية أو اجتماعية، أما الأخبار فهي تختلف بحسب حساسية الخبر أو عدد الأخبار التي تنشر في اليوم الواحد، كما أن معظم هذه الصفحات تتقاضى مبالغ شهرية ثابتة، مقابل التعهد بنشر الأخبار التي تردهم من الجهات المذكورة، وتصل بعض هذه المبالغ إلى 1000 دولار، وتزداد بحسب قوة الصفحة.

ويبرر (ش . م) هذا التعاون مع السياسيين بأنه إسهام في الكشف عن بعض ملفات الفساد التي يقوم نواب ومسؤولون بنشر تفاصيلها، كما أن معظم العاملين في هذه الصفحات يفتقرون إلى عمل ثابت، مما يجعل ذلك أشبه بالوظيفة بالنسبة لهم، على حد وصفه.

 

جيوش إلكترونية

وبالإضافة إلى هذه الصفحات فإن كثيرًا من السياسيين يسعون لتشكيل ما بات يعرف بـ”الجيوش الإلكترونية” وهم مجموعة من الأشخاص المتفرغين، يقوم كل واحد منهم بإنشاء حسابات متعددة تتجاوز العشرين أحيانًا، ثم يتجول في الصفحات الكبيرة من اجل تسقيط شخص ما أو تلميع صورة آخر، مقابل رواتب شهرية يتلقونها.

وعادة ما تنشأ مجموعات خاصة على الفيسبوك مكونة من أفراد من هذه الجيوش الإلكترونية، وتتفرع منها مجموعات أصغر، يتم توجيه الاعضاء فيها إلى حملات تجاه صفحات أو شخصيات معينة، من أجل القيام بالتبليغ أو الدخول والتعليق بكثافة باتجاه معين.

ويقول الناشط (عبد الله العزاوي) لـ”وكالة يقين”: إن هذه الطريقة استخدمت بشكل كبير من قبل المالكي، الذي كشفت مصادر حكومية عن وجود أكثر من ستة آلاف صحفي يعملون معه أثناء توليه لمنصب رئيس الوزراء، حيث كان يوفر لهم رواتب شهرية من أجل الترويج له والدفاع عن سياساته في مواقع التواصل الاجتماعي والصحف والمجلات.

لكن العزاوي يؤكد أيضًا أن كثيرًا من الناشطين استثمروا قضية (الهاشتاك) لنصرة بعض القضايا الإنسانية والاجتماعية، كما فعل صحفيون وناشطون في الترويج للوضع الإنساني الكارثي الذي كانت تعيشه الفلوجة أيام الحصار الحكومي لها، فأطلقوا هاشتاكًا بعنوان (#الفلوجة_تموت_جوعا)، مما ساهم في لفت أنظار الكثير من العراقيين والعرب والمسلمين إلى معاناة المدينة الإنسانية، وتطور هذا النشاط إلى قضايا أخرى، كان من بينها فضح الإعلامي الطائفي (وجيه عباس)، بعدما تطاول على الخليفة الراشد عثمان بن عفان (رضي الله عنه) في برنامجه الذي يقدمه من على شاشة قناة (العهد)؛ مما أثمر عن إيقاف برنامجه لمدة أسبوع، و”اعتذاره” شخصيًا عن هذه الإساءة.

 

رفض واحتجاج

“الشارع العراقي يعيش حالة من الوعي بدأت تتمثل في رفضه لكل من يستخدم خطابًا طائفيًا من السياسيين”

لكن هذا الخطاب الطائفي بدأ يلاقي رفضًا في العديد من الأوساط الشعبية، بعد موجة من التحولات الفكرية والاجتماعية التي يشهدها الشارع العراقي، وترجمت هذه التحولات حوادث في عدة محافظات، تمثلت في طرد ممثلي بعض الأحزاب والتهجم عليهم بالسباب والشتائم، واتهامهم بالكذب والسرقة.

وقد استقبل سكان الناصرية جنوبي العراق رئيس الوزراء السابق (نوري المالكي) -أثناء زيارته لمدينتهم- نهاية العام الماضي بهتافات مستنكرة ومطالبات بطرده من المدينة، ورفع المحتجون “أحذيتهم” مصحوبة بشتائم له، مما أدى إلى انسحابه بعد اختصاره للخطاب الذي ألقاه، وهو نفس ما حصل في عدة أماكن من بينها العمارة، التي حاصر بعض سكانها مقر إقامته وطالبوا بطرده من المحافظة.

ويرى الناشط (عبد الامير ناصر) أن الشارع العراقي يعيش حالة من الوعي بدأت تتمثل في رفضه لكل من يستخدم خطابًا طائفيًا من السياسيين، وحالة الوعي هذه تتزايد باستمرار، وفق ما يرى.

وبحسب ناصر؛ فإن هؤلاء لم يعودوا يجدون ذلك التعاطف والاستقبال الحار الذي كانوا يجدونه قبل سنوات، بل إن الكثير منهم بدأ يغير جلده نحو “المدنية”؛ لأن تجربة الأحزاب ذات “التوجهات الدينية الطائفية”، وخاصة الشيعية منها أوصلت العراق إلى طريق مسدود.

 

فضح للفاسدين

وفي شارع المتنبي بقلب بغداد؛ يتجمع ناشطون وإعلاميون كل يوم جمعة، من أجل “فضح” الجماعات والأحزاب التي تتاجر بالإسلام، كما يقولون.

“الخطاب الطائفي الذي قتل بسببه مئات آلاف العراقيين لم يعد يجد صدى في الشارع كما هو الحال سابقًا”

وعادة ما تستقطب هذه التجمعات في الشارع وما حوله في القشلة والمركز الثقافي البغدادي مواطنين عراقيين عاديين، يبدون تعاطفهم مع هذه الطروحات، بسبب ما عانوه من الأحزاب التي تحكم البلاد منذ عام 2003.

ويقول (محمد فاضل) -وهو من أهالي منطقة زيونة شرقي بغداد-: إن الطبقة السياسية التي حكمت العراق منذ مجيء الاحتلال الأمريكي أوصلت البلاد إلى الحضيض، فقد انهار الاقتصاد، وكثرت العصابات المسلحة، وتم تدمير البنى التحتية للمدن العراقية، واصفًا معظم المسؤولين الحاليين بـ”الجهلة” و”الأميين”.

أما (ياسر كمال) -وهو مهندس شاب من منطقة حي الجامعة غربي بغداد- فيؤكد لـ”وكالة يقين” قائلًا: إن الخطاب الطائفي الذي قتل بسببه مئات آلاف العراقيين لم يعد يجد صدى في الشارع كما هو الحال سابقًا، ولا يستبعد أن تخسر الحركات الطائفية مناطق كاملة كانت تصوت لصالحها في الانتخابات، بعد الفشل الذريع الذي منيت به تجربتها.

ورغم أن ملامح المرحلة المقبلة تبدو غامضة نوعًا ما؛ بسبب رياح التغيير التي تهب على المنطقة، وفي مقدمتها استفتاء إقليم كردستان؛ إلا أن رصيد الأحزاب الحاكمة قد تراجع كثيرًا في الشارع، ولم يعد أمامهم سوى إثارة فتن طائفية أو قومية من أجل تحشيد الناس خلفهم، في أزمة جديدة أو حرب جديدة، الخاسر فيها هو الشعب العراقي دومًا.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات