الأربعاء 17 يناير 2018 | بغداد 9° C
yaqein.net
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

في بغداد.. مناطق يغيب عنها القانون

في بغداد.. مناطق يغيب عنها القانون

قسم التحقيقات – بغداد

ليس من اليسير أن تدخل راجلا إلى منطقة “البتاوين” وسط بغداد، وربما إن قادتك قدماك إلى هناك ستضطر لتغيير اتجاهك واختيار طريق أطول، حتى تتجنب المرور بأزقة يغيب عنها القانون بشكل كبير، حيث أصبحت بعد عام 2003 بؤرة لتجمع عصابات ومجموعات تعمل في نشاطات غير قانونية، كترويج المخدرات والتسول والبغاء.

وبعد عدة محاولات لإقناعه؛ وافق (ناطق أبو سعد) وهو صاحب محل لـبيع المواد الغذائية في المنطقة على الحديث معنا، يقول لــ”وكالة يقين” إنه يمتلك هذا المحل منذ الثمانينات، وقتها لم تكن المنطقة بهذا “السوء”، لكنه يفكر اليوم جديا في بيع محله وتركها، لأن حياته باتت “مهددة بالخطر” في أية لحظة، بسبب كثرة الشجارات بين السكارى والمدمنين، والتي غالبا ما تنتهي بعراك تستخدم فيه أسلحة بيضاء، وقد يفقد حياته يوما ما في إحدى هذه الشجارات، على حد قوله.

ورغم أن المنطقة تشهد نشاطا تجاريا في الصباح، عبر بعض الشركات والمطابع والمعامل الصغيرة؛ إلا أن ليلها يشهد نشاطات مختلفة تماما، ستشاهد هنا وجوها وسحنات غريبة، بعضهم عراقيون والبعض الآخر من جنسيات أخرى، لكن معظمهم منخرطون في نشاطات غير قانونية بنسب متفاوتة.

ولأن سمعة المنطقة سيئة للغاية؛ فقد هجرها من تبقى فيها من عوائل في السنوات الأخيرة، ليحل محلهم وافدون جدد، و”عوائل” غريبة الأطوار، يبدو عليها الإنحلال وعدم الترابط، وكثيرا ما تسمع أصوات عالية وشجارات في هذه المنازل، يعقبها أصوات ضرب وتكسير لبعض الأغراض، كما يروي المارة وبعض السكان.

متسولون

ومنذ ساعات الصباح الباكر تخرج من المنطقة مجموعات كبيرة من المتسولين لينتشروا في شوارع العاصمة، وتقول تقارير أمنية أن معظم هؤلاء المتسولين يعملون ضمن مجموعات أشبه بالعصابات، فيها “زعماء” يضبطون إيقاع تحركات أتباعهم ويراقبونها، ثم يجمعون “دخلهم” ويعطونهم يومياتهم نهاية اليوم.

(سميرة) “38 عاما” واحدة من هؤلاء؛ قدمت من إحدى المحافظات الجنوبية بعد خلاف مع أسرتها لتقطن في إحدى الفنادق القديمة، تبرر تسولها بكونها أرملة تفتقر للمعيل، ورغم ما تتعرض له من تحرش وإساءة لفظية وجسدية أحيانا، إلا أن ما تحصل عليه من أموال يوميا يحتم عليها الاستمرار في ممارسة هذه المهنة، على حد قولها.

وينتشر هؤلاء المتسولون في المناطق التجارية والراقية في جانبي بغداد، يقفون بجانب إشارات المرور وتقاطعات الطرق، يستجدون المال من أصحاب السيارات والمارة، ويحمل بعضهم بيده أدوات لتنظيف زجاج السيارات، وربما يجبرون سائقيها على الدفع لهم عن طريق اعتراض طريق السيارة أو كثرة الإلحاح والاستعطاف.

“هذه الأنشطة تدر دخلا جيدا على بعض الضباط الذين يغضون الطرف عنها بل ويسهلونها أحيانا”

ويبدو أن ما يحصلون عليه من مال يوميا يدفعهم للاستمرار في ممارسة التسول، حتى لو كان ذلك على حساب كونهم منبوذين في المجتمع، كما يقول المتسول (فرقد) لــ”وكالة يقين“، فهم يحصلون على ما بين 100 و150 ألف دينار يوميا (80-120 دولارا)، يكون نصيب الفرد الواحد منهم فيه 50 ألفا، والباقي يذهب إلى جيوب “الزعيم” أو المشرف على عملهم.

يردد فرقد بلا مبالاة: ما هي الوظيفة التي تجعلني أجني مثل هذا المبلغ حتى أترك التسول؟ ولا يهمني إن كان المجتمع ينظر لي بازدراء أو شفقة، ما يهمني فقط هو ما أحصل عليه من مال كل يوم، يقول بلا مبالاة.

البغاء

وثمة نشاط آخر غير قانوني عرفت به المنطقة؛ حيث تنتشر فيها بيوت الدعارة، مما جعلها مقصدا للكثير من الباحثين عن اللذة المحرمة، وقد أضيفت جنسيات عربية وأجنبية مؤخرا إلى قائمة اللواتي يمارسن هذا السلوك.

بعض رواد هذه الدور من المسؤولين وأصحاب المناصب، وعادة ما يكونون محاطين بعناصر من الحماية المسلحين، خوفا من أي اعتداء أو هجوم مباغت، فالمنطقة غير آمنة رغم تواجد رجال الجيش والشرطة.

وينتشر “القوادون” في طرقات المنطقة بعد غروب الشمس ليتصيدوا المارة ويقدموا لهم عروضهم، ثم إذا تم الإتفاق يأخذونهم إلى بيوت مخصصة لذلك، وغالبا ما تكون محمية من قبل حراس مدربين، يتعاملون مع القادمين بريبة وشك في البداية، وتفتيشهم بدقة للتأكد من عدم وجود أسلحة أو كاميرات، قبل السماح لهم بالدخول.

وشهدت المنطقة منذ بضعة سنوات وفود جنسيات جديدة أغلبها عربية للعمل في الدعارة، ورغم أن هذا الموضوع أصبح شائعا ومعروفا إلا أن السلطات الحكومية لم تتدخل لوقف هذه الممارسات المحرمة شرعا والمجرمة قانونا.

بالإضافة إلى ذلك هناك تواجد للشاذين جنسيا، والذين يتجمعون في حديقة “الأمة” القريبة من البتاوين، والتي يتجنب البغداديون المرور أو الجلوس فيها، لسمعتها السيئة وامتلائها بهذا النوع من الممارسات.

ولكثرة انتشار هذه الممارسات في البتاوين؛ فقد أصبحت منطقة سيئة السمعة اجتماعيا، وصارت تستخدم محليا لوصف “المنحطين” أخلاقيا، حتى في النكات التي يتناقلها العراقيون، عنها وعن المناطق القريبة منها مثل حديقة الأمة، وغيرها.

تغاض أمني

وتتواجد دوريات للشرطة والجيش في المنطقة؛ إلا أن الممارسات غير القانونية تسير بشكل طبيعي من دون أن يستطيع أحد إيقافها، ويتهم عراقيون بعض رجال الشرطة بالتغاضي عن هذه النشاطات مقابل مبالغ مالية كبيرة، وقد حاولنا الحصول على تصريح من الجهات الأمنية حول دورها في المنطقة، لكنها رفضت الإدلاء بأي تصريح.

إلا أن ضابط شرطة -طلب عدم الإفصاح عن اسمه- قرر أن يحكي لــ”وكالة يقين” بعض التفاصيل المسكوت عنها إعلاميا، ومن أبرزها أن هذه الأنشطة تدر دخلا جيدا على بعض الضباط الذين يغضون الطرف عنها بل ويسهلونها أحيانا، وتكتفي دوريات الشرطة بفض الاشتباكات الكبيرة التي تحصل باستمرار، من دون ردع المعتدين أو اقتحام أوكارهم، التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.

ويضيف الضابط أن التصوير ممنوع في المنطقة بأوامر عليا، لذا لا تستطيع القنوات التلفزيونية التصوير فيها إلا باستثناءات أمنية وحماية من دوريات النجدة، ويتجنب المصورون الدخول في أزقتها الضيقة لأنهم قد يتعرضون للضرب أو الخطف في أية لحظة.

“نشأت بعد الاحتلال الامريكي في بغداد عدة مناطق شبيهة، يغيب عنها القانون، وتعشعش فيها أوكار يمارس أصحابها نشاطات محرمة”

لكن بعض المصورين يقومون بمنح أفراد من الشرطة مبالغ مالية من أجل اصطحابهم ومرافقتهم في مشوار التصوير، لكن قاطني هذا المكان ينظرون إليهم بكثير من الريبة والحذر، ولا يقتربون منهم أو يتفاعلون معهم، باستثناء بعض المارة أو أصحاب المحال التجارية، والذين لا يستطيعون التصريح بوضوح وصراحة حول ما يواجهونه هنا، فمعظمهم يفضل أن يغلق محله عند العصر ويغادر المنطقة قبل أن يحل الظلام ويسقط القانون.

قوانين خاصة

وعلى جانبي الشارع الرئيسي في المنطقة والذي يعرف بشارع تونس؛ تنتشر محلات بيع المشروبات الكحولية،  كما يتواجد مروجو المخدرات بأنواعها، وهو ما يجعلها حاضنة لأكبر تجمع لمروجي حبوب “الكبسلة” أو العقاقير الطبية التي يتعاطاها المدمنون.

ويبدو أن للسكارى والمدمنين هنا حصانة لا يحصلون عليها في مكان آخر، حيث يتجنب الجميع الإحتكاك بهم أو حتى مجرد توبيخهم، رغم أن بعضهم يتعدون على المارة في الشارع في أوقات متأخرة من الليل.

وبسبب كثرة مشاكل البتاوين وقاطنيها فقد بدأ العديد من سكان المناطق المجاروة بمغادرتها بعد أن تمددت نحوهم بعض الممارسات المنتشرة هناك، ورغم أن المنطقة حيوية وتجارية وتقع وسط العاصمة، إلا أن البغداديين ينفرون منها ومن سكناها، حتى لو كانت مجانا، كما يقول أبو طارق.

وقد كان (أبو طارق) يمتلك منزلا هناك ورثه عن أجداده، لكن أسرته سمحت قبل سنوات لعائلة فقيرة بالسكن فيه، ولما هموا قبل عامين ببيع البيت وتوزيع ثمنه بين الورثة؛ رفض الساكنون فيه مغادرته وحاولوا تزوير سند ملكيته والادعاء بأنهم أصحابه، لتنتقل القضية إلى أروقة المحاكم ومراكز الشرطة.

ويصف أبو طارق لــ”وكالة يقين” حجم المعاناة التي واجهتها أسرته قبل أن يستطيعوا استرداد حقهم في المنزل، الذي تبلغ مساحته نحو 600 متر، وقد كسبوا القضية بعد عامين، لكن ذلك كلفهم الكثير من المال وعرضهم لتهديدات لا حصر لها.

ويبدي أبو طارق أسفه على الحالة التي وصلت إليها هذه المنطقة التي يقول بأنها كانت عريقة وراقية قبل بضعة عقود، قبل أن تتغير طبيعتها ويبدأ أهلها في مغادرتها، حيث انتقلت أسرته إلى الجادرية في أواسط سبعينات القرن المنصرم، وما زالت تقيم هناك، إلا أن هذه المنطقة لن تعود إلى طبيعتها أبدا، يقول بحزن واضح.

تحولات اجتماعية

وتعيش في المنطقة جنسيات غير عراقية، حيث يقيم فيها عدد من السودانيين والمصريين، معظمهم من الفقراء الذين يعملون في مهن متواضعة، كبيع النظارات والساعات على الأرصفة، ومعظمهم قدموا للعراق في العقود الماضية، وفضلوا البقاء فيه لظروف منعتهم من الذهاب إلى دول أخرى أو العودة إلى دولهم الأصلية.

ويقول الباحث التراثي (شاكر القيسي) لــ”وكالة يقين” إن هذه المنطقة الصغيرة كانت قبل بضعة عقود من مناطق بغداد الراقية وتقطنها عوائل معروفة وعريقة من مسلمين ومسيحيين، واشتهرت بكونها مركزا تجاريا وفنيا، لكن التطور الإقتصادي والتوسع العمراني الذي شهدته العاصمة منذ خمسينات القرن الماضي؛ دفع معظم سكانها لمغادرتها تدريجيا نحو أحياء حديثة في كرخ بغداد ورصافتها؛ فكان أن امتلأت المنطقة بالمعامل والمطابع والمحلات التجارية.

وبحسب القيسي فإنه لم يبق الآن من سكان المنطقة الأصليين أحد فيها، فقد أصبحت سمعتها مشينة، وسكنت في بيوتها القديمة عوائل من الغجر والمشردين والمتسولين وبعض الجنسيات الوافدة، فيما لا تزال الحلول الأمنية غير مطروحة على الطاولة أصلا ولأسباب مجهولة، على حد قوله.

أما بيوت المنطقة التي تتميز بـطابع تراثي بغدادي قديم، فقد هجرها أصحابها ليقطنها من بعدهم آخرون، معظمهم قادمون من المحافظات الجنوبية، ورغم تميز الطراز المعماري لهذه المنازل ودقة بنائها وما تضمه في جنباتها من ذكريات لأصحابها البغداديين القدامى؛ إلا أن كل ذلك ذهب وأصبح أثرا بعد عين، بل إن كثيرا من الساكنين الجدد لم يحافظوا على جماليات هذه المنازل، فتعرضت الكثير منها للهدم الجزئي أو الكامل، وتآكلت بعضها بسبب قلة الإهتمام وسوء الإستخدام، كما يوضح القيسي.

الطوايل

ولا يقتصر الأمر على منطقة البتاوين وسط بغداد، فقد نشأت بعد الإحتلال الأمريكي في بغداد عدة مناطق شبيهة، يغيب عنها القانون، وتعشعش فيها أوكار يمارس أصحابها نشاطات محرمة دينيا وغير قانونية، ومن هذه المناطق “الطوايل” بالقرب من حي العامرية شمال كرخ بغداد.

“الممارسات انتشرت بعد الاحتلال الامريكي بشكل واسع، حيث بدأ ممارسوها في تكوين بؤر سكنية خاصة بهم”

كانت المنطقة قبل مجيء الإحتلال الأمريكي عبارة عن إسطبلات للخيول، يتجمع فيها محبو رياضة سباق الخيل، لكنها أصبحت مهجورة بعد عام 2003، فسكنتها عوائل من الغجر، الذين يمتهن الكثير منهم البغاء والغناء والرقص.

وبعد الاستقرار الأمني النسبي الذي شهدته بغداد عام 2008 “انتعشت” هذه المنطقة، وأصبح الكثير من الباحثين عن العلاقات غير الشرعية يقصدونها من مناطق العاصمة المختلفة، ويبدو أن من قطنوا فيها عقدوا ما يشبه الاتفاق مع قوات الجيش التي تقف في مدخلها؛ من أجل توفير الحماية لهم، مقابل أمور عدة، من بينها المال والنساء.

وقد جازف بعض الصحفيين بدخولها، وتصوير ما يدور فيها خلسة، رغم منع إدخال الكاميرات أو الهواتف الحديثة إليها، ونقل هؤلاء كثيرا مما يحدث هناك، ويمكن اعتباره نوعا من تجارة “الرقيق الأبيض”، حيث تباع فيها النساء لساعات من أجل المتعة لمن يدفع أكثر.

أسعار مختلفة

ويسود في هذه المنطقة نظام غريب للعلاقات الاجتماعية، تشتهر به عائلات الغجر في البلدان التي يتواجدون فيها، حيث يقوم بعض الأشخاص بالسمسرة على أخواتهم للقادمين من خارج المنطقة، مقابل مبالغ مالية من دون أي اعتبار للقيم الأخلاقية سماوية كانت أم وضعية.

ويحكي الصحفي (ع . ز) لــ”وكالة يقين” والذي أعد تقريرا عن المنطقة سيعرض قريبا في إحدى الفضائيات؛ إن التسعيرة السائدة هناك هي 25 ألف دينار عراقي مقابل المتعة الجنسية لمدة ساعة، لكن بعض الفتيات المشهورات بالجمال تزيد أسعارهن عن ذلك.

“الحروب والصراعات المسلحة التي مر بها العراقيون أدت إلى تفسخ المجتمع وتمزق كثير من الأواصر التي كانت تربط بين أفراده”

وترتفع الأسعار كلما زاد الوقت الذي يتم قضاؤه مع الفتاة، وفي حالة اصطحابها إلى خارج المنطقة أو مبيتها مع الزائر، لتصل إلى حوالي 100 دولار، يقبضها “القواد” قبل إتمام العملية، كما أن هؤلاء الفتيات لا يقبلن مصاحبة شخص من دون أن تؤخذ المعلومات كاملة من هويته الشخصية، وتعهد للقوات الأمنية بإعادة الفتاة بعد إنجاز المطلوب، على حد قوله.

وتتواجد سيارات حديثة داخل المكان، تعود لأثرياء ومسؤولين، يأتون هنا لقضاء بعض الأوقات، ولا يسمح لحماياتهم بالدخول معهم، باستثناء شخص واحد أو شخصين، خوفا من “اعتداءات” يمكن أن تحدث في الداخل.

ويضيف الصحفي للوكالة أن كثيرا من الجنود الواقفين في مدخل المنطقة يأخذون نصيبهم من هذه المتعة المحرمة، نوعًا مما يعتبرونه “بدل حماية”، ولهم مطلق الحرية في توقيف أي شخص تشتكي منه عائلات الغجر هؤلاء.

غياب للمعلومات

ولأن المنطقة محمية أمنيا ولا يسمح بدخولها من قبل منظمات المجتمع المدني؛ تغيب المعلومات والأرقام عما يدور داخلها، لكن بعض الإحصاءات تقول أن نحو 300 عائلة تسكن فيها، ومعظمهم يمارسون الدعارة، إن لم يكونوا كلهم.

وبالإضافة إلى المهام التي يقوم بها “القوادون” فإنهم يبيعون المشروبات الكحولية للقادمين، وبأسعار أغلى من السوق، وبدأت تنتشر فيها مؤخرا المخدرات وحبوب الكبسلة، حيث يسعى المتنفذون من هذه العائلات إلى صنع “جو خاص” لمن يأتي هنا.

وفي السنوات الأخيرة طلبت عدة منظمات إنسانية وطبية من السلطات الأمنية السماح لها بالدخول إلى هذا المكان، لفحص سكانها صحيا، خاصة بعدما تفشت إشاعات عن انتشار مرض نقص المناعة المكتسبة “الايدز” بين بعض قاطنيه، لكن الحكومة منعتهم من ذلك.

ويقول الناشط المدني (عمار عبد المحسن) لــ”وكالة يقين”: إنهم قدموا عدة طلبات للجهات الأمنية المسؤولة منحهم الموافقة على الدخول للمكان، لكن هذه الجهات رفضت من دون إبداء أسباب واضحة لذلك.

ووفقا لعبد المحسن فإن إفادات موثقة تنقل عن بعض مرتادي المكان ظهور حالات إصابة بهذا المرض الخبيث بعد ترددهم على هذا المكان، لكن وزارة الصحة تتكتم على الموضوع، وترفض الحديث عنه.

اتصلنا بالناطق باسم وزارة الصحة (سيف البدر) وطلبنا منه تصريحا حول الموضوع؛ لكنه اعتذر متذرعا بعدم وجود أرقام أو إحصاءات لديهم، ولما سألناه عن سبب منع الجمعيات والمنظمات الإنسانية والحقوقية من الدخول لهذه المنطقة؛ اكتفى بالرد بأن هذا الشأن يعود للجهات الأمنية، وهي المخولة باتخاذ القرار فيه.

آثار الحروب

وبالإضافة إلى النشاطات غير الأخلاقية التي اشتهرت بها المنطقة؛ فإن الكثير من وسائل الإعلام تنقل أخبارا عن وقوع شجارات فيها بين الحين والآخر بين بائعات الهوى أو القوادين، تنتهي بجروح خفيفة أو عميقة أحيانا، وغالبا ما تكون أسباب هذه الشجارات تافهة وليست بذات قيمة.

ويقول الباحث الاجتماعي (محمد مرتضى) لــ”وكالة يقين”: إن هذه الممارسات انتشرت بعد الاحتلال الأمريكي بشكل واسع، حيث بدأ ممارسوها في تكوين بؤر سكنية خاصة بهم، يتجمعون فيها لممارسة نشاطاتهم غير القانونية، ورغم أن القانون يمنع رسميا افتتاح دور بغاء أو ممارسة هذه الأفعال مقابل المال، إلا أنها تجري تحت سمع وبصر القوات الأمنية وبعلم الحكومة، من دون أن يتدخل أحد لإيقافها.

ويضيف مرتضى -الذي يعد رسالة ماجستير في كلية الآداب بجامعة بغداد حول تأثير الإعلام الإلكتروني على السلوك الشخصي للمجتمع العراقي-: إن الحروب والصراعات المسلحة التي مر بها العراقيون أدت إلى تفسخ المجتمع وتمزق كثير من الأواصر التي كانت تربط بين أفراده، حيث كان من الصعب سابقا أن تنتشر مثل هذه الممارسات، لرفض الدولة والمجتمع لها، لكنها باتت تزداد يوما بعد آخر في السنوات الأخيرة.

ويقترح مرتضى نقل هذه العائلات -ومعظمهم من الغجر- إلى مصحات نفسية لعلاجهم وإجبارهم على ترك هذه الممارسات التي أصبحت جزءا يوميا من حياتهم، لكن ذلك يصطدم بعدة عوائق على حد قوله، فالمستفيدون من هذه الممارسات سيقفون بوجهها، لأنها تدر دخلا جيدا عليهم، وليس من السهولة فقدان ذلك.

وكان لمواقع التواصل الاجتماعي دور كبير في انتشار هذه الممارسات حسبما يرى الباحث، حيث أصبح لها روادها وجمهورها، عبر صفحات ومجموعات خاصة في الفيسبوك والانستغرام وغيرها، ولعب ضعف الرقابة الأسرية، وغياب القدوة، وضعف المناهج الدراسية أدورا بنسب متفاوتة في ذلك، جعلت المجتمع يسكت أو يتغاضى عن هذه السلوكيات المنحرفة، خاصة إذا علمنا أن نسبا مرتفعة من الشباب العراقي باتت تشعر بالإحباط وفقدان الأمان، مما يدفعهم للهروب من واقعهم بأية طريقة، حتى لو كانت تودي بهم إلى الهاوية.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات
Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com