الأحد 20 أغسطس 2017 | بغداد 34° C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

معاناة النازحين في العراق بدوامة مستمرة بين لهيب صيف مستعر وبرودة شتاء قارس

معاناة النازحين في العراق بدوامة مستمرة بين لهيب صيف مستعر وبرودة شتاء قارس

 

خرجوا من مدنهم التي دمرتها الحملات الحكومية والميليشياوية الظالمة إلى مصير مجهول ، لايعرفون متى ولا إلى أين سينتهي بهم مطاف رحلتهم القاسية التي ذاقوا ولازالوا ، خلالها معاناة كثيرة ، وحاصرهم الموت من كل مكان .. إنهم النازحون من المحافظات المنتفضة على الفساد والظلم الحكومي داخل العراق.

معاناة النازحين تتنوع بتنوع فصول السنة ، فبين لهيب شمس الصيف الحارقة وبرودة جو الشتاء القارس ، يطارد شبح الموت النازحين منذ خروجهم من مدنهم وصولا إلى مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ، تنتشر فيها الأمراض كالنار في الهشيم ، ولا مكان فيها لرعاية صحية أو خدمات أساسية ، بسبب الإهمال الحكومي المتعمد ، وتعامل الحكومة الحالية مع ملف النازحين بطائفية مقيتة.

مخاوف النازحين من تفاقم معاناتهم تتزايد مع اقتراب فصل الشتاء ، كما يتزايد قلقهم من تكرار مأساة الشتاء الماضي ، التي غمرت فيها مياه الأمطار خيامهم المتواضعة وحولتها إلى مستنقعات لا تصلح للوقوف فيها ، فكيف النوم ورعاية الأطفال والمرضى؟.

فصل الشتاء يأتي في كل عام حاملا مآس جديدة للنازحين ، حيث تتسبب أمطاره وثلوجه وصقيعه في مصرع عشرات الأطفال بسبب عدم صلاحية الخيام التي يسكنون فيها وعدم قدرتها على العزل الحراري ، الأمر الذي يجعل الأطفال الساكنين في تلك الخيام تنخفض درجة حرارتهم حتى تصل لدرجة التجمد ويفارقون الحياة.

احتمالات تكرار مأساة الشتاء الماضي في مخيمات النازحين تبدو كبيرة جدا ، لاسيما مع اقتراب عملية اقتحام الموصل التي من المتوقع أن تتسبب في نزوح أكثر من مليون شخص ، بالإضافة إلى إقرار الأمم المتحدة بأنها غير مستعدة لاستيعاب هؤلاء النازحين ، كل ذلك كفيل بإثارة المخاوف من فصل الشتاء المقبل.

صحيفة الوشنطن بوست الأمريكية أكدت أن الأمم المتحدة أقرت بأنها لم تكمل جاهزيتها بعد للتعامل مع موجات النازحين المرتقبة من جراء عمليات اقتحام الموصل التي من المتوقع تبدأ خلال أقل من شهر ، مشيرة إلى أنها تعاني نقصا ماليا قيمته 165 مليون دولار يمنعها من توفير أغلب احتياجات حالات الطوارئ.

اكتظاظ معسكرات النازحين في شمال العراق كان عاملا اضافيا لزيادة معاناتهم ، حيث أقرت الامم المتحدة أن معسكر ديبكة في كردستان ، الذي أقيم قبل سنة لإيواء 700 عائلة فقط ، يأوي الآن عشرة أضعاف هذا العدد ، غالبيتهم من الذين فروا من عمليات اقتحام المناطق الواقعة جنوب مدينة الموصل.

افتراش النازحين الأرض والتحافهم السماء في مخيمات شمال العراق كان ضمن اعترافات الأمم المتحدة ، التي أكدت بأن كثيرا من العائلات النازحة في معسكر ديبكة ، لا تمتلك خيما ، وأن أفراد تلك العائلات يفترشون غرف صفوف المدرسة في المعسكر ، وساحتها ، وكذلك في قاعة المسجد ، فضلا عن قيام قسم منهم بتعليق قطع قماش على الحوائط ليجعلوها مظلة تقيهم الشمس.

الأوضاع المزرية التي يعيشها النازحون في المخيمات لم تكن منتهى معاناتهم ، فلم تكتف الحكومة الحالية بإهمالها لمخيمات النازحين ، وإنما قامت بترحيلهم قسرا من تلك المخيمات وإجبارهم على العودة إلى مناطقهم المدمرة ، فقد أقر مجلس محافظة ديالى الحالي ، بترحيل أكثر من 150 عائلة من مخيمات مدينة كركوك بمحافظة التأميم.

رئيس لجنة ما تعرف بالقانونية في المجلس “اركان العزاوي” أقر بترحيل هذه العائلات قسراً من محافظة التأميم ، بأوامر من إدارة المحافظة الحالية ، واعترف أن اغلب مناطق هذه العائلات التي وصلوا إليها في محافظة ديالى ، تعاني من نقص كبير في الخدمات من ماء وكهرباء ومدارس ومراكز صحية.

ترحيل هذه الدفعة من العائلات النازحة من مخيمات كركوك اعترف به كذلك مدير ناحية العظيم الحالية في محافظة ديالى “عبد الجبار العبيدي” الذي أقر بأن الأسر النازحة المبعدة قسراً من كركوك والتي وصلت إلى حدود ناحية العظيم ، بلغت 150 أسرة ، وأن أغلب أفرادها من النساء والأطفال والمسنين ، وسط أنباء متواترة عن ترحيل عدد مماثل من العائلات النازحة مرة ثانية إلى ديالى.

عمليات التهجير القسري للنازحين التي تقوم بها القوات الحكومية ، أقرت بها لجنة الهجرة والمهجرين في مجلس محافظة ديالى الحالي ، على لسان رئيس اللجنة “عبد الخالق العزاوي” الذي اعترف ، بطرد أكثر من 100عائلة نازحة من مخيمات محافظة التأميم بشكل غير إنساني ، وأن أغلب هذه العائلات تسكن في العراء شمالي بعقوبة بمحافظة ديالى ، ويعيشون أوضاعا إنسانية صعبة.

صمت الحكومة الحالية عن جرائم تهجير النازحين قسرا من المخيمات أقر به أيضا العزاوي وأكد أن القيادات الحكومية والسياسية التزمت الصمت حيال مأساة طرد النازحين ، رغم أنه خلق أزمة لعشرات الأسر التي تقطعت بها السبل لانها ضعيفة الحال ولاتملك ثمن تأمين الطعام.

لجنة ما تعرف بالمرحلين والمهجرين البرلمانية ، اعترفت هي الأخرى بإجبار القوات الحكومية العائلات النازحية على ترك مخيمات محافظة التأميم ، والعودة لمناطقهم التي دمرتها الحملات الحكومية الغاشمة ، رغم عدم صلاحيتها للعيش.

الإجراءات التي باشرت بها القوات الحكومية في محافظة التأميم من خلال إجبار النازحين بالرحيل فورا من المحافظة تعسفية ، كان هذا اعتراف عضو اللجنة “لقاء وردي” التي أقرت بأن القوات الحكومية تقوم بالدخول الى المخيمات وأماكن تواجد النازحين ويتم سحب مستمسكاتهم الرسمية وإبلاغهم بالرحيل قسرا في خطوة مخالفة للقانون والدستور.

عدم صلاحية المدن التي دمرتها الحملات الحكومية للعيش ، كان ضمن اعترافات وردي ، التي أكدت أن الكثير من المدن المقتحمة لم يتم تأهيلها وهناك أضرار كبيرة في المنازل والبنى التحتية التي تحتاج الى وقت من اجل تأهيلها فضلا عن أن هناك مدن تم اقتحامها ويمنع عودة أهلها إليها في شمالي بابل ، كما حملت وردي الرئاسات الثلاثة مسؤولياتهم لمنع ترحيل مئات الآلاف من المواطنيين والتدخل الفوري والمباشر اتجاه الازمة الكبيرة التي تهدد حياة النازحين وتجعلهم مشردين بدون ماوى ، ما يعرض حياة الكثير للخطر وخاصة الاطفال والشيوخ والمرضى.

أصابع الاتهام في عمليات ترحيل النازحين القسرية وجهت مباشرة إلى محافظ التأميم الحالي “نجم الدين كريم” ، حيث اتهم عضو قائممقام قضاء الفلوجة الحالي بمحافظة الأنبار “عبد القادر الجميلي” ، محافظ التأميم الحالي بطرد نازحي الانبار من محافظته وإخراجهم عنوة وبالإكراه ، وأقر الجميلي بأن طرد النازحين خطوة هوجاء ولا تنم عن الإنسانية ، ولابد من التدخل لثني محافظ التأميم الحالي في اتخاذ هكذا قرارات بحق نازحي محافظة الأنبار.

تقديم المواد الغذائية الفاسدة للنازحين أظهر جانبا آخر من الإهمال الحكومي المتعمد ، فقد اعترفت دائرة صحة كركوك الحالية بمحافظة التأميم ، بضبط واتلاف سبعة أطنان من المواد الغذائية الفاسدة المخصصة للتوزيع على النازحين ، وأقرت مديرة الرقابة الصحية في الدائرة “دنيز انور” أن هذه الأطنان التي تم ضبطها من المواد الغذائية غير الصالحة للإستهلاك البشري والتابعة لمنظمة اليونسيف كانت معدة للتوزيع على النازحين ، وأنه تم اتلافها في موقع للطمر الصحي والمخصص من قبل بلدية كركوك لاتلاف المواد الفاسدة.

الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها نازحو المحافظات المنتفضة أرجعها مراقبون إلى الفشل الحكومي الذريع وسوء الإدارة والفساد وسرقة المليارات المخصصة للنازحين ، بالإضافة إلى فشل لجنة النازحين البرلمانية والمشكلة لمتابعة شؤون النازحين وتذليل العقبات التي تحول دون عودتهم إلى مدنهم التي هجروا منها قسرا ، إلا أنها لم تفعل شيئا من ذلك.

فصل الشتاء يدق الأبواب ويدق معه ناقوس الخطر على حياة أناس هجروا من ديارهم ، بحملات حكومية طائفية غاشمة ، قتلت وشردت الآلاف منهم ، ولا يبدو لرحلات نزوحهم التي امتدت لشهور عديدة من المآسي والويلات نهاية وشيكة.

موسم شتاء عصيب ينتظر النازحين في العراق ، لايستعدون له إلا بالصبر ورباطة الجأش ، لأنهم على يقين بأن يوما ما سيعود النازحون إلى مدنهم بعد رفع يد الظالمين عنها ، فمهما طال الليل فلابد من طلوع الفجر.

يقين نت

م.ع

تعليقات