السبت 23 يونيو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » العمليات العسكرية ضد المدنيين »

الأنبار.. فرق رفع الألغام تنهب أموال النازحين وتسلب أرواحهم

الأنبار.. فرق رفع الألغام تنهب أموال النازحين وتسلب أرواحهم

قسم التحقيقات- الأنبار

“وأخيرا” كانت هذه هي الكلمة التي قالها “عدنان” وهو فرحًا بسماح القوات المشتركة له بدخول مدينته “الرطبة” غرب محافظة الأنبار؛ ليتفقد منزله، بعد قرابة أربعة أعوام من النزوح القسري، والتشرد بين مخيمات النازحين، لم تدم فرحة “عدنان” طويلًا، فبعد سفر طويل ورحلة شاقة تجاوز خلالها عشرات المفارز الأمنية الحكومية، فوجئ “عدنان” بعبارة مكتوبة على داره في -والذي كان قد غادره قبل ثلاث سنوات ونصف- “احذر البيت مفخخ”، تجمدت قدماه وهو ينظر يمينًا ويسارًا علّه يفهم صحة ما مكتوب على داره، أهو حقيقة؟ أم مجرد تنبيه كاذب؟! كالحال الذي يعيشه، وبعد أن تحقق من الأمر؛ تبين أن البيت مفخخ، وأن عليه أن يدفع مبلغ 800 دولار أمريكي للقوات الماسكة للمدينة، مقابل تفكيك البيت، والتي تبين فيما بعد أنها قوات مليشياوية تابعة للحشد الشعبي.

إن لم تدفع بالدولار فلا عودة لك

كلمات أطلقها “علي جعفر” أحد منتسبي ميليشيا الحشد الشعبي المنتشرة في القرى التابعة لـ”القائم”، وهو يطالب سكان القرية بالدفع له ولجماعته، مقابل إزالتهم للألغام من بيوتهم، والتي يدّعي أن مسلحي “تنظيم الدولة” كانوا قد زرعوها قبل انسحابهم من المنطقة باتجاه الحدود السورية.

“الوضع في “الرطبة” الآن سيء للغاية، فلا وجود لأي قوة أو جهد حكومي يعمل على تنظيف البيوت من مخلفات الحرب

وشهدت مناطق محافظة الأنبار غربي العراق عمليات استغلال ممنهجة من قبل الميليشيات، بعد عمليات عسكرية كبيرة شنتها القوات المشتركة وميليشياتها الطائفية المتحالفة معها، مدعومةً من التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة، حيث عمدت هذه الميليشيات إلى استخدام كل الوسائل التي أُتيحَت لها في سبيل نهب أموال وممتلكات سكان محافظة الأنبار.

وقال الصحفي “س.أ” لــ”وكالة يقين” -صحفي من محافظة الأنبار-: إن مدينة الفلوجة التي أعلنت حكومة “العبادي” عن استعادة السيطرة عليها في حزيران/ يونيو 2016، شهدت أولى حالات استغلال الميليشيات ومتاجرتهم بأرواح سكان المدينة.

ويضيف الصحفي -رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية-، أن ميليشيا الحشد الشعبي فاوضت أصحاب البيوت الملغمة على دفع مبلغ “ألفي دولار” مقابل تفكيك العبوات والألغام المتروكة أو المزروعة في البيت، واستمرت هذه الحالة قرابة خمسة أشهر واضطر كثير من المدنيين إلى دفع هذه المبالغ مقابل إزالة الألغام، والسماح لهم بالعودة إلى المدينة.

استمرار النزوح أو الموت بالألغام

حال بقية المدن لم يكن أفضل، فمدن “القائم” و”الرطبة” و”راوة” غرب الأنبار التي سيطرت عليها القوات المشتركة وميليشيا الحشد الشعبي مؤخرًا، ما زالت تشهد استغلالًا منقطع النظير للسكان مقابل تعهد المليشيات بإزالة الألغام والمتفجرات.

المواطن “عمر سعيد” وهو مدرس في إحدى مدارس مدينة “الرطبة”، ويقيم حاليًا في مدينة “أربيل” حيث يعمل في ممثلية وزارة التربية في إقليم كردستان، تحدث لـ”وكالة يقين”: إن سبب عدم عودته لمدينته هو أن بيته مليء بالألغام والمتفجرات، بحسب ما أبلغه أحد أقاربه من الذين عادوا لتفقد مدينتهم.

“القائم تعد مخزنًا للألغام والعبوات الناسفة غير المنفلقة”

ويضيف “سعيد”، أن ميليشيا الحشد التي سيطرت على مدينة الرطبة برفقة القوات المشتركة، أبلغت بعض السكان من القرى المجاورة للرطبة بأنهم على استعداد لإزالة الألغام من المنازل، مقابل خمسمائة دولار للبيت الواحد، مؤكدًا، أنه بالفعل دفعت بعض العوائل الأموال للمليشيات، لكن بعض البيوت لم تزل منها الألغام رغم وعود المليشيات، واكتفت في بعض الحالات بإبطال مفعولها فقط من دون رفعها.

ويستطرد المدرس في حديثه قائلًا: إن الوضع في “الرطبة” الآن سيء للغاية، فلا وجود لأي قوة أو جهد حكومي يعمل على تنظيف البيوت من مخلفات الحرب، ويعلل الجيش الحكومي ذلك بعدم امتلاكه للخبرات الهندسية اللازمة والمعدات في سبيل نزع الألغام. مضيفًا، أن بعض العائدين لبيوتهم في “الرطبة” فقدوا حياتهم، أو قُطِّعَت أطرافهم، وأصيبوا بإعاقات دائمة بسبب مخلفات الحرب.

مسؤول محلي: إهمال حكومي في رفع الألغام

من جانبه تحدث قائمقام “الرطبة” “عماد مشعل” لـ”وكالة يقين“، إن المدينة لم تشهد أي جهد حكومي في إزالة الألغام عدا الجهد الهندسي للجيش الحكومي الذي عمل لفترة محدودة عقب استعادة المدينة مباشرة.

وعن عدد المنازل المفخخة؛ يضيف، أن أكثر من مائة منزل مفخخ الآن في “الرطبة”، ولا وجود لأي جهد من أجل تفكيكها، ونفى مشعل وجود أي شركة محلية أو دولية مختصة بنزع الألغام تعمل في “الرطبة” في الوقت الحالي.

وعن استغلال سكان المدينة من قبل بعض الميليشيات المسلحة قال القائمقام: إن ذلك حصل في الفترة التي أعقبت استعادة السيطرة على المدينة، لكن حاليًا لا وجود لأي جهد في سبيل تنظيف المدينة من الألغام، وكل الجهات تتهرب من هذا الأمر، حتى الجيش الحكومي يتعذر بعدم امتلاكه المعدات المناسبة لنزع الألغام ومخلفات الحرب. مؤكدًا أن مخلفات الحرب هذه تعيق عودة النازحين إلى مدينتهم، خاصة أن المدينة شهدت مقتل أكثر من 25 شخصًا بسبب الألغام والبيوت المفخخة، بحسبه.

ناشط: “القائم” مخزن للألغام

مدينة “القائم” هي الأخرى ليست أفضل حالًا من جيرانها، فالمدينة التي أعلن رئيس الوزراء “حيدر العبادي” استعادة السيطرة عليها في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، تعد أكثر المدن تضررًا من الألغام والمخلفات الحربية، بحسب الناشط المدني “سلمان جميل” الذي قال لـ”وكالة يقين”:” إن المدينة تعد مخزنًا للألغام والعبوات الناسفة غير المنفلقة”.

“الأوامر المعطاة للجيش لا تسمح لهم بإزالة الألغام”

وأكد “جميل” -الذي يعمل ضمن فريق تطوعي لنشر الوعي بين سكان المدينة الذي عادوا-، أن الميليشيات فرضت خلال الأشهر الماضية مبالغ مالية تقدر بين 300 إلى 700 دولار لإزالة الألغام من البيوت والمحلات التجارية بحسب عدد الألغام، وأن بعض هذه المجموعات لم تفِ بما وعدت به، حيث أخذت المبالغ ولم تُزِلْ أي لغم أو عبوة.

ويضيف الناشط المدني في حديثه، أن عائلة مكونة من ثلاثة أشخاص قضت نتيجة عودتها للبيت، بعد أن ادعت الميليشيات أنها طهرته مقابل خمسمائة دولار، وفور دخول العائلة للبيت؛ انفجر البيت وقضت العائلة -المتكونة من الأب والأم وطفل صغير- نحبها، وبيّن “جميل” أن “القائم” تعد بحق أكثر المدن العراقية تضررًا بالألغام، حيث بسبب طبيعة المنطقة الصحراوية وقربها من الحدود السورية وامتدادها الجغرافي الواسع، فإن مساحات واسعة من “القائم” والمناطق المحيطة بها مزروعة بالألغام.

وأوضح “جميل” في ختام حديثه للوكالة، أن كثيرًا من الرعاة تعرضوا لبتر في الأطراف، أو الموت؛ بسبب الألغام والعبوات الناسفة، وما يؤرق سكان المدينة هو عدم وجود جهد حكومي في سبيل خلاصهم، بحسبه.

ضابط سابق: الحرب “غير نظامية”

من جانبه يقول “فلاح الدليمي” -وهو ضابط برتبة مقدم في الجيش العراقي السابق-: إن مشكلة الألغام في “القائم” خاصة، وفي محافظة الأنبار عامة؛ مشكلة كبيرة، وبين أنه لا توجد أي خرائط لمناطق زرع هذه الألغام بسبب الحرب غير النظامية التي دارت في المنطقة، على عكس الحروب النظامية التي تعمد فيها الجيوش النظامية إلى رسم خرائط توضح المناطق المستهدفة بالألغام، والتي من الممكن لو كانت متوفرة إزالة هذه الألغام أو تجنب مناطق تواجدها على أقل تقدير.

“قصص لا تنتهي عن مخلفات العمليات العسكرية، وما تسببه من مآس بين سكان المحافظة”

أما عضو مجلس محافظة الأنبار “عيد عماش” قال في حديثه لــ”وكالة يقين”: إنه لا توجد أي بيوت مفخخة في “القائم”، وأن نسبة لا يستهان بها من النازحين عادوا للمدينة، لكن المدينة تفتقر للخدمات الأساسية، خاصة الكهرباء، حيث إن خطوط نقل الطاقة والمحطات الرئيسة والثانوية معطلة بالكامل، وأن الحكومة المحلية لا تملك الموارد المالية اللازمة من أجل إعادتها.

وأضاف “عماش”، أن شركة عراقية- أمريكية مشتركة تُدعى أوبتيما “OPTEMA”، تعمل الآن في مدينة “راوة”، نافيًا وجود أي بيوت مفخخة في مدينة “عنة” أيضًا، وأوضح “عماش” في حديثه أن الحكومة المحلية في الأنبار كانت قد تعاقدت مع شركة “أوبتيما” لتطهير مدينَتَي “الرمادي” و”الفلوجة” من المتفجرات، وأن هذه الشركة عملت على تطهير هاتين المدينتين بالكامل من أي بيوت مفخخة أو ألغام، بحسبه.

“راوة”.. أكثر من 135 منزلًا مفخخًا

أما قضاء “راوة” إحدى مدن غرب محافظة الأنبار، والتي سيطرت عليها القوات المشتركة في أواخر عام 2017، وحالها كحال مدن العراق الأخرى؛ التي شهدت حربًا لم تُبْقِ ولم تذرْ، لا تزال بعض بيوتها مفخخة.

حيث كشف قائممقام قضاء “راوة” بمحافظة الأنبار “حسين علي” لوسائل الإعلام عن وجود 135 منزلًا مفخخًا في القضاء، وقال علي في حديث تابعته “وكالة يقين”: إن أكثر من 135 منزلًا في مناطق مختلفة من “راوة” -230 كم غرب الرمادي”، تبين أنها مفخخة، وأوضح “علي” أن الجهد الهندسي يواصل تفكيك تلك المنازل المفخخة بأقل ما يمكن من الخسائر.

“أكثر من 5000 آلاف قتيل ومصاب جراء الالغام والعدد في تزايد”

قصص لا تنتهي عن مخلفات العمليات العسكرية، وما تسببه من مآس بين سكان المحافظة، “حسام رمضان”، -أحد سكان قضاء راوة- عاد إلى مدينته قبل ثلاثة أشهر، قال في حديثه لــ”وكالة يقين”: إن عمليات نزع الألغام والمتفجرات توقفت في المدينة، وأن لا أحد يأبه بحياة المواطنين، وأضاف أن طبيعة التفخيخ والألغام في مدينة “راوة” تتسم بما يمكن تسميته “مصائد المغفلين”.

ويروي “رمضان” قصة جاره الذي قُتِلَ فور عودته إلى منزله عندما انفجر باب غرفة نومه وهو يهم بفتحه، وقال: “إن الجهد الهندسي للجيش الحكومي عمل على تطهير الطرق الرئيسة في راوة، والتي يستخدمها الجيش في تنقل أرتاله وآلياته، لكنه لم يطهّر الطرق الفرعية الأخرى، والطرق الترابية حول المدينة والمؤدية إليها”.

ويضيف “رمضان” في حديثه، أنه هو ومجموعة من المواطنين أبلغوا القوات المشتركة المتواجدة هناك بأماكن تواجد بعض هذه الألغام، فأخبروهم أن الأوامر المعطاة للجيش لا تسمح لهم بإزالة الألغام لافتقارهم للمعدات، واستدرك رمضان حديثه للوكالة حيث قال: “بعد اتصالات عدة مع بعض المتنفذين من القوات الحكومية والميليشيات المتواجدة في راوة وحولها، تبين أن على من يريد تطهير منزله، فعليه دفع مبالغ مالية -لم يحدد قيمتها- لقاء ذلك”، بحسب رمضان.

وأوضح رمضان أن كثيرًا من المنظمات المحلية والدولية زارت “راوة”، واطلعت على معاناة المدنيين جراء الألغام ووعدت بإزالتها، لكن أيا من هذه المنظمات لم تف بوعدها، واكتفت بأخذ الصور وتسجيل البيانات، والانصراف، وإطلاق الوعود المعتادة، بحسبه.

آلاف المدنيين ضحايا المخلفات الحربية

وبحسب وزارة الصحة في حكومة العبادي، فإن أكثر من 5000 آلاف قتيل ومصاب جراء الالغام والعدد في تزايد، حيث سجلت دائرة شؤون الألغام التابعة لوزارة الصحة والبيئة العراقية، آلاف المتوفين والمصابين بمحافظة الأنبار بسبب الألغام والمخلفات الحربية، وذلك في إطار تنفيذ مشروع المسح الميداني لضحايا المخلفات الحربية في المدن المستعادة.

“عدم وجود أي جهد حكومي حقيقي في سبيل حل مشكلة الألغام، ليستمر الدم العراقي

وكانت مسؤولة قسم التوعية والإعلام في وزارة الصحة “رنا جاسم”، قد قالت خلال تصريح صحفي، في شباط/ فبراير الماضي إن دائرتها نفذت منذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي مشروع إحصاء عدد ضحايا العبوات الناسفة والعمليات الحربية في خمس مدن في محافظة الأنبار، هي “الصقلاوية” و”الكرمة” و”الحبانية” و”الفلوجة” و”الخالدية”، وأوضحت أن عدد الضحايا بلغ أكثر من 5200 بين قتيل ومصاب في مدن الأنبار، وأضافت، أن المشروع سينتقل إلى بقية مدن الأنبار، ثم إلى محافظة نينوى في الأشهر القادمة.

وليست محافظة الأنبار وحدها مَن تعاني من الألغام، فالموصل تحتاج إلى عشر سنوات لإزالة الألغام، بحسب “بير لودهامر” وهو مدير برنامج لدى الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، حيث يقول في تصريح صحفي: إن معركة الموصل خلفت ما يقدر بأحد عشر مليون طن من الحطام والأنقاض، وأنه من المُعتقَد أن ثلثي المواد المتفجرة ما زالت مدفونة تحت الركام.

ويضيف “لودهامر”: “نحن نرى ذخائر أسقطت من الجو وقنابل تزن الواحدة 500 رطل تم إسقاطها، تخترق الأرض لمسافة 15 مترًا أو أكثر، مجرد إخراج الواحدة منها يستغرق أيامًا وأحيانًا أسابيع”، ويصف “لودهامر” الوضع بالقول “بدا الأمر كما لو أن إعصارًا ضرب متجرًا للإلكترونيات، أزلنا في المستشفى الرئيسي غرب الموصل المعروف باسم مدينة الطب والمواجه للمدينة القديمة، أكثر من 2500 مادة متفجرة، من أحزمة ناسفة وقذائف صاروخية وقذائف مورتر وقنابل يدوية”.

ولا تتوفر أي إحصائية محلية أو دولية عن عدد الألغام التي ما زالت تهدد حياة العراقيين، فضلًا عن عدم وجود أي جهد حكومي حقيقي في سبيل حل هذه المشكلة، ليستمر الدم العراقي بالنزيف الذي بدأ مع الغزو الأنجلو أمريكي للعراق عام 2003، ولتستمر معه آهات النازحين والمصابين بألغام الحرب التي جاءت بها ديمقراطية أميركا المزعومة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات