الجمعة 25 مايو 2018 | بغداد 16° C
الرئيسية » الزراعة في العراق »

المبادرة الزراعية.. فشل ذريع بعد 9 سنوات من الإنفاق الباذخ

المبادرة الزراعية.. فشل ذريع بعد 9 سنوات من الإنفاق الباذخ

قسم التقارير – العراق

بالرغم من الهالة الإعلامية الضخمة التي أحاطت بها الحكومة في “المبادرة الزراعية” التي أطلقتها عام 2008، والمبالغة في الأهداف الموضوعة لها، وصولًا إلى تحقيق العراق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية والإنتاج الحيواني، إلا أن جميع المؤشرات الحالية تذهب باتجاه فشل هذا المشروع بعد 9 أعوام من انطلاقة، بسبب سوء التخطيط من جهة، والمحسوبية من جهة أخرى، فضلًا عن ارتباط أصحاب القرار بـمصالح سياسية ومالية خارجية، تحول دون إيقاف المستورد من هذه المنتجات، أو تقليلها.

وأطلقت الحكومة في مطلع آب/ أغسطس 2008 “المبادرة الزراعية” بإشراف مباشر من رئيس الوزراء وعضوية وزراء الزراعة والموارد المائية، وعدد كبير من المسؤولين الخبراء والمستشارين للعمل على تنمية الموارد المائية، وتحديث البنية التحتية للمشاريع الزراعية، ودعم مشاريع الإنتاج الحيواني، بالإضافة إلى تطوير التعليم الزراعي بكافة مراحله، والتركيز على إرسال البعثات و الزمالات الدراسية.

قروض للمتنفذين فقط

وفي الوقت الذي ترتكز المبادرة في جوهرها على تقديم القروض إلى الفلاحين من أجل تنفيذ مشاريعهم الزراعية الخاصة في مجالَي المحاصيل والثروة الحيوانية، غير أن المزارع “لطيف حسون الخفاجي” من ناحية “اللطيفية” جنوب بغداد يرى أن الأمر تحول علاقات عامة ومحسوبيات ووساطات للحصول على هذه القروض، التي يؤكد أنها تذهب إلى المتنفذين، وذوي الارتباطات بالأحزاب وقياداتها .

“النتيجة طبيعية في ظل الفساد المستشري في ملف قروض المبادرة الزراعية”

ويبين الخفاجي لـــ”وكالة يقين“، أنه قدم مشروعًا متعددًا يتضمن الحصول على منظومة رش، من شأنها أن تستصلح أكثر من 160 دونمًا، وبناء حقل لتربية العجول، وبحيرة أسماك، وحصل على موافقة “الشعبة الزراعية” و”مديرية الزراعة”، وتوجه بالطلب إلى المصرف مرفقًا به جميع الوثائق التي تثبت ملكيته للأرض، وجدوى هذا المشروع، والأرباح المتوقعة منه، والتي من شأنها أن تسدد أقساط القرض إلى المصرف في فترة قياسية.

ويستدرك المزارع “الخفاجي”؛ بأنه ينتظر منذ 4 سنوات أن يتم الموافقة على صرف هذا القرض، ولكن بدون جدوى؛ لأنه يفتقر إلى أهم عنصر في الحصول عليه، وهو العلاقات مع الأطراف المتنفذة في الأحزاب، مضيفًا بأنه يعرف شخصيًا الكثير من الذين حصلوا على هذه القروض بفضل هذه العلاقات، ومنهم مقرب من حزب إسلامي نافذ في ناحية “اللطيفية”، حصل -وبفترة قياسية- على قرض بمليار ونصف المليار دينار، أنفقها على مشروع استثماري في بغداد.

4 تريليون دينار أُنْفِقَت على المبادرة

ووفقًا لأرقام مؤكدة حصلت “وكالة يقين” عليها؛ فإن السنوات الأربع الأولى من مشروع “المبادرة الزراعية” شهدت صرف أكثر من 1300 مليار دينار، عبر “المصرف الزراعي” الذي تسلم 280 مليار دينار عام 2008، و235 مليار عام 2009، و275 مليار عام 2010، و280 مليار عام 2011، و250 مليار عام 2012، بينما ترجح مصادر مطلعة أن يكون المشروع قد استهلك حتى العام الحالي 2018 مبلغًا يقترب من 4 تريليون دينار عراقي، تم توزيعها على شكل قروض.

وفي الوقت الذي كان من المفترض أن يؤدي إنفاق هذه المبالغ الضخمة إلى تَحَسُّن ملحوظ في وفرة المنتج المحلي من المحاصيل الزراعية والحيوانية في الأسواق، ويقابلها انخفاض في المُستورَد منها، غير أن الواقع يشير إلى نتيجة عكسية، حيث أكد عضو لجنة الزراعة في البرلمان النائب “عبدالهادي خير الله” أن العراق بات يستورد أكثر من 75% من الخضروات والمنتجات الحيوانية من الخارج.

خبير: القروض تستخدم في شراء العقارات

من جهته يرى الخبير الاقتصادي “عبدالصمد المشهداني”، أن هذه النتيجة طبيعية في ظل الفساد المستشري في ملف قروض “المبادرة الزراعية”، والتي تحولت إلى صفقة تجارية بين الطرفين المستفيدين، وهما طالب القرض، وهو الفلاح والمسؤول عن صرفه، وهم مدراء البنوك الذين يحصلون –بالتأكيد- على نسبتهم من القروض، من دون وجود أي ضمانات حقيقية، أو متابعة لهذه المشاريع الزراعية إن وُجِدَت فعلًا على أرض الواقع.

ويوضح “المشهداني” المقيم في العاصمة الأردنية “عمان” في حديث لـــ”وكالة يقين”، أنه يعرف وسمع عن العديد من الحاصلين على هذه القروض، والذين أنفقوها في شراء أسهم في مشاريع لا علاقة لها بالزراعة، وبعضهم اشترى بمبالغ القروض عقارات داخل العراق وخارجه، مضيفًا بأن فشل المبادرة هو أمر حتمي؛ لأن المشرفين عليها -سواء كانوا مديرين أو حتى وزراء- لم يزرعوا في حياتهم شيئًا، وحصلوا على مناصبهم وفق المحاصصة، وليس الكفاءة أو التدرج في التخصص.

“منظر التمور الإيرانية المُكَدَّسة في الأسواق العراقية!، دليل على تبعية صُنَّاع القرار الذين حَوَّلوا بلدًا كان ينتج أغلب حاجة العالم من التمور الفاخرة؛ إلى مُستَهلِك لتمور إيرانية قليلة الجودة”

ويبين الخبير “المشهداني”، أن مجمل أهداف المبادرة لم تتحقق بعد 9 سنوات من الإنفاق الباذخ، فموارد الماء في العراق قاربت على الجفاف، وحالت موجة الأمطار الأخيرة دون حصول كارثة في هذا المجال، بينما تنحسر الأراضي الزراعية بشكل مستمر، مع تواصل معاناة الفلاحين من صعوبة الحصول على المياه والبذور والمُبيدات، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى هجرة أراضيهم، والتوجه نحو المدن؛ على أمل الحصول على مهنة جديدة أو وظيفة حكومية.

وتعقيبًا على موضوع الارتفاع المستمر في نسبة المحاصيل الزراعية المُستورَدة؛ يؤكد أن هذا الأمر لا يرتبط بالمبادرة؛ وإنما بحرص السياسيين وصناع القرار في العراق على إدامة علاقاتهم السياسية والمالية مع الدول الخارجية، التي تصدر محاصيلها الزراعية والحيوانية إلى العراق، برغم وجود قرار رسمي من مجلس الوزراء، بمنع استيراد أي مادة زراعية من الخارج، في حال أن المنتج المحلي منها يكفي لسداد الحاجة.

ويستشهد الخبير بمثال واحد؛ هو منظر التمور الإيرانية المُكَدَّسة في الأسواق العراقية!، وهو -برأيه- دليل على تبعية صُنَّاع القرار الذين حَوَّلوا بلدًا كان ينتج أغلب حاجة العالم من التمور الفاخرة؛ إلى مُستَهلِك لتمور إيرانية قليلة الجودة، متحديًا أي مسؤول أن يُصدر قرارًا بمنع استيراد مثل هذه المنتجات، أو يحظر تداولها في الأسواق المحلية.

متحدث رسمي: القطاع الزراعي تطور بفضل المبادرة

إلى ذلك يؤكد الناطق باسم وزارة الزراعة “حميد النايف”، أن المبادرة الزراعية كان لها دور كبير في تنمية القطاع الزراعي وتطويره، بجانبية النباتي والحيواني، حتى أن العراق قارب في فترة من الفترات على تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال إنتاج المحاصيل الإستراتيجية.

“ظاهرة التصحر التي تعاني منها دول عديدة تبدو أكثر وضوحًا في العراق”

ويبين “النايف” لـــ”وكالة يقين” أن القطاع الزراعي في العراق كان يفتقر في السابق إلى المشاريع الإستراتيجية؛ بسبب الحروب المستمرة التي خاضها العراق، لافتًا إلى أن التعافي بدأ يظهر في الواقع الزراعي بعد انطلاق المبادرة الزراعية في عام 2008، وخصوصًا في جانبها النباتي؛ حين اقتربوا من تحقيق الاكتفاء الذاتي في زراعة المحاصيل الإستراتيجية في عام 2014، مستدركًا بأن دخول مسلحي “تنظيم الدولة” حال دون ذلك، بعد أن خرجت ثلاث محافظات هي “نينوى” و”صلاح الدين” و”الأنبار” من الإنتاج.

واعتبر “النايف” أن وزارة الزراعة تسير بِخُطى ثابتة في طريق الارتقاء بمجمل الواقع الزراعي، حيث حققت نتائج واضحة في هذا المجال، حتى وصل عدد المفردات الممنوعة من الاستيراد الخارجي 12 مفردة زراعية؛ بسبب إنتاجها الغزير، وتوفرها في الأسواق المحلية، وسداد حاجة المواطن منها.

وفي السياق الحكومي أيضًا؛ فإن وكيل وزارة الزراعة “مهدي القيسي”، تمنى أن تستمر المبادرة الزراعية، ولا يتم تحديدها بجدول زمني؛ لأنها جاءت لإسناد القطاع الزراعي، ممثلًا بِوَزارَتَي الزراعة والموارد المائية والمصرف الزراعي، معتبرًا أن الإقراض الزراعي للفلاحين حقَّق انجازًا كبيرًا في الإنتاج الزراعي، وفي كافة المحافظات.

تهديدات جدية للسلة الغذائية

وبخلاف الصورة الحكومية المتفائلة؛ فإن المتخصص في الجغرافيا المناخية الأستاذ “أكرم العزاوي” يؤكد استمرار العراق في فقدان أكثر 70 ألف دونم سنويًا من أراضيه الصالحة للزراعة؛ بسبب التصحر وسوء التخطيط، مبينًا أن نسبة 8% المزروعة حاليًا من مجمل الأراضي الصالحة للزراعة في العراق مُهَدَّدة بالانخفاض في المستقبل.

“يحذر “العزاوي” من تفاقم كبير للمشكلة؛ بات يهدد السلة الغذائية للعراق”

ويوضح العزاوي لـــ”وكالة يقين” أن ظاهرة التصحر التي تعاني منها دول عديدة تبدو أكثر وضوحًا في العراق، حيث انخفضت نسبة الأراضي الصالحة للزراعة إلى أقل من 30% من مجمل المساحة، لافتًا إلى أن الإهمال المستمر لقطاعَي الزراعة والرَّي ساهم كثيرًا في ارتفاع نسبة الأراضي غير الصالحة للزراعة.

ويحذر “العزاوي” من تفاقم كبير للمشكلة؛ بات يهدد السلة الغذائية للعراق، متمثلًا في الانخفاض المستمر في الإنتاج الزراعي، والذي وصل إلى واحد من أشهر المحاصيل وأكثرها وفرة في العراق، وهو “التمر” الذي يُسمَّى بطعام الفقير، حيث تشير مصادر “العزاوي” الخاصة إلى أن أعداد النخيل انخفضت إلى أقل من 9 ملايين نخلة في عموم العراق، بعد أن كانت الأرقام الرسمية تشير إلى وجود أكثر من 40 مليون نخلة في العراق مطلع الثمانينات.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات