الإثنين 23 أبريل 2018 | بغداد 16° C
yaqein.net
الرئيسية » تحقيقات »

الطرق الخارجية.. انعدام خدمات الطوارئ يضاعف أعداد الضحايا

الطرق الخارجية.. انعدام خدمات الطوارئ يضاعف أعداد الضحايا

قسم التحقيقات – العراق

تسود حالة من الخوف والارتباك عائلة “محمد جبار الربيعي”، ولمدة 8 ساعات متواصلة من كل شهر، حيث يسافر ابنهم الأكبر “علاء” من كراج النهضة في بغداد، إلى مكان عمله في أربيل، في رحلة تتخللها عشرات المكالمات الهاتفية، والرسائل التي تستفسر عن طبيعة الطريق والمكان الذي هو فيه، والمتبقي من الزمن، حتى تأتي المكالمة الأخيرة التي تزف بشرى السلامة والخلاص من “طريق الموت”؛ كما يسميه المسافرون وسواق السيارات العاملون عليه.

ولا يجد “علاء الربيعي” أي مبالغة في هذه التسمية؛ لأن جميع المؤشرات تدل عليها، خصوصًا منظر الحوادث التي يؤكد أنه يشاهد واحدًا منها في كل مرة؛ بسبب رداءة الطريق الحافل بالمَطَبَّات والحفر المميتة؛ فضلًا عن تهور بعض السواق، وانعدام أي خدمات للطوارئ تساعد في إنقاذ حياة الناس، الذين يضطرون إلى سلوك الطريق؛ بسبب عدم قدرتهم على دفع تكاليف السفر بالطائرة.

400 كيلومتر من الرعب

“يتكفل سائقو نقل المسافرين بمعظم جهود الإنقاذ والطوارئ على طريق بغداد أربيل”

ويصف الشاب “الربيعي” لــ”وكالة يقين” لحظات الرعب على طريق بغداد- أربيل، مؤكدًا أن أشدها حين تجد نفسك وجهًا لوجه مع شاحنة ضخمة، ترك سائقها مسار الرجوع المخصص له بسبب تلف الشارع، وعدم صلاحيته للسير، وتحول إلى مسار الذهاب، ولا ينتهي المشهد إلا بانحراف أحد السائقين مع تخفيف السرعة قدر الإمكان لتجنب الاصطدام، أو الانقلاب نتيجة النزول إلى الطريق الترابي، وهي لحظات يعيشها “الربيعي” مرتين في الشهر، حين يسافر ذهابًا وإيابًا بين المدينتين.

ويشدد “الربيعي” على أن يكون لكل مسافر سائق محترف، ومشهود له بالبراعة، حتى يجازف بالسفر معه على هذا الطريق الممتد لأكثر من 400 كيلومتر، والحافل بمشاهد السيارات المقلوبة والمحترقة، والتحويلات المؤقتة، والحفر العميقة، والمَطَبَّات الجديدة التي يتم تحديث بياناتها ومواقعها، والتحذير منها بواسطة المكالمات الهاتفية بين السواق العاملين على هذا الطريق، الذي يحتار “الربيعي” في كيفية ترك بدون مركز خدمات طوارئ، أو حتى سيارة إسعاف واحدة .

سائق: فعل الخير قادني إلى السجن

ويتكفل سائقو نقل المسافرين بمعظم جهود الإنقاذ والطوارئ على طريق بغداد أربيل، بحسب السائق “مهند غازي الحيالي” الذي يمتلك سيارة “فورد” ذات دفع رباعي، ويعمل على هذا الطريق منذ 8 سنوات، شاهد فيها عشرات الحوادث الرهيبة، وشارك مع زبائنه في إسعاف الجرحى، ونقلهم إلى أقرب مستشفى أو حتى مطعم خارجي؛ بغية الحصول على أي مستلزمات طبية، غير أنه توقف مؤخرًا عن هذه الأعمال؛ بسبب موقف مؤلم ومكلف تعرض له بسبب هذه المساعدة.

“المسافر إلى أربيل بات عليه في الوقت الحالي أن يقطع مسافة 450 كيلومترًا حاليًا، بعد أن كانت المسافة سابقًا 330 كيلومترًا”

ويبين “الحيالي” لــ”وكالة يقين” أنه في إحدى المرات؛ ساعد مجموعة من المسافرين تعرضوا لحادث قرب محافظة “ديالى”، ونقل اثنين من المصابين إلى مستشفى “الخالص”، بعد أن ترك زبائنه في موقع الحادث على أمل العودة إليهم بعد الانتهاء من الواجب الإنساني، مضيفًا بأنه لم يعد إليهم لأن الشرطة احتجزته للتحقيق معه، بينما اتهمه أقارب المصابين بأنه المتسبب بالحادث، وتم إيداعه في السجن ومطالبته بفصل عشائري.

ويشير “الحيالي” إلى أنه أمضى أكثر من 10 أيام في السجن من دون أي ذنب يُذكَر، سوى النخوة والشهامة التي كلفتة مجموعة رشاوى مالية، ووساطات بذلها أهله وشيخ عشيرته، من أجل إطلاق سراحه الذي تم بالفعل بعد إثبات الشهود ومخطط الحادث المروري بأنه لم يتسبب به، مبينًا أنه أخذ عهدًا على نفسه بعدم نقل أي مصاب مستقبلًا؛ لأن هذا واجب الجهات الحكومية، التي من المفترض أن توفر هذه الخدمات مقابل المبالغ المالية الكبيرة، التي يتم استيفاؤها تحت عنوان صيانة الطرق، وتوفير الخدمات لها.

انعدام تام لخدمات الطوارئ

ومع أن الطريق بين العاصمة بغداد ومحافظة “التأميم” لا يتجاوز الــ270 كيلومترًا، ومن الممكن أن يتم قطعه خلال 3 ساعات أقصى حد، إلا أن “إبراهيم البياتي” العامل على سيارة “جي أم سي” لنقل المسافرين؛ يوضح بأن الخسوف والمَطَبَّات المنتشرة في الطريق، والتحويلات المؤقتة، وتلف أحد المسارات بسبب التعبيد السيئ، واستخدامه من قبل الشاحنات الثقيلة يطيل الرحلة إلى 5 ساعات، وأحيانًا أكثر من هذا بسبب انقطاع الطريق تمامًا، نتيجة لانقلاب شاحنة، أو احتراق صهريج للوقود.

“أغلب الأحيان يخشى السواق من نقل المصابين إلى المستشفى؛ خوفًا من المحاسبة القانونية”

ويتابع “البياتي” في حديثة لــ”وكالة يقين” أن المسافر إلى أربيل بات عليه في الوقت الحالي أن يقطع مسافة 450 كيلومترًا حاليًا، بعد أن كانت المسافة سابقًا 330 كيلومترًا، وذلك بعد تحوير الطريق بسبب تفجير قوات البيشمركة الكردية لجسر “التون كوبري” شمال غربي “كركوك”، بعد المواجهات العسكرية التي حصلت بينها وبين القوات العراقية، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي.

ويضيف “البياتي”، أن السفر في الوقت الحالي بين بغداد و”أربيل” يحتاج إلى 8 ساعات وربما أكثر؛ بسبب الطريق الجديد الذي يمر أغلبه بمنطقة جبلية ذات ارتفاعات وانحدارات خطيرة للغاية، وتخلو -بشكل تام- من أي خدمات طوارئ، سواء كانت مراكز صحية، أو سيارات إسعاف، أو حتى عربات لسحب السيارات التي تتعرض للحوادث، لافتًا إلى أن المساعدة الوحيدة التي تحصل عليها في الطريق هي من السواق الآخرين، أو أصحاب المطاعم السياحية، أو المحال التجارية الموجودة على الطريق.

المطاعم تتحول إلى مستشفيات

وتتوفر في بعض المطاعم الخارجية صيدليات صغيرة مخصصة لبيع الأدوية البسيطة، ومنها واحدة في “مطعم النجوم” بمنطقة “طوزخورماتو”، والذي يتحول في الكثير من الأحيان إلى مستشفى طوارئ، يُنقَل إليه المصابون في حوادث الطرق، حيث يتم إسعافهم بالمواد المتوفرة في هذه الصيدلية -برغم قلتها وبساطتها-، والمسؤولية القانونية التي تترتب على القيام بمثل هذا العمل، بحسب صاحب المطعم “ناظم حكمت”.

“العام الحالي شهد وقوع أكثر من 20 حادث تصادم، أو انقلاب لسيارات نقل مسافرين وشاحنات بضائع وصهاريج”

صاحب المطعم قال لــ”وكالة يقين“: إن معالجة المصاب خارج المستشفى هو أمر مخالف للقانون، ولكنه لا يستطيع أن يرفض مساعدة المصابين الذين ينقلهم السواق إليه؛ بسبب عدم وجود مستشفيات قريبة، أو سيارات إسعاف على الطريق، وهو الأمر الذي يضطرهم إلى تقديم الإسعافات الأولية من تضميد الجروح ومحاولات إيقاف النزيف، أو التجبير الأولي للكسور، حتى يتم نقل المصاب إلى المستشفى بواسطة متطوعين من المسافرين.

ويؤكد “حكمت” أنه في أغلب الأحيان يخشى السواق من نقل المصابين إلى المستشفى؛ خوفًا من المحاسبة القانونية، ويفضلون التوجه إلى أقرب مطعم، أو حتى محل تجاري طلبًا للعون والمساعدة الطارئة، مشيرًا إلى أنه في حال فشل الاستعانة بالقوات الأمنية لنقل هؤلاء إلى المستشفى، فإن البعض من الأهالي أو المسافرين يتطوع بنقلهم إلى أقرب مستشفى أو مركز طبي.

ووفقًا لمعلومات حصلت “وكالة يقين” عليها من سواق السيارات العاملين على هذا الخط، وأصحاب المطاعم، فإن العام الحالي شهد وقوع أكثر من 20 حادث تصادم، أو انقلاب لسيارات نقل مسافرين وشاحنات بضائع وصهاريج المشتقات النفطية، وتوفي فيها 12 شخصًا، وأُصيب أكثر من 30 بجروح متفاوتة، وإن كانت أغلبها خطيرة، وهي حصيلة تعد مرتفعة بالنسبة لفترة 3 أشهر من العام الحالي.

متحدث: الموضوع معقد ومتشعب

من جهته يعزو المتحدث باسم وزارة الصحة، الدكتور “سيف البدر” سبب ارتفاع عدد الضحايا في هذه الطرق بسبب التأخير في التبليغ عنها، وهو ما يؤدي إلى تأخير مماثل في الاستجابة لها من قبل كوادر وزارة الصحة، مضيفًا بأنهم اقترحوا مؤخرًا تطبيق نظام الإسعاف الجوي، واستخدامه في المجال المدني، بعد أن أثبت نجاحًا كبيرًا في نقل المصابين وإنقاذهم خلال العلميات العسكرية.

“ماذا فعلت الجهات الأخرى في سبيل تقليل هذه الحوادث؟، ومنها: دوائر المرور والطرق والجسور وغيرها”

وبخصوص نشر سيارات الإسعاف في نقاط محددة من الطرق الخارجية؛ يبين الدكتور “البدر” لــ”وكالة يقين” أن هذا الأمر مكلف، ويحتاج إلى دراسة وتخصيصات مالية غير متوفرة حاليًا؛ بسبب تخفيض الإنفاق في وزارة الصحة بنسبة أكثر من 65%، ومنذ عام 2014، وذلك نتيجة الأزمة المالية والحرب من جهة، والزيادة الطبيعية في السكان من جهة أخرى.

ويتابع المتحدث الرسمي بأن وزارة الصحة وقع عليها الجزء الأكبر من الخدمات الطبية المقدمة إلى الجهد العسكري أثناء عمليات استعادة السيطرة على المدن، مشيرًا إلى أن الوزارة قدمت جزءًا من أسطولها إلى ميليشيا الحشد، وهي 200 سيارة إسعاف، تعرض قسم كبير منها للتلف أثناء العمليات، وبقيت الأخرى في حوزة القوات حتى الآن.

ويخلص “البدر” إلى القول بأن هذا الموضوع معقد ومتشعب وكبير، ويرتبط بسؤال مهم، وهو: ماذا فعلت الجهات الأخرى في سبيل تقليل هذه الحوادث؟، ومنها: دوائر المرور والطرق والجسور وغيرها من الجهات ذات العلاقة بهذا الأمر، مبينًا أنه من الطبيعي أن تكثر الحوادث المرورية في ظل الظروف الحالية لمنح إجازات السوق، ومواصفات السيارات وطبيعة هذه الطرق من حيث المتانة والإنارة.

الطرق والجسور لا تمتلك الأموال للصيانة

العجز الحكومي في هذا المجال دفع بالأهالي إلى القيام بأعمال تطوعية لصيانة طريق الموت”

وبقدر تعلق الأمر بهم؛ فإن “غازي عبدالله” مدير الطرق والجسور في محافظة “التأميم”؛ يؤكد بأن لديهم كشوف متكاملة عن حال الطريق الرابط بينهم والعاصمة بغداد، ولكنهم يواجهون صعوبات مع المقاولين الذين لم ينجزوا الأعمال الموكلة إليهم، وهي مسألة تحتاج إلى متابعة هؤلاء واستبدالهم بغيرهم، في حال عدم إنجاز الأعمال المكلفين بها.

ويصف “عبدالله” لــ”وكالة يقين” المشكلة الأساسية في هذا الأمر، وهي التخصيصات المالية المتوفرة لديهم، والتي يؤكد بأنها لا تسمح بإصلاح الطريق بشكل جذري؛ لأن أكبر مبلغ يتم تخصيصه لهم من قبل الحكومة لا يتجاوز العشرة ملايين دينار، في وقت يحتاج الطريق إلى تخصيصات بالمليارات لإصلاح الأضرار التي لحقت له.

ويعرب مدير الطرق والجسور عن أسفه؛ لأن مجموع المخصص لهم من الحكومة في هذا المجال لا يسمح لهم سوى بمعالجة بعض الحفر والخسوف والمَطَبَّات، وليس إصلاحًا متكاملًا من إكساء وتطوير طريق مهم وحيوي، يربط بين وسط العراق وشماله.

العشائر تهب لإصلاح الطريق

العجز الحكومي في هذا المجال دفع بالأهالي إلى القيام بأعمال تطوعية لصيانة “طريق الموت”، حيث أشار الشيخ “كريم نبهان العزاوي” إلى قيامهم مؤخرًا بحملة كبيرة لمعالجة الكثير من الخسوف الخطيرة الموجودة على طريق بغداد- التأميم، في محاولة منهم لتقليل الحوادث الحاصلة عليه.

“كل سائق شاحنة ينقل بضاعة بين أربيل وبغداد؛ يدفع مبلغ 25 ألف دينار في منطقة طوزخورماتو

وقال الشيخ “العزاوي” لــ”وكالة يقين”: إن مشاهدتهم المستمرة للحوادث الكثيرة الحاصلة على هذا الطريق دفعهم إلى القيام بمبادرة تطوعية تهدف إلى معالجة أكثر 7 خسوف في الطريق، وتحديدًا في ناحية “العْظِيم”، مؤكدًا أن هذه الخسوف تسببت بالعديد من الحوادث التي راح ضحيتها الكثير من المسافرين، من دون أن يكون هناك أي تحرك حكومي لمعالجتها بالرغم من المناشدات المستمرة التي قاموا بتوجيهها إلى مديرية الطرق والجسور.

ويوضح “العزاوي” أن العشائر قامت بوضع علامات تحذيرية على مسافة بعيدة من موقع العمل، وباشروا بالمعالجة عن طريق حفر وتنظيف مكان الخسوف، وإصلاحه بـ”الكونكريت” المسلح والقير، مع منع السير عليه لحين جفافه وتصلبه، متابعًا بأن عناصر من عشيرته تولوا مهمة المرابطة و تحذير السيارات والشاحنات من الاقتراب أو السير على هذه المواقع، لحين انتهاء العمل فيها، وافتتاحها مرة أخرى أمام المسافرين.

نهر من الأموال يصب لدى الحكومة

إلى ذلك يستغرب “حميد رجب الهلالي”- سائق شاحنة؛ من قيام العشائر بصيانة الطرق الخارجية وإصلاحها على نفقتها الخاصة، في وقت تمتنع الحكومات -سواء المركزية أو المحافظات- من تنفيذ هذا العمل، برغم استيفائها المستمر للأموال من سواق الشاحنات لهذا الغرض.

ويبين “الهلالي” لــ”وكالة يقين” أن كل سائق شاحنة ينقل بضاعة بين أربيل وبغداد؛ يدفع مبلغ 25 ألف دينار في منطقة “طوزخورماتو” إلى مديرية الطرق والجسور التابعة لمحافظة “صلاح الدين”، وهي عملية تتكرر في منفذ “الصفرة”، ولكن الجهة المستفيدة في هذه المرة هي مديرية طرق وجسور محافظة “ديالى”، داعيًا إلى احتساب هذه المبالغ إذا كانت هناك أكثر من 200 شاحنة تقطع هذا الطريق يوميًا.

ويعتبر “الهلالي” أن طريق بغداد – أربيل بمثابة نهر متدفق من الأموال التي تصب لدى الحكومة، وخصوصًا في مجال الواردات الجمركية، حيث يمر بمنفذ “الصفرة”، الذي يجني يوميًا مبالغ ضخمة جدًا من عمليات نقل البضائع المستوردة، فضلًا عن كونه الطريق الوحيد للسفر البري بين العاصمة بغداد وأربعة محافظات وسطى وشمالية.

ولا يرى “الهلالي” أي جدوى من الاعتصامات، وحوادث قطع الطريق التي قام بها سواق شاحنات نقل المسافرين بهدف دفع الجهات الحكومية للتحرك من أجل إصلاح الطريق، وتقليل إعداد الحوادث والخسائر البشرية والمادية، معتبرًا أن جميع هذه الأفعال غير ذات جدوى في ظل حكومات تزعم العمل على إصلاح البلد والتقدم به، في وقت تعجز عن إصلاح شارع واحد.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات