الإثنين 20 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

سلاح ميليشيا "الحشد".. قنبلة موقوتة تهدد محافظات الوسط والجنوب

سلاح ميليشيا “الحشد”.. قنبلة موقوتة تهدد محافظات الوسط والجنوب

قسم التقارير – العراق

أصوات رصاص، واشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وإصابات بين صفوف المدنيين، هكذا النمط الذي تعيشه مدن الجنوب بعد عودة عناصر ميليشيا الحشد إليها، جالبة معها أسلحتها من المعارك، فضلًا عن استغلالها واستحواذها على الأسلحة الأمريكية التي مُنِحت للجيش الحكومي، ونقلها إلى مدن الجنوب والوسط، لتوجه فوهاتها نحو السكان والمدنيين، وتكون وسيلة لتصفية حسابات حزبية وعشائرية.

فلم تكتفِ تلك الميليشيات بالقيام بانتهاكات بحق أبناء المحافظات التي سيطرة عليها؛ بل أصبح لاستهتارها وجه آخر يستهدف السلم الأهلي والأمن في معظم محافظات الوسط والجنوب، بحجة حمايتها، وبداعي فسح المجال لها؛ لكونها عادت منتصرة ولها الفضل في تخليص العراق! بحسب ما لمحت به قياداتها وصرحت به عناصرها.

ولم تكن ممارسات ميليشيا الحشد تلك بعيدة عن مرأى العالم، حيث دعت منظمة العفو الدولية “آمنستي” في تقارير لها الدول التي تزود العراق بالأسلحة إلى “فرض ضوابط أكثر صرامة على عمليات نقل الأسلحة وتخزينها ونشرها”، وذلك منعًا لوصولها إلى أيدي الميليشيات التي ترتكب –بواسطتها- جرائم حرب”.

وقالت المنظمة: إن الميليشيات قامت بعمليات إعدام خارج نطاق القانون، وتعذيب واختطاف آلاف الرجال والفتيان، وواصلت استعمال طيف واسع من الأسلحة والذخائر في ارتكاب انتهاكات خطيرة من دون أدنى خشية من العقاب.

الحكومة تغض الطرف عن سلاح الميليشيات

“مؤسسات الدولة العراقية شجّعت عمليات تزويد ميليشيات الحشد بالأسلحة”

وأضاف تقرير “آمنستي” الذي يحمل عنوان “العراق: غض الطرف عن تسليح ميليشيات الحشد” أن مخزونات هذه الميليشيات تحتوي على أسلحة وذخائر مصنّعة فيما لا يقل عن 16 بلدًا، بما فيها أسلحة صغيرة وأسلحة خفيفة وصواريخ وأنظمة مدفعية ومركبات مصفحة صينية وأوروبية وعراقية وإيرانية وروسية وأميركية.

وأكدت المنظمة الدولية في تقريرها أنه “منذ حزيران 2014، بدأت ميليشيات الحشد بعمليات قتل غير مشروع، وتعذيب واختطاف آلاف الرجال والصبيان الذين جرى اقتيادهم من بيوتهم أو أماكن عملهم، أو من مخيمات النازحين داخليًا، أو لدى مرورهم بحواجز التفتيش، أو من أماكن عامة أخرى، وعُثر على بعضهم لاحقًا قتلى، بينما لا يزال الآلاف منهم في عداد المفقودين، رغم مرور أسابيع وأشهر وسنوات على اختطافهم”.

وبيّنت: أن مؤسسات الدولة العراقية شجّعت عمليات تزويد ميليشيات الحشد بالأسلحة، بينما جرت عمليات نقل أخرى للأسلحة إليها بموافقة مباشرة أو ضمنية من جانب السلطات العراقية. ويقوم بعض أعضاء الميليشيات أيضًا بشراء الأسلحة بصورة فردية من الشركات الخاصة، وتحصل ميليشيات الحشد على قسط من أسلحتها وذخائرها مباشرة من إيران، إما على شكل هدايا أو في صيغة مبيعات.

وقد استغلت ميليشيا الحشد الأسلحة الأمريكية التي قدمتها إلى القوات العراقية وبدأت باستخدامها لمصالحها الخاصة وانتهاكاتها، وبناء على ذلك فقد تحدثت “مجلة فرين بوليسي” في تقرير لها عن سحب يد شركة أمريكية متخصصة بصيانة دبابات برامز الأمريكية بسبب سيطرة ميليشيا الحشد الشعبي على عدد من الدبابات والأسلحة التي كانت واشنطن قد زودت القوات العراقية بها، كاشفة عن إرباك كبير حدث في عمل المعدات العسكرية وعمل القوات العراقية بسبب انعدام الصيانة في معداتها.

سلاح الميليشيات.. من دون رقابة حكومية

وإلى البصرة، فبين ليلة وضحاها تتم السيطرة على عمارة سكنية ورثها “محمد الشريدة” من والده، حيث سيطرت عليها جماعة ميليشياوية مسلحة، فتوجه “محمد” إلى مركز الشرطة في منطقة البصرة القديمة، ليجيبه الضابط أنهم سيفتحون تحقيقًا بالحادث، وبدل أن تتوجه عناصر الشرطة إلى العمارة لتخرج المسلحين؛ توجهت عناصر مسلحة إلى منزل “محمد”؛ وقتلوه وسط عائلته المكونة من زوجته وثلاث فتيات.

وتحدث جار محمد “ع.ج” لـ”وكالة يقين” –ورفض الكشف عن اسمه لخطورة الموضوع-، عن تلك الحادثة وقال: إن هذه الحوادث أصبحت طبيعية في البصرة ومدن الجنوب بصورة عامه، فالسلاح المنفلت بيد العشائر والميليشيات حولت هذه المدن إلى حلبة صراع يخشى فيها من لا يملك سندًا مسلحًا على نفسه وعائلته، لدرجة أن الكثير من الأهالي قامت ببيع أملاكها بأسعار أقل من قيمتها والتوجه خارج العراق للتخلص من هذا الواقع.

“الحكومة تقوم على نظام ميليشياوي، فكل جهة تدّعي حصر السلاح بيد الدولة تملك هي نفسها كميات من السلاح”

وأضاف: كان محمد “رحمه الله” يتعرض لتهديدات بين الحين والآخر من قبل ميليشيات متنفذة في المحافظة، كانوا يرغبون بالحصول على عمارته المكونة من خمسة طوابق وتحوي مكاتب تجارية، كما أن ثلاثة من المستأجرين امتنعوا عن دفع الإيجار منذ خمسة أشهر، وكان “محمد” يخشى الضغط عليهم بسبب انتمائهم لعشائر مسلحة ومتنفذة.

ويتابع “ع.ج” حديثه، أن محافظة “البصرة” –شكليًا- تحت سيطرة الدولة، ولكن الواقع يثبت خلاف ذلك، فالعشائر المسلحة والميليشيات المتنفذة تجوب شوارع المدينة، والسلاح لا يملكه المواطن العادي، بل يملكه المتنفذ الذي بطبيعة الحال لا تجرؤ الدولة على المساس به أو تفتيش الأماكن التابعة له أو القبض على أتباعه، مؤكدًا وجود مخازن أسلحة لا حصر لها في المزارع والمناطق النائية في محافظة “البصرة”، والتي لا تجرؤ الدولة التوجه لها.

ولفت المواطن البصري في حديثه للوكالة إلى تجارة المخدرات، التي انتشرت في البصرة لنفس أسباب انتشار السلاح، وهو سيطرة الشخصيات الميليشياوية المتنفذة على هذه التجارة، التي أصبحت تهدد كل بيت في المحافظة.

مطالبات جوفاء بحصر السلاح بيد الدولة

إلى ذلك بدأ رئيس الوزراء “حيدر العبادي” يبح حنجرته بمحاربة الفساد والقضاء على السلاح المنفلت، بعد إعلانه إكمال استعادة السيطرة على المدن، وإذا بجميع التيارات الحزبية تبدأ بحملة تأييد لهذه الطموحات بعد يوم من إعلانه الحرب على السلاح المنفلت، وكأن الميليشيات التي تملك هذه الأسلحة تنتمي إلى قوة خارجية، أو أنهم جلبوا السلاح من أموالهم الخاصة.

ويتساءل مراقبون: من يستطيع السيطرة على مخازن أسلحة تنظيم الدولة؟ وإلى أي جهة ينتمي هؤلاء؟ ومن أين جلبوا سلطتهم التي مكنتهم من نقل هذه الأسلحة من مناطق سيطرتهم إلى محافظات الوسط والجنوب؟

“أنفقت الحكومة أموالًا طائلة بحجة تجهيز قواتها بالأسلحة الثقيلة منها والمتوسطة، وإذا بهذا السلاح يتحول إلى خطر يهدد أمن المواطن”

أسئلة لا يمكن حصرها، لكنّ جوابها –بحسب مراقبين- واحد؛ وهو أن الحكومة تقوم على نظام ميليشياوي، فكل جهة تدّعي حصر السلاح بيد الدولة تملك هي نفسها كميات من السلاح، ولو تم استخدامها بشكل صحيح لتمكنوا من فرض الأمن، لكن تسيب السلاح الذي تم العثور عليه في مخابئ تنظيم الدولة بيد الميليشيات المتنفذة جعل الشارع العراقي مسرحًا تُنفّذ فيه الجريمة في وضح النهار وعلى مرأى الجميع وحتى القوات الحكومية.

كما وأكد العبادي في آخر تصريح له أن سلاح ميليشيا الحشد الشعبي تابع للدولة، وهي قوة مساندة للقوات الحكومية وجزء منها، وهذا ما يمنح هذه الميليشيا شرعية قانونية في الأوساط الحكومية والشعبية ويعطيها مزيدًا من الصلاحيات.

من جانبه تحدث قائد عمليات البصرة العميد ركن “جميل الشمري” لــ”وكالة يقين”، وأكد استمرار القوات المشتركة في البصرة بعمليات دهم وتفتيش لأماكن تواجد الخارجين عن القانون، والذين يملكون كميات كبيرة من الأسلحة، مشيرًا إلى وجود أعداد كبيرة من هؤلاء لا يزالون ضمن الملاحقة القانونية، كما أكد ضبط كميات كبيرة من الأسلحة كانت بحوزة هؤلاء، وهي أسلحة مطابقة للأسلحة التي استخدمت في معارك استعادة السيطرة.

مخازن الميليشيات تمتلئ بالسلاح

“تحولت ممتلكات المواطنين في المحافظات التي شهدت العمليات العسكرية، وسيطرت عليها ميليشيا الحشد؛ إلى مصدر رزق للميليشيات”

وأنفقت الحكومة أموالًا طائلة بحجة تجهيز قواتها بالأسلحة الثقيلة منها والمتوسطة، وإذا بهذا السلاح يتحول إلى خطر يهدد أمن المواطن بدل أن يوفر له الأمن والاستقرار، وينتشر في الشوارع وعلى مرأى القوات الحكومية العاجزة عن التدخل؛ بسبب نفوذ الميليشيات التي تملك السلاح. كذلك فإن الفساد وسيطرة الميليشيات التابعة للأحزاب على مفاصل الدولة ومستقبل المواطن ومقدراته؛ هو جزء لا يتجزأ من الإرهاب الذي يزرع عبوة ناسفة أسفل سيارة أو يفجر مقهى، فالحالتان أودت بحياة المئات.

إلى ذلك يؤكد قائد عمليات الأنبار اللواء ركن “محمود الفلاحي” في حديثه لـ”وكالة يقين”، أن الأسلحة التي يتم ضبطها في أنفاق ومخازن “تنظيم الدولة” تخضع لضوابط قانونية يتم العمل على أساسها، والتي تتلخص بنقل هذه الأسلحة إلى المخازن التابعة للوحدات العسكرية، والتي تعتبر ذمة على هذه الوحدات، ثم جردها ونقلها إلى مستودعات “العينة” في الجيش، بحسب قوله.

وهكذا تضاربت الأنباء في مصير الأسلحة التابعة لـ”تنظيم الدولة”، لكن الواقع يوضح أن هذه الأسلحة يتم تسريبها إلى الميليشيات من دون رادع رغم نفي الجهات المختصة، فتسليم هذه الأسلحة إلى وزارة الدفاع ينفي مسؤولية قيادة عمليات المحافظات عن تسريب الأسلحة إلى الميليشيات، ولكنّ وجود هذه الأسلحة بيد هذه الميليشيات يؤكد وجود تسريب لها من قبل وزارة الدفاع، التي تتورط في الكثير من ملفات الفساد والتي تحدث عنها “العبادي” نفسه مرارًا وتكرارًا، حتى أنه حمل مسؤولية سيطرة “تنظيم الدولة” على مناطق واسعة من العراق للفساد المستشري في المؤسسة الأمنية والعسكرية.

 خبير أمني: ميليشيا الحشد سيطرت على سلاح المعارك

من جانبه يؤكد الخبير الأمني “أحمد الدوسري” لـ”وكالة يقين”، حيث قال: “ثبت -بما لا يقبل الشك- أن ميليشيا الحشد حصلت على سلاح رهيب من خلال معاركها، خصوصًا في الموصل وصلاح الدين إبان استعادة السيطرة على مدينة تكريت، وتم ذلك بموافقة الحكومة وقواتها الأمنية”.

وأضاف الدوسري: “حدثني بعض القيادات في الجيش وتحديدًا في الفرقة التاسعة، ممن شاركوا بمعارك الموصل، أنهم اشتبكوا وتشاجروا غير مرة مع عناصر من ميليشيا الحشد؛ بسبب سيطرتهم على سلاح المعارك، بل حتى سيطرتهم على سلاح عائد للقوات الحكومية عنوة، وعند رفع الأمر للمراجع العسكرية العليا جاء التوجيه بترك الموضوع وفسح المجال لميليشيا الحشد عمل ما يحلو لها، أو التغاضي عن فعلها، بحجة أن عملها “مقدس” وبأمر من المرجعية في النجف، وهو أمر أعلى من أي أمر في العراق”.

فقه ميليشياوي: ممتلكات المواطنين غنائم حرب

وتحولت ممتلكات المواطنين في المحافظات التي شهدت العمليات العسكرية، وسيطرت عليها ميليشيا الحشد؛ إلى مصدر رزق للميليشيات، كما تحولت إلى وسيلة للتعبير عن الحقد الطائفي الذي يكنّونه تجاه هذه المناطق وسكانها، فالدمار الذي حل بمنازل المواطنين يدل على عمليات تخريب ممنهجة مُوْرِسَت في هذه المنازل، حيث تم تمزيق قطع الأثاث التي تعذر على هذه الميليشيات حملها وسرقتها، كما تم تثقيب جدران المنازل بالرصاص حين تعذر عليهم تفجيرها، وقد أظهرت فيديوهات مسربة من عناصر تابعة لهذه الميليشيات تثبت ممارساتها تلك، إضافة إلى ما تحدث به الأهالي العائدين إلى منازلهم والذين لاحظوا تخريبًا كبيرًا وتدميرًا متعمدًا حل بممتلكاتهم.

“استخدمت الميليشيات مصطلح “غنائم الحرب” لتنفيذ أغراض شخصية ومصالح حزبية”

وكشف “ع.ب” لـ”وكالة يقين” -أحد وجهاء عشائر قضاء “يثرب” بمحافظة “صلاح الدين”-، عن الممارسات التي قامت بها ميليشيا الحشد الشعبي بعد سيطرتها على منطقته، مؤكدًا أن منزله ومنزل أخوته تعرض للسرقة بشكل كامل، قبل أن يتم حرقه، وأنه وأبناءه تعرضوا لتهديد بالتصفية الجسدية في حال حاول أحدهم السؤال عن الأغراض التي تم سرقتها.

ويضيف “ع.ب” -الذي رفض الكشف عن اسمه خوفًا من الميليشيات-: إن منطقتي خلت تمامًا من سكانها وأهلها، فالجميع يخشى العودة، وبعضهم عاد إلى المدينة لكنّهم تعرضوا لتهديد، وتم الاستيلاء على منازلهم ولم يجدوا شيئًا من أغراضهم، واضطروا للعودة إلى مخيمات النزوح أو إلى مدن الإقليم، متهمًا الحكومة بالتستر على هذه الممارسات التي تتم بعلمها، ومؤكدًا أن قيادات هذه العناصر هم نواب في البرلمان وشخصيات متنفذة في الدولة، ويعجز حتى النواب والمسؤولون عن التصدي لهذه الممارسات.

كما تحدث عن أسواقٍ قامت الميليشيات بفتحها لبيع الأغراض التي سرقوها من منازل المهجّرين في محافظة “صلاح الدين”، والتي اعتبروها غنائم حرب، مؤكدًا أن المواد الكهربائية كانت تُباع بأسعار بخسة.

واختتم “ع.ب” حديثه –بحرقة- قائلًا: “هكذا استخدمت الميليشيات مصطلح “غنائم الحرب” لتنفيذ أغراض شخصية ومصالح حزبية، والقيام بممارسات انتقامية بحق الأهالي، الذين سيطرت على منازلهم وممتلكاتهم، وجعلتها مشاعًا يتم التجاوز عليها والاستفادة منها بأي لحظة”.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات