الإثنين 18 ديسمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » تحقيقات »

الإكسباير.. سموم تباع على الأرصفة في العراق والعوز يدفع المواطن لشرائها

الإكسباير.. سموم تباع على الأرصفة في العراق والعوز يدفع المواطن لشرائها

قسم التحقيقات – العراق

كادت محاولات التوفير التي يتبعها (حسام بدر اللهيبي) أن تكلفه حياة أصغر أبنائه والذي أصيب بأعراض التقيؤ مع آلام شديدة في البطن، وهو ما شخصه الطبيب المختص في مستشفى اليرموك بحالة تسمم غذائي حادة؛ ناتجة عن تناول طعام فاسد، وتطلب إجراء عملية غسل معدة ومراقبة الحالة لثلاثة أيام تحت العناية في المستشفى.

“تجارة الاكسباير لا تقتصر على المواد الغذائية وحدها؛ بل تتعداها إلى الأدوية”

ومع انتهاء أزمة اللهيبي بسلام؛ إلا انه قطع عهدًا على نفسه بعدم شراء المواد الرخيصة المعروضة على الأرصفة في مناطق سوق الصدرية والباب الشرقي ببغداد مبينًا لـ”وكالة يقين” أنه كان يشتريها ويعتقد أنها أرخص من باقي المناطق لأنها مشتراة بالجملة ولم تمر بتجار التجزئة، ولكن الحقيقة التي أدركها متأخرًا أن أغلبها منتهية الصلاحية، وتمت استعادته من الأسواق والمحال الرصينة.

ولا يخفي اللهيبي حقيقة أن الأسعار الرخيصة هي دافعه الأول لشراء هذه المنتجات، وخصوصًا اللحوم المعلبة والألبان؛ وذلك لامتلاكه عائلة كبيرة مؤلفة من 10 أولاد وأمهم، مقابل راتب هزيل يحصل عليه بعد 21 سنة من الخدمة في وزارة الثقافة العراقية، ولكنه لم يعد مستعدًا للمخاطرة بحياة أحدهم من أجل التوفير أو التقشف.

 

أدوية بربع سعرها الحقيقي

ولكن الصيدلاني (براء الحسان) يؤكد أن تجارة “الاكسباير” لا تقتصر على المواد الغذائية وحدها؛ بل تتعداها إلى الأدوية، حيث تتواجد في أغلب الأسواق الشعبية في بغداد، فضلًا عن المحافظات (بسطيات) متخصصة ببيع أنواع الأدوية، وهو أمر راقبه بنفسه بعد مقارنة زبائنه بين أسعاره المرتفعة وتوفر ذات الأدوية بأسعار منخفضة، مضيفًا أن أحد زبائنه عرض عليه دواء اشتراه بربع السعر الذي يباع به في الصيدليات.

الحسان الذي يدير صيدلية في منطقة نفق الشرطة ببغداد، أوضح لـ”وكالة يقين” أن البسطيات الدوائية المتواجدة في أسواق البياع وحي العامل والحرية تعرض مختلف الأدوية وبأسعار زهيدة ، مبينًا أن علبة بنادول لعلاج الزكام تباع في الصيدليات بـ6000 دينار، ويمكنك الحصول عليها من البسطيات بسعر 2000 دينار، ودواء كولونا لمعالجة تهيجات القولون يتوفر لديه بـ3000 دينار ويمكن الحصول عليه بـ1000 دينار، وحتى دواء كونكور المخصص لعلاج اضطراب نبضات القلب، وسعره 12 ألف دينار ويمكنك الحصول عليه من على الرصيف بسعر 4000 دينار أو اقل.

ويتابع الصيدلاني الشاب للوكالة: إن المصيبة والكارثة أن اغلب بائعات الأدوية من النساء وتحديدًا المسنات ولا تعرف الاسم؛ وإنما تحفظ الأسعار حيث يقوم الزبون بالتأشير على الدواء المطلوب وتخبرك هي بالسعر ، لافتًا إلى أن جميع هذه الأدوية لا تحمل تاريخ إنتاج أو انتهاء صلاحية، حيث تمت إزالة هذه المعلومات منها بشكل متعمد، ولإخفاء هويتها التالفة مبينًا أن هذا الأسلوب يكون متبعًا مع المواد الغذائية أيضًا.

 

محو تاريخ الصلاحية وطباعة آخر

“بيع هذه المواد يتم منذ سنوات بشكل علني، ويتوافد عليه زبائن بالمئات، والعملية كلها تجري أمام أنظار عناصر الشرطة والأجهزة الرقابية”

لكن (بشير جواد الصفار) وهو مختص بالفحص والتقييم في شركة “زهرة بغداد” لتجارة المواد الغذائية في سوق جميلة “شرق بغداد”؛ ينوه إلى أن عمليات إخفاء التاريخ أو حتى طباعة تاريخ جديد على البضاعة هي عملية ممكنة مع توفر مكائن وأدوات حديثة تتيح للتاجر الغشاش أن يقوم بهذه العملية ، لافتًا إلى أن الشركات المصنعة والتي تتعامل مع أسواقنا تدرك هذا الأمر، وبدأت باستخدام أساليب حديثة في طباعة التاريخ بطريقة الحفر العميق أو البارز أو الفسفوري، وهي طرق تجعل من عملية المسح وطباعة تاريخ جديد عملية شبه مستحيلة.

ويلقي الصفار في حديثة لـ”وكالة يقين” بجزء من اللوم في هذه المشكلة على المواطن الذي لا بد أن تكون لدية ثقافة استهلاكية عالية، تتمثل في عدم شراء المواد الغذائية المعروضة على الأرصفة وتحت أشعة الشمس حتى لو كانت رخيصة، فضلًا عن مراقبته لتواريخ الإنتاج والانتهاء، وملاحظة العلامات الغريبة عليها مثل المسح أو التغيير ، مبينًا أن التاريخ الأصلي يكون غير قابل للحك والإزالة بالأصابع، مع الإشارة إلى ضرورة ملاحظة علامات التغيير التي قد تحصل على المواد الغذائية بسبب قدمها أو تلفها، بسبب الحرارة الزائدة أو الرطوبة مثل البقع الداكنة أو الرائحة أو تغيير لون المنتج.

 

تحت مرأى ومسمع رجال الأمن

من جهته يوضح (سوران شيخ حمه)، وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية بالجملة في سوق شيخ الله وسط مدينة أربيل، أن هذه البضاعة لا يشترط أن تكون منهية الصلاحية فعلًا؛ لأن بعض الشركات والمولات تقوم بتجميع موادها الغذائية قبل انتهاء صلاحيتها بأسبوعين أو أقل وتعرضها للبيع بأسعار مخفضة، ويكون الزبون دائمًا هم أصحاب البسطيات المتخصصة ببيع هذا النوع من المواد حيث يعرضونها بأسعار تغري المواطنين على شرائها، وخصوصًا الفقراء منهم والنازحين الذين يعانون من ضيق ذات اليد.

ويضيف شيخ حمه لـ”وكالة يقين”: إن هذه التجارة تقوم بتصريف عشرات الأطنان يوميًا، حيث تتوزع نقاط البيع على أكثر من خمسة أماكن في سوق شيخ الله وحده، وتجني من ورائها الملايين من دون حساب لأضرار هذه المواد وعواقبها على الصحة ، مستدركًا بأن المتعارف عليه في الشركات الرصينة أن المواد التي توشك صلاحيتها على الانتهاء يتم إتلافها بوجود موظف من دائرة الرقابة الصحية، مع توثيق عملية الإتلاف بالفيديو؛ لغرض إرساله إلى مقر الشركة الرئيس.

ويشير التاجر شيخ حمه، أن بيع هذه المواد يتم منذ سنوات بشكل علني، ويتوافد عليه زبائن بالمئات، والعملية كلها تجري أمام أنظار عناصر الشرطة والأجهزة الرقابية ، محذرًا أن هذه المواد تتفاوت في سميتها وتأثيراتها السيئة حيث تسجل منتجات اللحوم والألبان التأثير الأسوأ، وتظهر أعراضها بشكل أسرع من غيرها من المنتجات الغذائية.

ما هي تبعات تناول الاكسباير ؟

من جهته يوضح استشاري الأمراض الباطنية والقلبية الدكتور (معاذ نزهان)، أن حالة التسمم الغذائي هي أبرز ما يصاب به الشخص الذي يتناول مواد غذائية منتهية الصلاحية، وتكون الأعراض متفاوتة بين الغثيان وارتفاع درجات الحرارة والمغص، ويمكن أن تتطور الأعراض إلى التشنجات القوية والتعب الشديد والتهيج الجلدي، وفي الحالات القوية يمكن أن يصاب الشخص بأضرار في الجهاز العصبي ، مضيفًا بان الأعراض قد تستمر لفترة طويلة وبحسب قوة السمية في المادة المنتهية أو درجة المناعة والحالة الصحية العامة للشخص المتسمم.

وبخصوص الأدوية الاكسباير يشير الدكتور نزهان في حديث لـ”وكالة يقين”، إلى أن المادة الفعالة في الدواء تنخفض بشكل كبير بعد انتهاء صلاحية الدواء، ويكون استخدامها بدون فائدة، أو ينعكس بشكل سلبي على صحة المريض، خصوصًا بالنسبة للمضادات الحيوية وأدوية علاج السكر، والتي تبدأ المادة الفعالة فيها بالتحول الكيميائي، والتي تترك آثارًا سلبية بالغة الضرر على الكلى، وتهدد بحصول الفشل الكلوي والوفاة.

الصحة: نراقب عن كثب

من جانبه يقر (حسن سلمان) من قسم الرقابة في وزارة الصحة والبيئة بوجود بعض ضعاف النفوس الذين يتاجرون بغذاء الناس وأرواحهم، ولكنه يستدرك بأن الحالة ليست منتشرة بشكل واسع، وإن فرق الوزارة تعمل بشكل مستمر لمراقبة الأسواق من أجل معاقبة المخالفين وإتلاف المواد التي يثبت بالفحص أنها منتهية الصلاحية.

“التجارة تقوم بتصريف عشرات الأطنان يوميًا، حيث تتوزع نقاط البيع على أكثر من خمسة أماكن في سوق شيخ الله وحده”

سلمان العامل في أحد الفرق التفتيشية التابعة للوزارة قال لـ”وكالة يقين”: إنهم يرحبون بأي شكوى من مواطن بخصوص المواد التالفة، أو أي ظاهرة سلبية أخرى متعلقة بالأمر، وتم تخصيص خط ساخن للإبلاغ عنها، وهناك تواجد شبه يومي في الأسواق لمراقبتها ، مشددًا على أن العقوبات على هذه الجريمة تبدأ من الغرامات المالية أو إغلاق المحال أو حتى سجن المتاجر بمثل هذه المواد.

وبشأن بسطيات الأدوية والمنتجات الغذائية الاكسباير؛ أوضح المراقب الصحي للوكالة أن عملية الإنذار أو الإزالة هي من تخصص البلدية، ولكنهم يعملون بشكل جماعي في حال ورود بلاغ عن رصد مادة منتهية الصلاحية ، مشيرًا إلى أن هذه الظواهر في طريقها إلى الزوال أو الانكماش الشديد خلال الفترة المقبلة ، على حد تعبيره.

عبوة إيرانية مسمومة

ولكن البائع (أبا علاء) في سوق ساحة الطيران ببغداد يعقب على كلام المسؤول الصحي، ويتحداه إن كانت فرقهم التفتيشية قد أجرت جولة واحدة من شهور في المنطقة التي تضم محله، حيث يصر على وجود كميات لا حصر لها من المواد الغذائية الرديئة والتالفة، والتي يملأ ضجيج باعتها أركان السوق وهم يعلنون عن بضاعة “برخص التراب”، أو “بلاش يا ولد” أو “خلي الفقير ياكل”، وغيرها من الشعارات التي تخفي حقيقة هذه المواد.

أبو علاء الذي تحدث إلى “وكالة يقين” بشرط عدم ذكر اسمه الصريح قال: إنه شخصيًا عثر في هذا السوق على عبوة لبن مخفف إيرانية الصنع تباع في السوق بعد مرور ثلاثة أيام على انتهاء صلاحيتها، وقام بتصويرها واحتفظ بها، واستمر البائع بعرضها لمدة أيام حتى انتهاء الكمية ، مشيرًا إلى أنه من المعروف والبديهي أن منتجات الألبان تتحول بعد انتهائها إلى مواد قاتلة بفعل التحولات الكيميائية التي تطرأ عليها وبوجود المواد الحافظة .

ويأسف أبو علاء؛ لأن ضحايا هؤلاء الجشعين والمجرمين هم جميعًا من طبقة الفقراء والناس البسطاء والكادحين الذين يحصلون على رزقهم يومًا بيوم، ليشتروا لعوائلهم أكبر كمية ممكنة من الطعام، وبأقل الأسعار، ولكنهم في الحقيقة يشترون المرض الذي تظهر أعراضه بشكل مباشر، أو قد تتجمع بمرور الزمن وتؤدي إلى الأمراض المستعصية والخبيثة ، داعيًا المسؤولين وأصحاب القرار إلى وقت مستقطع من أعمال النهب وإثارة الفتن وجني المصالح الشخصية، وأن يلتفتوا قليلًا إلى حال الفقراء في هذا البلد المبتلى ، على حد قولة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات