الأربعاء 20 يونيو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تحقيقات »

ذي قار.. أرباح وفيرة لأصحاب معامل الطابوق وأمراض سرطانية للسكان

ذي قار.. أرباح وفيرة لأصحاب معامل الطابوق وأمراض سرطانية للسكان

قسم التحقيقات – ذي قار

بالرغم من اتفاق أغلب سكان المنطقة الشرقية من محافظة ذي قار “جنوب العراق” على زيادة واضحة ومخيفة في الحالات السرطانية وأمراض الجهاز التنفسي، جراء استنشاقهم المستمر لدخان معامل الطابوق المنتشرة في المنطقة؛ إلا أن السلطات الصحية تصر على عدم وجود ارتفاع في هذه الإصابات، بينما يتعهد مسؤول بيئي بملاحقة أي معمل يخالف الشروط والتعليمات ويتسبب بضرر للمواطنين، الذين يؤكدون بدورهم أنهم يصدقون بسحابة الدخان الأسود التي تحوم فوق منطقتهم أكثر من تصريحات المسؤولين.

وتحتوي محافظة ذي قار على ما يقارب الـ110 معامل للطابوق، يعمل قسم كبير منها بنظام حرق النفط الأسود و تقوم بطرح آلاف الأطنان من الدخان الأسود بشكل يومي ، بينما يستحوذ قضاء الإصلاح “شرق المحافظة” على أكثر من 40 معملًا منها، وتقع في منطقة غير بعيدة عن قرى تضم المئات من العوائل، والتي تعد الأكثر تأثرًا بمخلفات هذه المعامل.

أمراض بالجملة

بكلمة “العذاب” يصف (حسن كريم الرميض) حياتهم اليومية في القرى المحيطة بمنطقة المعامل في قضاء الإصلاح، حيث لا تنقطع روائح الدخان الأسود عنهم في الليل والنهار، وتمنعهم حتى من تشغيل المبردات في عز الصيف القائظ، وهي معاناة يؤكد أنها بسيطة مقارنة بالأمراض التي تصيب الجميع، وتتدرج من صعوبة التنفس إلى أمراض الحساسية والتدرن، وتصل إلى سرطان الثدي للنساء والرئة للرجال.

“أغلب العاملين في هذه المصانع -وخصوصًا القدماء منهم- أصيبوا بأمراض الجهاز التنفسي سواء أثناء خدمتهم أو بعد تركهم للعمل بسبب تقدم السن”

الرميض البالغ من العمر 57 عامًا، والساكن في قرية الهندي التابعة لناحية الإصلاح؛ أوضح لــ”وكالة يقين“، أن ثلاثة من أحفاده مصابون بالتحسس، ويتعرضون لنوبات اختناق بشكل مستمر، وهو ما يستدعي نقلهم إلى المركز الصحي، أو العيادات الخاصة لوضعهم على جهاز الأوكسجين، مشيرًا إلى أن أحد أبناء عمومته المصاب بسرطان الرئة رحل بشكل نهائي إلى العاصمة بغداد؛ من أجل تلقي العلاج في مستشفى تخصصي هناك.

ويبين الرميض أنهم -ومنذ سنوات- يطالبون بحل جذري لمشكلتهم المزمنة، وطرقوا أبواب أغلب المسؤولين بحثًا عن قرار وتحرك، ولكنهم لم يحصلوا سوى على الوعود، في وقت يتزايد عدد المعامل وتزحف بالتدريج نحو المناطق السكنية، ويتحجج أصحابها بأنهم يوفرون المئات من فرص العمل للسكان الفقراء.

نظام عمل أشبه بالعبودية

وفي قرية محيسن المجاورة يصر الشاب (علي باسم الفرطوسي) على عدم العودة مرة أخرى للعمل في معمل الطابوق بعد إصابة أخيه الأكبر بمرض التدرن الرئوي، وهي بمثابة مكافأة نهاية الخدمة لــ20 عامًا قضاها في العمل هناك، وبأجر شهري لا يكفيه حاليًا لشراء الدواء الذي يحتاجه في كل أسبوع، مبينًا أنه يفضل العمل في أي مهنة مهما كانت متواضعة على أن ينتظر مصيرًا مماثلًا لأخيه الراقد في الفراش.

الشاب الفرطوسي كان يعمل لمدة 13 ساعة يوميًا في الأفران والتجفيف والرصف وجميع مراحل صناعة الطابوق في المعمل، ويبذل جهدًا كبيرًا مقابل أجر يومي لا يتجاوز الــ20 ألف دينار، وهو أكثر من أجرة النساء العاملات بالعشرات هناك، واللواتي يتقاضين 15 ألف دينار، بينما يتقاضى الأطفال 10 آلاف دينار .

ويصر الفرطوسي في حديثة لـــ”وكالة يقين” على أن أغلب العاملين في هذه المصانع -وخصوصًا القدماء منهم- أصيبوا بأمراض الجهاز التنفسي سواء أثناء خدمتهم أو بعد تركهم للعمل بسبب تقدم السن، مضيفًا أن العاملين لا يمتلكون أي حقوق سوى أجرتهم اليومية، ولا تصرف لهم مكافأة تقاعدية أو حتى مساعدة مالية لشراء العلاج، وهو ما يجعل هذا العمل أشبه بالعبودية التي تنتهي بالمرض، على حد تعبيره.

مديرية البيئة تتوعد

من جهته يؤكد مدير بيئة ذي قار (محسن عزيز) استمرارهم بـفرض عقوبات الغلق وتخفيض الحصص النفطية بحق المعامل التي لا تلتزم بتنصيب منظومة الحرق الآلي، والتي من شأنها أن تقلل من نسبة التلوث المصاحب للدخان المنبعث من عملية صناعة الطابوق .

“لا تقف الاتهامات لأصحاب المعامل بتلويث الهواء ونشر الأمراض؛ بل تتعداها إلى تغيير طبيعة الأراضي المقامة عليها والمجاورة لها، وتحويلها من زراعية عامرة تعج بالمحاصيل إلى أراض مقفرة”

وتسعى دائرة البيئة في المحافظة لمنع إنشاء أي معامل جديدة للطابوق في قضاء الإصلاح، بحسب مديرها الذي أكد مخاطبة المحافظة ومجلسها لوضع صيغة تمنع إصدار أي إجازات جديدة لهذه المعامل من أجل الحد من آثارها السلبية على المواطنين، داعيًا الراغبين بإنشاء معامل جديدة إلى إيجاد مناطق أخرى غير القضاء الذي بات يضم عددًا كبيرًا من هذه المعامل.

المسؤول البيئي قال لـــ”وكالة يقين”: إن هناك معامل غيرت من وقت عملها إلى الليل، ولكنهم في مديرية بيئة ذي قار أيضًا قاموا بتفعيل الدوام المسائي لفرق التفتيش التابعة لهم من أجل مواصلة الزيارات وجولات التفتيش، ومتابعة الالتزام بالشروط البيئية، وفي مقدمتها: نصب منظومة الحرق التي تساهم بشكل كبير في تقليل نسبة التلوث.

منظومة إيرانية تفاقم المشكلة

لكن المهندس (كامل رشيد البعيجي) يشكك بكفاءة أغلب المنظومات التي تم نصبها في معامل الطابوق بعموم محافظة ذي قار، قائلًا: إنها من منشأ إيراني وذات نوعية رديئة لا تساهم بشكل فعلي في تقليل نسبة التلوث المنبعثة من مداخن معامل الطابوق، ويتم تنصيبها لإسكات مسؤولي البيئة، وحتى يتم التأشير على معاملهم بأنها مطابقة للشروط، ولا تشكل خطرًا على البيئة .

“جميع الأراضي المقامة عليها معامل الطابوق كانت زراعية وتستخدم لرعاية المواشي قبل أن تأتي موضة معامل الطابوق”

المهندس الذي أشرف على نصب عدد من المنظومات الخاصة بالحرق الآلي في معامل ذي قار وبغداد، أوضح لــ”وكالة يقين” أن المنظومات الإيرانية يتم اللجوء إليها من قبل أصحاب المعامل؛ لأنها رخيصة، وتوفر لهم مبالغ طائلة، بينما يبتعدون عن المنظومات ذات المنشأ الكوري، والتي تمثل الحل الحقيقي لتقليل التلوث، وتساهم في تحسين نوعية الانبعاثات الصادرة من المعمل، وممكن أن يلاحظ السكان الفرق واضحًا لو التزمت جميع المعامل بتركيب هذه المنظومة.

ويتابع البعيجي، أنه ومن المفترض أن تتحول جميع المصانع العاملة بالنفط الأسود إلى التشغيل باستخدام الغاز، وذلك وفقًا للتوجيه الأخير الصادر من وزارة النفط، والتي اجتمع المسؤولون فيها بأغلب مصانع الطابوق في العراق، وأوضحوا لهم ضرورة ترك العمل بالمادة القديمة ذات التلوث العالي، والتحول إلى الغاز باعتباره وقودًا نظيفًا، مستدركًا أن أصحاب المعامل يعارضون هذه الخطوة ويرون فيها تأثيرًا على أرباحهم.

الأمراض تطال الزراعة والمواشي

ولا تقف الاتهامات لأصحاب المعامل بتلويث الهواء ونشر الأمراض؛ بل تتعداها إلى تغيير طبيعة الأراضي المقامة عليها والمجاورة لها، وتحويلها من زراعية عامرة تعج بالمحاصيل إلى أراض مقفرة بحسب (قاسم ميثم التمار) الذي يمتلك 200 دونم من الأراضي المزروعة، بالحنطة والشعير، فضلًا عن حظيرة تحتوي على 150 رأسًا من الغنم، وعدد أقل من الأبقار.

ويبين التمار لــ”وكالة يقين”، أن جميع الأراضي المقامة عليها معامل الطابوق كانت زراعية وتستخدم لرعاية المواشي قبل أن تأتي موضة معامل الطابوق بعد عام 2000، بواسطة عدد من المختصين بهذه الصناعة، والذين قدموا من بغداد وشاركوا شيوخ عشائر ووجهاء وملاك أراض في ناحية الإصلاح، وحققوا أرباحًا كبيرة منها، ولكن على حساب المزارعين الذين تراجعت جدوة محصولهم بشكل كبير، ومربو المواشي الذين باتوا يبيعونها بأقل من مثيلاتها لكونها مصابة بلعنة سخام المعامل .

ولفت التمار إلى أنهم وبعد مناشدات ومطالبات بنقل هذه المعامل إلى مناطق أبعد، فإن الحكومة المحلية دعتنا قبل 3 سنوات إلى ترقب بشرى، خاصة بأهالي الإصلاح مما دعانا إلى الاستبشار  بقرب الخلاص من كارثة المعامل، ولكن الفرحة لم تدم طويلًا بعد، أو وصل النبأ السار والذي تضمن الموافقة على تغيير التوصيف الإداري للإصلاح من ناحية إلى قضاء ، مشددًا بمرارة على أن هذا القرار وغيره هو دليل قاطع على أن الحكومات تعيش في وادٍ والمواطن في وادٍ آخر، ينعم فيه بغيمة الموت الأسود.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات