الخميس 24 مايو 2018 | بغداد 16° C
الرئيسية » 15 عامًا على الاحتلال »

دور الأيتام في العراق.. انتهاكات جسيمة وإهمال حكومي

دور الأيتام في العراق.. انتهاكات جسيمة وإهمال حكومي

قسم التحقيقات – العراق

لم يكن يعلم “علي” أن معاناته ستبدأ في بلاده منذ صباه، “علي” 10 سنوات، كان أحد المقيمين في دار الأيتام في محافظة بابل، لكنه وبعد عامين على دخوله الدار، بات “علي” أحد المتسولين في شوارع وطرقات المدينة، بعد أن استغلته عصابات الجريمة المنظمة في استغلال هذا الطفل، يجيب “علي” على سؤال عن سبب عمله في التسول وأين أبواه، فيجيب بكل براءة أنه يتيم، وأن من يرعاه هو من يجبره على التسول، ويهدده بأنه ما لم يجمع خمسة آلاف دينار في اليوم فلا مبيت له في البيت.

مشكلة جديدة قديمة في العراق، ازدادت وتيرتها وتأثيراتها بعد الغزو الانجلو أمريكي للعراق في عام 2003، فمع سقوط مؤسسات الدولة العراقية ونهبها وما تبع ذلك من التهميش والإقصاء والقتل على الهوية، ازداد عدد الأرامل والأيتام في العراق بصورة متصاعدة حتى وصل العدد إلى مئات الآلاف، بحسب آخر إحصائية لوزارة التخطيط في حكومة العبادي، مشكلة تضع مسؤولية كبيرة على عاتق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وذلك من خلال دور الأيتام المسؤولة عنها، لكن التعمق في البحث في هذه المشكلة يكشف عمّا لم يكن في الحسبان.

دور الأيتام في العراق.. أعداد الأيتام وآلية القبول

لا تنحصر مشاكل الأيتام في العراق في جزئية معينة، بل يتعدى الأمر ذلك إلى مشاكل عدة لا تقل خطورة أحدها عن الأخرى، تتمثل أولى هذه المشاكل بقلة عدد دور الأيتام الحكومية، فضلا عما يواجهه هؤلاء الأيتام من عنف ومآس في دور الرعاية الحكومية التي تُعْنى بشؤونهم، يقول معاون مدير الاحتياجات الخاصة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في حكومة العبادي عامر الموسوي في تصريح صحفي إن عدد دور الأيتام في العراق يبلغ 23 دارا في عموم العراق لكلا الجنسين، عدا منطقة إقليم كردستان، وتتوزع هذه الدور على محافظات العراق المختلفة، بواقع أربع دور في بغداد و19 دارا في بقية المحافظات باستثناء محافظة الأنبار التي لا تضم أي دار للأيتام بسبب الطبيعة العشائرية للمحافظة، بحسب عامر الموسوي، ويطلق على الدار التي ترعى الأيتام من البنين بـ”دار البراعم” أما دور الأيتام المختصة برعاية الإناث فيطلق عليها “دار الزهور”.

“الانتهاكات التي يتعرض لها الأيتام في الدور تختلف بحسب الفئة العمرية لليتيم، وتتنوع ما بين الاستغلال الجنسي والتجنيد ضمن المجموعات المسلحة”

وضع أمني واقتصادي تسبب في ازدياد كبير في أعداد الأيتام والمشردين، آخر البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في عام 2016 والتابع لوزارة التخطيط في حكومة العبادي تشير إلى أن عدد الأيتام في العراق قد وصل الى 600 ألف يتيم باستثناء محافظتي الأنبار ونينوى، هذه الأرقام لا تتوافق مع ما يقع من مسؤولية على وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حيث يقول عامر الموسوي في حديثه لـ”وكالة يقين”: أن مجموع شاغلي هذه الدور من الأيتام من الذكور والإناث من الذين تتراوح أعمارهم بين “0-18” سنة يصل إلى 462 يتيما فقط، بحسب الموسوي، وإن الوزارة ليس لديها الإمكانيات المادية لفتح مزيد من الدور أو استقبال أعداد أكبر من الأيتام.

وعن الأيتام الذين يتم قبولهم في دور الأيتام الحكومية يقول عامر الموسوي معاون مدير الاحتياجات الخاصة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في حكومة العبادي، يقول إن دور الأيتام تستقبل الأيتام من الذين فقدوا أبويهم أو أحدهما ولا قدرة للآخر على تحمل مصاريف معيشته، فضلا عن الأطفال من الأُسَر المفككة وأطفال السجناء والمطلقات وكريمي النسب.

وعن دور هذه الدور في رعاية الأطفال، يقول الباحث الاجتماعي “حسين الطائي” في حديث لـ”وكالة يقين”: إن عدد دور الأيتام في العراق وعدد شاغليها لا يتناسب مطلقا مع عدد الأيتام في العراق والذي يفوق النصف مليون يتيم، وأضاف أيضا أن دور الأيتام في البلاد تتواجد في مراكز المدن فقط من دون الأخذ بنظر الاعتبار إلى بقية الأقضية والنواحي، واستدرك “الطائي” حديثه بالقول: إن هذه الدور تفتقد لكثير من مقومات الرعاية الاجتماعية والنفسية، فضلا عن سوء المعاملة في بعض هذه الدور.

انتهاكات جسيمة وعنف في دور الأيتام

لا تقف معاناة الأيتام في العراق عند المشردين فقط من الذين هم خارج دور الأيتام؛ بل تمتد هذه المعاناة والمآسي إلى داخل دور الأيتام التي من المفترض أن تكون الحكومة هي الراعية والحامية لها، دور الأيتام هذه تكشف عن انتهاكات جسيمة في حق الأيتام من الذكور والإناث على حد سواء، ولا تقتصر هذه الانتهاكات والإهمال في التقصير الحكومي في توفير احتياجاتهم، بل يتعدى الأمر ذلك إلى انتهاكات إنسانية جسيمة وحالات تجارة في البشر والدعارة.

ويكشف الباحث الاجتماعي “حسين الطائي” من محافظة البصرة في حديثه لـ”وكالة يقين” عن حالات الانتهاكات في دور الأيتام في العراق، قائلا: إن الانتهاكات التي يتعرض لها الأيتام في الدور تختلف بحسب الفئة العمرية لليتيم، وتتنوع ما بين الاستغلال الجنسي والتجنيد ضمن المجموعات المسلحة.

“تعد العاصمة بغداد أكثر المحافظات العراقية التي تشهد انتهاكات في دور الأيتام الحكومية”

ويضيف “الطائي” أن أبرز هذه الانتهاكات تتجلى في البصرة والمحافظات الجنوبية بصورة عامة، وتحديدا في الفئة العمرية الصغيرة التي لا تتعدى العشر سنوات، حيث تعمد بعض العوائل إلى تبني أو ضم أطفال من دور الأيتام، وذلك وفق الإجراءات الأصولية المعتمدة، لكن نقطة الضعف تكمن في هذه الإجراءات وذلك من إخلال استخدام بعض هذه العوائل للأطفال الأيتام الذي تكفلوا برعايتهم في التسول، وبيع المخدرات والممنوعات في البصرة.

ويستطرد “الطائي” حديثه في وصف الحالات الإنسانية الناجمة عن هذه الحالات، حيث يقول: إن العوائل تستخدم الأطفال في التسول في طرق البصرة وشوارعها، وفي الميناء أيضا، فضلا عن استخدام بعضهم في توزيع المخدرات؛ لكونهم لا يلفتون أنظار القوات الحكومية، وأوضح “الطائي” أن من يعملون في التسول من الذكور والإناث أما توزيع المخدرات والممنوعات فيقتصر على الأيتام الذكور فقط، بحسب “الطائي”.

وكان لا بد من الاتصال بمسؤول الشؤون الاجتماعية في دار الأيتام في البصرة، والذي رفض الإفصاح عن أي معلومات عن هذه الحالات، وأجاب “وكالة يقين”، قائلا: إن الوزارة منعتهم من الإدلاء بأي معلومات.

انتهاكات في دور بغداد

تعد العاصمة بغداد أكثر المحافظات العراقية التي تشهد انتهاكات في دور الأيتام الحكومية، حيث تقول الموظفة السابقة في دار براعم الوزيرية “مهدية أحمد” متحدثة لـ”وكالة يقين”: إن الدار يشهد في بعض الأحيان تعديًا على بعض الأطفال وذلك بالضرب المبرح أو استخدام العصي، وتضيف أيضا أنه في عام 2014 حدثت حالة اعتداء على طفل كريم النسب يدعى “محمدًا”، يبلغ من العمر سبع سنوات، وأن أحد الموظفين ضربه بقطعة حديدية فتسبب له بكسر في ذراعه ورجله، وأن الدار نقل الطفل إلى المستشفى للعلاج.

“ضعاف النفوس يستغلون ثغرة في الإجراءات القانونية التي تعمل وفقها دور الأيتام في العراق”

وعن الإجراءات القانونية المُتَّخَذة في حق الموظف المعتدي، أضافت “مهدية” أن القضية أُغْلِقت ضده قانونيا، واكتفت الوزارة حينها بنقله إلى موقع آخر ضمن مديريات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

وعند الاستفسار عن وجود حالات تجاوز أو اعتداء جنسي على الأطفال في الدار، نفت “مهدية” وقوع أي حادثة من هذا النوع خلال فترة عملها في الدار، والممتدة لِست سنوات، وأشارت إلى أن حالات الاعتداء على الأطفال محصورة في الضرب والعنف فقط.

حقوقي: ضعاف النفوس يستغلون ثغرة في القانون

كلما تم البحث في هذا الموضوع تظهر مشكلة أخرى من مشاكل دور الأيتام، ففي بغداد أيضا، يقول المحامي المختص بالأحوال الشخصية “عبد علي” متحدثا لـ”وكالة يقين”: أن حالات إجرامية عديدة كشف النقاب عنها -تبين فيما بعد- أن بعضا منها يعود إلى دور الأيتام، وبيّن “علي” أن ضعاف النفوس يستغلون ثغرة في الإجراءات القانونية التي تعمل وفقها دور الأيتام في العراق، وهي أن اليتيم عندما يبلغ الثامنة عشرة من العمر، يُجبَر في كثير من الأحيان على الخروج من الدار، وخاصة من الذين لم يستطيعوا إكمال الدراسة، وهذه المشكلة كبيرة خاصة بين الفتيات اللاتي يبلغن 18 عاما، فالفتاة التي تخرج في هذا السن لا تعلم أين تتجه، وفي كثير من الحالات يستغلها ضعاف النفوس في الجنس والبغاء.

وبيّن “علي” أيضا، أنه في السنوات الأخيرة اتجه ضعاف النفوس هؤلاء إلى تقنين هذه الأفعال بعد أن كشف النقاب عن بعض أعمالهم الجرمية السابقة، حيث يعمد هؤلاء إلى خطبة الفتيات من دور الأيتام، وتتم هذه الإجراءات من خلال عقود زواج رسمية ومسجلة، لكنها حقيقة تكون شكلية فقط، ثم يعمد هؤلاء إلى استخدام الفتيات في البغاء والدعارة، وقد تم كشف النقاب عن عدد من هذه الحالات في عام 2016.

“دور الأيتام في المحافظات الوسطى تشهد منذ سنوات ما يمكن تسميته بالتحويل المذهبي”

وكان عدد من أعضاء مجلس النواب قد دعوا -في مؤتمر صحفي- في كانون الثاني/ يناير 2017 وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الحكومة إلى تعديل الإجراءات الخاصة باستبعاد من يتجاوز الـ18 عاما من الأيتام عن الدور، ودعا عضو لجنة حقوق الإنسان في البرلمان “علي البديري” متحدثا لمجموعة من الصحفيين الحكومة إلى ضرورة العمل على عدم السماح باستغلال العصابات المنظمة لأبناء دور الأيتام والذين أصبحوا فريسة سهلة لتجار الرذيلة، وخاصة الفتيات اللائي يُجبَرن على الخروج من الدار بعد سن الـ18 عاما، بحسب “البديري”.

وللتعمق أكثر في القضايا الجنائية التي لها صلة بالأيتام في الدور الحكومية، وخاصة ما يتعلق بظاهرة الزواج من فتيات دور الأيتام وإجبارهنّ على العمل في الدعارة والاستغلال الجنسي، يقول “ج. ك” النقيب في مديرية مكافحة الإجرام في قاطع الكرخ في بغداد، والذي فضل عدم الكشف عن هويته، يقول لـ”وكالة يقين“: إن عدة حالات إجرامية تم الكشف عنها وقعت في منطقة الكمالية، كان من بين ضحاياها ثلاث فتيات كنّ قد خرجن من دار للأيتام في بغداد بناء على عقد زواج شكلي، وأضاف أيضا أنه من خلال التحري والبحث في حيثيات هذه الحادثة تم إبلاغ وزارة الداخلية بضرورة رفع تقرير مفصل لرئاسة مجلس الوزراء؛ حول ضرورة تعديل التعليمات الخاصة بتزويج الفتيات والنساء من دور الأيتام.

الطائفية تقتحم دور الأيتام وتجند الأطفال

ومع التعمق أكثر في البحث عما يدور خلف جدران دور الأيتام الحكومية في العراق، وصل البحث إلى مشكلة أوسع، وهي ذات المعضلة التي يعاني منها العراق منذ عام 2003، ألا وهي تغلغل الطائفية حتى في دور الأيتام، حيث يؤكد المشرف الاجتماعي والمتخصص في علم نفس الطفل “بشير الهلالي” في حديثه لـ”وكالة يقين” أن دور الأيتام في المحافظات الوسطى تشهد منذ سنوات ما يمكن تسميته بـ”التحويل المذهبي”، حيث تعمد بعض دور الأيتام في بغداد وديالى وبابل إلى تلقين الأطفال وفق تعاليم مذهب معين، مع أن كثيرا من الأطفال الأيتام من مذهب آخر، ويختتم الهلالي حديثه لوكالتنا بأن كثيرا من الجهات ترسم للاستفادة من هؤلاء الأطفال لغايات طائفية وحزبية.

“تحرك الميليشيات الطائفية نحو كسب الأيتام وضمهم للقتال في صفوفها، بدأ في عام 2006”

وكانت هذه المعلومات التي أشار إليها المشرف الاجتماعي “بشير الهلالي”، كفيلة بكشف خطر آخر يهدد الأيتام في العراق، وهي تجنيد الشباب ممن هم في عمر يتجاوز الخمسة عشر عاما في المليشيات الطائفية التي تصول وتجول، ويتم ذلك من خلال النظام المعمول به في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وهو نظام شبيه بنظام التبني لكن دون تسجيل الأطفال بأسماء من يرعوهم.

وبمتابعة هذا الموضوع رفضت جهات حكومية عديدة الحديث لـ”وكالة يقين” عن هذه الظاهرة، كما رفض المسؤولون في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية نفي أو تأكيد هذه المعلومة، فكان الحديث مع الخبير الأمني العراقي “إياد العاني” الذي قال لـ”وكالة يقين”: إن جهات ومنظمات إنسانية دولية وعربية تحدثت عن هذه الظاهرة، وأضاف أيضا أن تحرك المليشيات الطائفية نحو كسب الأيتام وضمهم للقتال في صفوفها، بدأ في عام 2006، لكن ما فتئت هذه الظاهرة أن تراجعت خلال السنوات اللاحقة لتستفحل من جديد في عام 2014 في خضم الحرب التي خاضتها حكومة العبادي، وميليشيا الحشد الشعبي ضد مسلحي “تنظيم الدولة”؛ خلال السنوات الثلاث الماضية، وأضاف أيضا أن هذه الحالة ليست مقتصرة على دور الأيتام الحكومية، فهي مستفحلة أكثر في دور الأيتام الخاصة التي تتبع منظمات وجهات غير حكومية، بحسبه.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات