الأربعاء 23 مايو 2018 | بغداد 16° C
الرئيسية » تقارير »

انتاج الحبوب .. فشل جديد يؤهل العراق الى صدارة الدول المستوردة

انتاج الحبوب .. فشل جديد يؤهل العراق الى صدارة الدول المستوردة

قسم التقارير – العراق

فشلت وزارة الزراعة العراقية في الإيفاء بوعد قطعته قبل 5 سنوات، ويتضمن الوصول إلى مرحلة الاكتفاء من إنتاج الحبوب، على أن يتحول في العام الحالي 2018 إلى مصدر لها، في وقت أعلنت وزارة التجارة عن شرائها لكمية كبيرة من القمح؛ لغرض سداد حاجة السوق المحلي، بينما أعلن مجلس الوحدة الاقتصادية أن العراق بات يشغل المرتبة الثانية بين الدول العربية الأكثر استيرادًا لهذا المحصول.

وكانت وزارة التجارة العراقية قد عقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي صفقة لشراء 450 ألف طن قمح بنظام التعامل المباشر، وخارج المناقصات التي تحتاج إلى وقت أطول في التنقل والتجهيز، وهو مؤشر على الاستعجال في الاستيراد، والتدهور الحاصل في احتياطات العراق من هذا المحصول الحيوي.

وعود حكومية تتلاشى

وبالرغم من التصريحات المستمرة على لسان المسؤولين العراقيين بقرب تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصل القمح؛ فإن الخبير الاقتصادي العراقي “عبد الصمد المشهداني”؛ يؤكد بأن تكرار وزارة التجارة لطلبات الشراء من السوق العالمية -وبفترات متقاربة-؛ تؤشر إلى حالة مغايرة تمامًا للتصريحات الإعلامية.

وكان “المشهداني” حاضرًا في اجتماع موسع لوزارة الزراعة العراقية في صيف عام 2008، وتم خلاله الكشف عن عد إنجازات للوزارة، ومنها خطة محكمة لزيادة المساحات المزروعة بالحنطة، والتقنيات المستخدمة في الري، مضيفًا بأن مسؤولًا رفيعًا في الوزارة تعهد أمام الجميع بأن العراق سيمتلك خلال عام 2018 أكثر من مليون طن فائض من الحنطة، وبالإمكان تصديرها لتعزيز الإيرادات الحكومية.

“وزارة الزراعة لا تستطيع اليوم أن تزرع دونمًا واحدًا من دون الاتفاق المسبق، والتفاهم مع وزارة الموارد المائية؛ بسبب الجفاف وقلة المياه”

وأضاف “المشهداني” في حديث لــ”وكالة يقين”، أن المسؤول عرض أمام جميع الحاضرين إناءً زجاجيًا يحتوي نباتات حنطة، قال: إنها من فصائل ونوعيات مطورة ومعدلة لتحمل درجات عالية من الحرارة والجفاف، سيتم زراعتها على مساحات واسعة من الأرض، وفي مختلف المحافظات، مبينًا أن المسؤول كان يتحدث بلهجة الواثق تمامًا، من تحول العراق إلى واحد من مصدري القمح، الذين تتسابق الدول لكسب وده، ولكن العكس هو الذي حصل فيما بعد.

ولفت “المشهداني” إلى أن العراق بات زبونًا دائمًا لدى شركات توريد الحبوب العالمية، وخصوصًا تجار النوعيات الرخيصة منها، في مؤشر على انخفاض كبير حاصل في احتياطي القمح، وتذبذب واضح في تجهيز هذه المادة ضمن مفردات البطاقة التموينية، حتى وصل إلى تسليم حصة تموينية واحدة كل ثلاثة أشهر أو أكثر، ومن نوعيات سيئة للغاية.

وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت قبل 10 سنوات عن إطلاق مبادرة شاملة للنهوض بالواقع الزراعي في البلاد، ترمي إلى بلوغ مرحلة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الإستراتيجية، وذلك عن طريق دعم الفلاحين بالبذور والأسمدة والمبيدات الزراعية، فضلًا عن تخصيص مبالغ كبيرة لغرض إقراض الفلاحين في مختلف المجالات، مع توجه واسع لاستصلاح الأراضي، وضمان شراء الإنتاج الزراعي من الفلاح، وبأسعار السوق.

مواطن: التجارة توزع طحينًا لا يصلح للبشر

غير أن المواطن “عبد الكريم خلف البهادلي”، وهو من أهالي منطقة المعامل “شرق بغداد”؛ يؤكد بأنه ليس خبيرًا بمواضيع الزراعة والتجارة، ولكنه يفهم بأنه بات يتسلم حصة تموينية بائسة للغاية كل شهرين أو أكثر، ويضطر إلى بيعها بثمن رخيص؛ لشراء مواد أكثر جودة من السوق التجاري.

ويوضح “البهادلي” لــ”وكالة يقين” أن يسمع يوميًا عن زيادة الإنتاج المحلي من الحنطة، وتعزيز النقص باستيراد كميات إضافية من الأسواق العالمية، ولكنه يستلم طحينًا رديئًا للغاية، ولا يصلح للاستهلاك البشري؛ مما يضطره إلى بيعه بأي سعر من أجل شراء طحين جيد من السوق التجاري، لافتًا إلى أن وكيل الحصة في منطقتهم لا يقبل أي اعتراض أو شكوى؛ لأن “هذا هو الموجود” -بحسب تعبيره-، ومن يريد الاعتراض فليذهب إلى وزارة التجارة.

ويستغرب “البهادلي” من عجز الدولة عن توفير مادة الطحين بوفرة ونوعيات جيدة، بالرغم من كل التسهيلات والموازنات المالية الضخمة الموجودة حاليًا، ويقارنها بأيام الحصار الاقتصادي حين كانت الحصة التموينية لا تقل عن 9 مفردات، ومن نوعيات جيدة استمرت حتى شهر آذار عام 2003، والذي سبق الاحتلال الأمريكي، لافتًا إلى أنه استلم في ذلك الشهر حصصًا إضافية ضاق بها، ولم يجد لها مكانًا للتخزين في البيت.

وتعد مادة الطحين هي القاسم المشترك في شكاوى المواطن العراقي من حيث النوعيات الرديئة، وهو ما دفع بجميع المواطنين إلى بيعها لمربي الحيوانات، والذين يستخدمونها علفًا لمواشيهم، في وقت تزدهر مبيعات الأسواق التجارية من مادة الطحين المستورَد من “تركيا”، والذي يعد الأكثر تداولًا في أسواق “جميلة” لمبيعات المواد الغذائية بالجملة في العاصمة “بغداد”.

الزراعة تعيد اسطوانة الاكتفاء الذاتي

وبالتوجه إلى وزارة الزراعة لطرح مسألة التردي الحاصل في تجهيز الحنطة للمواطن؛ فإن المتحدث الرسمي باسم الوزارة “حميد النايف”؛ يوضح بأنه في السابق كانت هناك مياه وفيرة، وأراضٍ صالحة للزراعة؛ نتج عنها توفر مادة الحنطة وبكثرة، وهو حال يختلف عن الموجود اليوم.

“الفشل في الإيفاء بالوعود الزراعية، والاستمرار في الاستيراد العشوائي لمادة الحنطة؛ لا يمكن فصله بأي شكل من الأشكال عن كارثة الفساد

ويضيف “النايف” في تصريح لــ”وكالة يقين”، أن وزارة الزراعة لا تستطيع اليوم أن تزرع دونمًا واحدًا من دون الاتفاق المسبق، والتفاهم مع وزارة الموارد المائية؛ بسبب الجفاف وقلة المياه، مشيرًا إلى أن نصف المساحة الصالحة للزراعة في العراق، وهي 22 مليون دونم تعتمد على الإرواء، وتحتاج كميات مياه لا يمكن توفيرها؛ بسبب الجفاف والمشاريع المقامة على الأنهار من قبل دول الجوار، وهو ما يدفع بوزارة الزراعة إلى وضع خطتها الزراعية، بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية، حتى تستطيع معرفة حجم الأراضي الممكن زراعتها.

وبخصوص خطتهم للعام الحالي 2018؛ فإن المتحدث “النايف” يبين أنهم خصصوا 3 ملايين و400 ألف دونم لزراعة الحنطة فقط ضمن خطتهم، ويأملون بتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المادة في حال سير الأمور وفق الخطة، وعدم حصول عوائق، معربًا في الوقت ذاته عن أمله بأن تتفق الحكومة العراقية مع دول الجوار على استحصال كامل الحصة المائية؛ من أجل تطوير الزراعة والارتقاء بها إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

المافيات تحرص على تطوير الاستيراد

وعلى العكس من تصريحات “النايف” بخصوص الطموح في الوصول قريبًا إلى الاكتفاء الذاتي؛ فإن الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية “محمد الربيع”؛ كشف مؤخرًا عن حلول العراق في المرتبة الثانية على مستوى الدول العربية في استيراد القمح.

المافيات المتخصصة في صفقات الاستيراد مستمرة في عملها، ولن تسمح لأي جهة بأن تقلل من نشاطاتها”

وتشير الأرقام التي حصلت عليها “وكالة يقين” من أرشيف وزارة الزراعة إلى أن العراق وبرغم ظروف الحصار الاقتصادي ومنعه من استيراد البذور والأسمدة والمكننة الحديثة؛ فإنه حافظ على مساحة مزروعة من الحنطة؛ لم تهبط إلى أقل من 5 مليون دونم، في الفترة من عام 1991 وحتى عام 2003، وهو ما ساهم –وبقوة- في تجهيز نظام البطاقة التموينية طيلة فترة الحصار الاقتصادي.

وبالعودة إلى الخبير الاقتصادي “عبدالصمد المشهداني”؛ فإنه يلفت إلى أن الفشل في الإيفاء بالوعود الزراعية، والاستمرار في الاستيراد العشوائي لمادة الحنطة؛ لا يمكن فصله بأي شكل من الأشكال عن كارثة الفساد المستشري في مفاصل الدولة العراقية، مؤكدًا وجود مافيات حكومية تحرص على ديمومة الاستيراد، وتعمل على مضاعفته بشكل مستمر، وبما يخدم أرباحها الفاحشة في هذا المجال.

ويبين “المشهداني” أن تقارير الاستيراد المتجمعة لدى وزارة التجارة ومجلس الوزراء تشير إلى أن العراق يخصص سنويًا مبلغًا يزيد عن المليار دولار؛ من أجل استيراد مادة الحنطة، وأن هذا المبلغ يتم دفعه إلى شركات تجارية ووسطاء في دول الجوار والخارج؛ من أجل تأمين كميات من الحنطة، وبمواصفات متواضعة أو رديئة، منوهًا بأن هذا المبلغ يفوق -وبشكل كبير- كلفة زراعة الحنطة داخليًا، وتجهيزها عبر المطاحن لاستخدامها في مفردات البطاقة التموينية، أو الأسواق التجارية.

ويسخر “المشهداني” من الكلام الرائج في الإعلام عن استجواب وزير، أو توقيف مدير عام على خلفية صفقات المنتجات الغذائية الفاسدة، مذكرًا بأن المافيات المتخصصة في صفقات الاستيراد مستمرة في عملها، ولن تسمح لأي جهة بأن تقلل من نشاطاتها، أو تؤثر على أرباحها المتحققة على حساب مصلحة المواطن وقوت يومه.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات