الإثنين 20 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

جرائم الميليشيات تحوّل حياة سكان قرى "ديالى" إلى جحيم

جرائم الميليشيات تحوّل حياة سكان قرى “ديالى” إلى جحيم

قسم التقارير – ديالى

قذائف هاون وأخرى صاروخية.. ضيف قاتل يحلُّ بين الفينة والأخرى على مدن وقرى في محافظة “ديالى” من دون استئذان، فيسبب قتلًا وإصابات في صفوف المدنيين، وينشر الرعب بين سكان هذه المدن التي أصبح الاعتداء عليها روتينًا يوميًا، لاسيما مناطق “كاطون الرحمة، المفرق، الحديد، جرف الملح، المخيسة، أبو صيدا”، وغيرها من القرى الصغيرة في المحافظة، فانفلات السلاح بيد الميليشيات، وعدم اكتراث القوات الحكومية لممارساتها الوحشية، بل وتستر بعض قياداتها على تلك الممارسات الطائفية؛ فاقمت الأزمة وتسببت بهجرة جماعية لسكان تلك المدن والقرى.

“أحرقت الميليشيات وفجرت عشرات المساجد، فيما تعرّض روادها إلى استهداف بالقتل أو التهديد والتهجير”

ووصل الأمر في ناحية “أبي صيدا” إلى تهديدات بالقتل، طالت -وبشكل علني- أعضاء المجلس المحلي للناحية، ولأسباب طائفية وسياسية، وكأن شبح الموت أصبح مرافقًا لمواطني محافظة “ديالى” بمختلف مراكزهم الاجتماعية ومناصبهم السياسية، فلم يسلم من هذه التهديدات لا مسؤول ولا مواطن، هي الخلافات السياسية التي قد تكون سببًا في توجيه التهديد بالقتل لمسؤولين كبار في المحافظة، لكنّ المواطن العادي يدفع ضريبة انتمائه لمحافظة؛ قررت أجندات خارجية استهدافها وتغيير ديموغرافيتها.

ارتباط هذه المحافظة بحدود مع إيران، ولكونها المنفذ الأقرب إلى بغداد من جهة إيران؛ جعل سكانها ضحية لتسلل فكري وبشري ممنهج، فبعد أن كان “المكون السني” يمثل ثلثي سكان محافظة “ديالى”، تراجعت نسبة “السنة” فيها إلى أقل من50%؛ بسبب ممارسات الميليشيات الطائفية من عمليات قتل وتهديد وقصف هاوني شبه يومي، وتهجير، وشراء أملاك المهجرين بأسعار بخسة، وتدمير أراضٍ وحرق بساتين.

جرائم ممنهجة لتغيير ديموغرافية ديالى

أدل ما يثبت نية الميليشيات بتغيير ديموغرافية “ديالى”، واستهداف مكون معين فيها؛ هو استهداف المساجد والأماكن التابعة لهذا المكون، حيث لم تسلم بيوت الله من عمليات الترهيب التي طالت المحافظة، فقد أحرقت الميليشيات وفجرت عشرات المساجد، فيما تعرّض روادها إلى استهداف بالقتل أو التهديد والتهجير.

“عمر” -29 عامًا-، تحدث لـ”وكالة اليقين” عن الانتهاكات التي تعرض لها هو وأسرته، حيث فقد إحدى قدميه جراء سقوط قذيفة هاون بالقرب منه، استهدفته هو ومجموعة من المصلين، أثناء توجههم لأداء صلاة الجمعة، في أحد جوامع ناحية “هبهب” التابعة لقضاء الخالص، حيث كان برفقة والده وعمه الذي توفي على الفور، ليترك عائلة مكونة من أربع فتيات. “عمر” كان طالبًا في كلية الهندسة/ جامعة بغداد، والذي حُرِم من مواصلة دراسته حينها؛ بسبب إعاقته وخوفه من الذهاب إلى العاصمة، لما قد يتعرض له في الطريق من اعتقال أو تصفية فورية من قبل الميليشيات الطائفية، فَفَضَّل البقاء في مدينته التي تتجرع مرارة الموت بشكل يومي.

“استهداف قرى ونواحٍ في المحافظة؛ كَتَبَ قصصًا مأساوية، أبطالها ضحايا قُتِلوا بنيران الميليشيات”

أراضٍ زراعية تسيطر عليها جهات مسلحة ومتنفذة، تستغل هجرة السكان الأصليين للمدينة، هذا ما تحدث عنه “عمر”، -وبحسرة- استعاد فيها ذكريات طفولته، حين كان يذهب في عطلة نهاية الأسبوع برفقة أعمامه إلى أرضهم الزراعية، والتي كان ينظر لها جزءًا من مستقبله، حتى تحولت إلى رماد، بعد أن أقدمت عناصر ميليشياوية على حرقها، وبعد مدة جاءت عناصر مسلحة لتستولي عليها.

ومن جانبها، أكدت عضو مجلس محافظة “ديالى” “نجاة الطائي” في تصريحها لـ”وكالة يقين”، عدم تمكن المهجرين من العودة إلى منازلهم؛ بسبب الدمار الكبير الذي تشهده قراهم؛ لما طالها من حرق وتدمير؛ بسبب الأعمال العدائية والطائفية للميليشيات، إضافة إلى الضغوطات التي لا تزال تتعرض لها تلك القرى؛ بدافع تغيير ديموغرافيتها.

أعداد متزايدة للأرامل والأيتام في ديالى

استهداف قرى ونواحٍ في المحافظة؛ كَتَبَ قصصًا مأساوية، أبطالها ضحايا قُتِلوا بنيران الميليشيات، عائلات فقدت معيلها؛ فاضطر الأمر بنسائها وأطفالها للعمل تارة، أو التسول تارة أخرى للحصول على لقمة العيش، هذا ما تحدثت عنه “الطائي” في تصريحها للوكالة، والتي أضافت أن أعداد الأرامل والأيتام بمحافظة “ديالى” في تزايد مستمر، وأن المحافظة مهملة بالكامل من حيث الرعاية الاجتماعية لتلك الأُسَر المتضررة، وأن الأرامل والأيتام يواجهون مصيرًا مجهولًا في ظل صمت حكومي عن مأساتهم.

وكان مجلس محافظة “ديالى” قد أعلن عن تجاوز عدد الأرامل في المحافظة أكثر من 44 ألف أرملة، حتى نهاية عام 2017، وسط ظروف مأساوية ومعاناة تعيشها تلك الأُسَر.

“أما قضاء “المقدادية” فيشهد إعدامات بحق شباب من مكون معين، بشكل علني على يد الميليشيات”

بالرغم من وجود هذا العدد الهائل من النساء والعوائل التي هي بحاجة إلى دعم في مناطق “ديالى”، وخاصة القرى، إلا أن هناك منظمات تنفذ مشاريعها في مناطق معينة، وفقًا للمحسوبية، بعد اتفاقات مبطنة ما بين شخصيات وَجِهات مع ممثليها، وهذا ما أكدته “أم علاء” في حديثها لـ”وكالة يقين”، وقالت: إنها علمت الأمر من قريب لها يعمل في إحدى المنظمات الإغاثية.

و”أم علاء” -35 عامًا- قُتِل زوجها نتيجة سقوط قذيفة هاون على دكانه الصغير في منطقة “المخيسة” شمال شرق بعقوبة، وكان يعيل عائلته المكونة من خمسة أشخاص، بينهم والدته ووالده الكبيرين في السن، وتتحدث “أم علاء” عن معاناة حقيقية واجهتها بعد فقد زوجها، ولجأت إلى الحكومة المحلية في المحافظة، ودفعت أموالًا لتيسير معاملة الشؤون الاجتماعية من دون جدوى، واتجهت بعدها لخياطة الملابس لإعالة أسرتها رغم صعوبة العيش، إلاّ أنها تمكنت من مواجهة الظروف الصعبة، في وقت تخلّت عنها الحكومة والمعنيون بهذا الشأن، لكنّ التهديد الطائفي لم يتوقف عند هذا الحد، بل بدأت الميليشيات بمضايقتها وابتزازها، واستغلال كونها امرأة تعيل أسرتها، فاضطرت لمغادرة المنطقة والتوجه إلى أقاربها في بغداد، بعيدًا عن التهديد والابتزاز.

لِقَضاء “المقدادية” قصة أخرى

أما قضاء “المقدادية” فيشهد إعدامات بحق شباب من مكون معين، بشكل علني على يد الميليشيات، حيث أُعْدِم تسعون شابًا من أبناء القضاء في عام 2016، ولم تحرك الحكومة ساكنًا، وعندما حاول رئيس البرلمان سليم الجبوري -وهو ابن المقدادية- التوجه للقضاء؛ منعته تلك الميليشيات من الدخول، حتى ومعرفة ملابسات تلك الجريمة، وبذلك بدا واضحًا للسكان الخيار بين موتهم بِطُرُق بشعة، أو مغادرة مدينتهم وترك ممتلكاتهم ومنازلهم وجذورهم.

“حمّل لجنة حقوق الإنسان النيابية لتسترها على هذه الانتهاكات التي طالت سكان هذه المدينة المنكوبة”

وفي وضح النهار؛ تقدم الميليشيات على حرق المحال التجارية والممتلكات، مستهدفة عائلات القضاء على أسس طائفية، وانتشار مستمر لهذه الميليشيات التي تقوم باقتحامات واعتقالات عشوائية لشباب هذا القضاء، في رسالة تهجير واضحة للسكان.

وسط كل هذه الانتهاكات الإنسانية، تكتفي الحكومة بإدانات خجولة لهذه الأعمال، وفتح تحقيقات مصيرها دروج تملؤها أتربة، لا تختلف عن تراب ضَمَّ جثامين الشهداء الذين مُورِسَت بحقهم أبشع الجرائم.
“مركز جنيف الدولي للعدالة” كشف في تقرير له عن تورط شخصيات أمنية وعسكرية بارزة في ملف التصفيات والانتهاكات في “المقدادية” على وجه الخصوص، وَجِهات أمنية في المحافظة بتسترها على الانتهاكات التي لحقت بسكان “المقدادية”، كما حمّل لجنة حقوق الإنسان النيابية لتسترها على هذه الانتهاكات التي طالت سكان هذه المدينة المنكوبة.

وتحدث لـ”وكالة يقين” إمام أحد جوامع القضاء “أبو نبراس” -45 عامًا- عن التهديدات التي طالت سكان المدينة عمومًا، وأئمة الجوامع بصورة خاصة، حيث أقدمت الميليشيات على إحراق سيارته أثناء تواجده في الجامع في وقت صلاة المغرب، فتسبب الحادث بذعر كبير لسكان المنطقة، كما تحدث لنا عن تواصل التهديدات التي أعقبت هذا الحادث، حيث أقدمت هذه الميليشيات على خطف أحد أبنائه البالغ من العمر ثماني سنوات، أثناء توجهه إلى دكان بالقرب من منزله، وتدخلت أطراف عديدة لإطلاق سراح الطفل مقابل فدية مالية، حتى نجا إمام الجامع بنفسه وعائلته تاركًا “المقدادية” و”ديالى” كلها، ليستقر الآن في مدينة “السليمانية”.

ميليشيات منفلتة.. وعجز حكومي

السلاح المنفلت هاجس أصبح يؤرق العراق بكل محافظاته ومدنه، لكن “ديالى” تعاني منه بشكل مكثف، نظرًا لتركز الميليشيات فيها، والدعم المباشر الذي تحصل عليه من إيران، لكون “ديالى” محافظة حدودية، وهي البوابة الأقرب إلى العاصمة بغداد، ورغم النداءات الشكلية التي تطلقها الحكومة والأطراف السياسية لحصر السلاح بيد الدولة؛ إلاّ أن تلك الميليشيات تزداد تسلحًا وتوسعًا ونفوذًا، في وقت رفعت فيه شكاوى كثيرة للجهات المعنية حول الانتهاكات والجرائم في المحافظة، إلا أن الحكومة وقواتها المشتركة تُحَمِّل تنظيم الدولة المسؤولية.

رئيس مجلس محافظة “ديالى” “علي الدايني” كشف لـ”وكالة يقين”، عن أن الميليشيات المنفلتة في “ديالى”، والجماعات المسلحة التي تمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة؛ هي من تقوم بتلك الانتهاكات، مؤكدًا أن الحكومة المحلية ناشدت القوات المشتركة بشكل متكرر لحصر السلاح بيد الدولة.

“السلاح المنفلت هاجس أصبح يؤرق العراق بكل محافظاته ومدنه، لكن “ديالى” تعاني منه بشكل مكثف”

كما أكد “الدايني” وجود عناصر ميليشياوية لا تزال تتجول في “ديالى”، وتحديدًا في قضاء “المقدادية”، والذين صدرت بحقهم -في وقت سابق- مذكرات اعتقال؛ بسبب تورطهم بعمليات قتل وخطف، كاشفًا عن انفلات أمني في القضاء، يجبر الأهالي على إغلاق محالهم التجارية في ساعات مبكرة؛ بسبب الانتهاكات التي تمارسها تلك الجماعات بحقهم، مشيرًا إلى قيام تلك الجماعات بتهديد بعض الأهالي لترك منازلهم ومغادرة القضاء.

وأضاف، أن رئيس الوزراء حيدر العبادي، كان قد وعد -في وقت سابق- بفرض الأمن في “المقدادية”، إلا أن القضاء لا يزال يعاني انتهاكات صارخة بحق أبنائه، وكشف “الدايني” عن اجتماع جمعه مع قائد العمليات المشتركة “عبد الأمير يارالله”، والذي طالب خلاله بجلب قوات من خارج “المقدادية” للسيطرة على الوضع، مبينًا أن القضاء لا يزال تحت سيطرة العناصر المنفلتة، والتي تملك أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

وتحدث “الدايني” أيضًا عن تردي الوضع الأمني في ناحية “أبي صيدا”، وتغول الجماعات والعناصر المسلحة فيها، وما يحدث فيها من اشتباكات مسلحة بين الحين والآخر بين الميليشيات نفسها، والذي عزاه للخلافات السياسية والعشائرية، مؤكدًا أن الصراع على منصب مدير الناحية تسبب بصراع سياسي عشائري فيها.

هكذا بات الاستقرار والأمن -حبرًا على ورق-، وهذا هو حال “مدينة البرتقال”، التي يطالها تغيير ديموغرافي أفقدها هويتها، وأصبحت تشهد عادات وممارسات وطقوسًا غريبة عن سكانها وتراثها، فالتهجير القسري الذي طال سكانها حَوَّلها إلى مدينة أخرى، لم يستطع نازحوها من العودة والعيش في مدينة؛ تكون حياتهم فيها معرضة للخطر في كل يوم. خطط مستوردة تستهدف هذه المحافظة الحدودية مع إيران، تغير ثقافتها وديمغرافيتها وحتى معالمها، وسط دعايات حكومية كاذبة بفرض الأمن، وسحب السلاح من العناصر المنفلتة والميليشيات.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات