الإثنين 18 يونيو 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الأزمة السياسية في العراق »

مجلس الحكم الانتقالي.. بداية الحكم الطائفي في العراق

مجلس الحكم الانتقالي.. بداية الحكم الطائفي في العراق

قسم التقارير – العراق

“خالد علي” مواطن بغدادي مغترب، يقيم في العاصمة الأردنية “عمان”، كان يعمل موظفا في وزارة الخارجية العراقي قبل احتلال العراق، يقول “علي” -وهو يتحدث عن الأسباب التي جعلته يغادر العراق-: إنه عمل في وزارة الخارجية لما يزيد عن 15 عاما، هو ومجموعة من زملائه من خريجي كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يقول: إنه وبُعَيْد احتلال العراق؛ فوجئ ومجموعة من زملائه باستدعائه لدوامه الرسمي أنه أمام خيارين: إما الإحالة إلى التقاعد، أو الانتقال إلى وزارة أخرى، وعند استفساره عن السبب، قيل له من بعض زملائه إنهم مشمولون بالإبعاد؛ لكونهم من مكون معين.

ويضيف “علي” أنه قبل الاحتلال الأمريكي كان من المحرمات عليهم الاستفسار عن مذهب أي موظف في الوزارة، مهما كانت الأسباب، ويكمل المواطن حديثه لـ”وكالة يقين”، أنه في تلك اللحظة “أدركت أن العراق بات تحت مطرقة الاحتلال وسندان الطائفية، وقررت المغادرة”.

ما هو مجلس الحكم الانتقالي الذي شكله الاحتلال؟

أُعلِن عن تأسيس مجلس الحكم العراقي يوم 13 تموز/ يوليو 2003، إثر قرار صادر عمّا سُمّي حينها بـ”سلطة الائتلاف المؤقتة” في العراق، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ممثلة بالحاكم الأميركي “بول بريمر”، وقضى القرار حينها بتعيين 25 عضوا في هذا المجلس من شتى أطياف المجتمع العراقي، وبإلقاء نظرة شاملة على أعضاء مجلس الحكم وخلفياتهم، يتبين أنه أُريدَ للمجلس أن يكون طائفيا، حيث شمل المجلس تعيين 13 عضوا من “الشيعة” ، وخمسة أعضاء من “السنة”، وخمسة أعضاء من الاكراد وعضو مسيحي واحد وتركماني واحد وثلاث من النسوة.

ويقول الأستاذ “هاشم الطائي” لـ”وكالة يقين”، وهو نائب سابق في البرلمان العراقي عما كان يُعرَف حينها بـ”جبهة التوافق” للفترة بين عامي (2006- 2010): إن “فترة مجلس الحكم الانتقالي تمثل خط الشروع في تمزيق النسيج العراقي طائفيا وعرقيا، من منطلق خدعة حقوق الأقليات، ومظلومية الأكراد والشيعة”، بحسبه.

“خطوة بريمر هذه مهدت لمجلس الحكم تغيير البُنْية الأمنية والإدارية والمالية للعراق”

ويضيف “الطائي” في مستهل حديثه: إن “التهميش والإقصاء المتعمد لـ”السنة” تمثل جليا على اعتبار أن الدولة العراقية في الفترة التي سبقت الاحتلال كانت “سنية”، مع العلم أن أكثر من نصف المطلوبين لأمريكا ضمن قائمة الـ ٥٥ من النظام السابق كانوا من الشيعة!”.

ويؤكد النائب السابق، أن “أخطر ما قامت به أمريكا بإشراف وقيادة “بول بريمر” هو حل الجيش العراقي، وتكريس المحاصصة الطائفية، والترويج المكذوب لفارق الأغلبية بين المكونات”، مشيرا إلى أن “عزل الأكراد والتركمان السنة قوميا عن العرب كان مقصودا لإضعاف السنة جميعا، كما تبين لاحقا”، بحسبه.

وكان من مسؤوليات مجلس الحكم آنذاك -وفق ما حددته “سلطة الائتلاف المؤقتة”- تعيين الوزراء المؤقتين، والعمل بالتنسيق مع سلطة الائتلاف على رسم السياسات العامة للبلاد، وتحديد الموازنة العامة للدولة، إضافة إلى وضع الإجراءات اللازمة لإنشاء دستور جديد للبلاد.

أول شرارة للطائفية في العراق

وكانت أولى علامات الطائفية من “سلطة الائتلاف المؤقتة”؛ هو ما أعلنه “بول بريمر” عن حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية، والتي باركها مجلس الحكم بعدئذ، وفق ما ذكره الخبير الأمني والاستراتيجي “رياض الزبيدي” في حديثه لـ”وكالة يقين”، حيث أشار إلى أن تلك الخطوة كانت معدة مسبقا في الاجتماعات والمؤتمرات التي عقدت في “لندن” ومصيف صلاح الدين في “أربيل” بين عامي 2001 و2002.

“كانت أولى علامات الطائفية من “سلطة الائتلاف المؤقتة”؛ هو ما أعلنه “بول بريمر” عن حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية”

ويضيف “الزبيدي”، أن “خطوة بريمر هذه مهدت لمجلس الحكم تغيير البُنْية الأمنية والإدارية والمالية للعراق، من خلال تعيين وزراء محسوبين على طائفة معينة، خاصة الوزارات الأمنية، والتي بدأت تستقطب الضباط “الشيعة”، وتستبعد غيرهم من “السنة”، ثم تبع ذلك قوانين أخرى تمثلت بقانون “اجتثاث البعث”، الذي غيرت تسميته لاحقا إلى قانون المساءلة والعدالة، كل هذه الخطوات كرّست الطائفية، وحولت العراق من بلد كان أهله يعيشون في وئام وأمان، إلى بلد يحكمه قانون الغاب، كل ذلك أدى -فيما بعد- إلى صياغة دستور جديد للبلاد مليء بالثغرات القانونية والطائفية”.

من جانبه يقول الصحفي “جلال برواري”: أن “الساسة الأكراد لم يدركوا إلا مؤخرا في عام 2018، أن تلك الخطوة التي اتخذت في مجلس الحكم عام 2003، وسماحهم لإدارة الائتلاف باعتبارهم أكرادا وليسوا “سنة”، أضرت بالسنة العرب والأكراد”.

ويشير “برواري” في مستهل حديثه لـ”وكالة يقين” إلى أن “الحيف الكبير وقع على العرب السنة طيلة 14 عاما من تاريخ الاحتلال، على اعتبار أن الأكراد كانوا يتمتعون بحكم ذاتي قريب من الدولة غير المعلنة، إلا أنه ومع استمرار المشاكل السياسية بين أربيل وبغداد، اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن تلك الخطوة أضعفت “السنة” بكل قومياتهم”.

مجلس الحكم الانتقالي.. لَبْنَنَة العراق

“ما حصل للسنة في العراق شبيه بما حصل للمسلمين عامة في لبنان”

ليس السنة فقط من عانوا من طائفية مجلس الحكم وتبعات ذلك حتى اليوم، حيث يقول الأستاذ “غزوان عيسى” المحاضر في جامعة البصرة، والمختص بالقانون الدستوري، يقول في حديث لـ”وكالة يقين”: إن “الإدارة الأمريكية كانت متعمدة في رسم سياسات مجلس الحكم الانتقالي وتقسيماته الطائفية، وهو نتاج لمؤتمرات سبقت احتلال العراق في لندن وغيرها، والتروّج لأكاذيب امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل”.

وأشار الأستاذ في حديثه للوكالة عن هذه التجربة بالقول: إن “السياسة المتبعة بعد عام 2003، أثبتت فشلا ذريعا، بدليل تراجع العراق كل عام في مؤشرات القياس العالمية، حتى وصل الحال بالبلاد إلى تبوء آخر الدرجات في السلم العالمي، واحتلت بغداد بجهود ساسة المنطقة الخضراء وسم أسوأ مدينة في العالم، للعالم الثالث على التوالي، وأسوأ جواز سفر، وأكثر بلد يفتقر للأمن”.

ولا تعد التجربة العراقية في مجلس الحكم وطائفيتها فريدة من نوعها في المنطقة، إذ سبقتها تجربة مشابهة إلى حد كبير، المحلل السياسي “أحمد العبيدي” يقول في حديث لـ”وكالة يقين”: إن “التجربة اللبنانية واتفاق الطائف عام 1989 شبيهة إلى حد كبير بتجربة مجلس الحكم، وتقسيماته الطائفية والاثنية”. مع فارق ان اتفاق الطائف اعطى “شيعة” لبنان الثلث المعطل في البرلمان وهذا الخيار لم يعطى “للسنة” في العراق.

“لم تنتهِ آثار مجلس الحكم الانتقالي بانتهاء تشكيله في عام 2004،”

ويضيف “العبيدي” أن “ما حصل للسنة في العراق شبيه بما حصل للمسلمين عامة في لبنان، إذ قسم اتفاق الطائف المسلمين ما بين سنة وشيعة، بينما أبقى المسيحيين موحدين تحت راية واحدة، على الرغم من أن المسيحيين أنفسهم أكثر من طائفة بين مارونيين وكاثوليك وكانوا على طرفي نقيض في الحرب الأهلية، هذا الاتفاق “الطائف” أدى بلبنان إلى طائفية مستمرة حتى اللحظة، شبيهة إلى حد كبير بما يحدث في العراق”. لازم تضيف الفرق انه اعطوا الشيعة الثلث المعطل بينما لم يعطي مجلس الحكم للسنة هذا الخيار.

مجلس الحكم الانتقالي وآثاره بعد 15 عامًا

لم تنتهِ آثار مجلس الحكم الانتقالي بانتهاء تشكيله في عام 2004، وتعيين حكومة مؤقتة يتزعمها “إياد علاوي”، إذ أن كل ما أُقِرَّ في العراق بعد ذلك كان مبنيا على أساس ما اتُّخِذَ من قرارات في مجلس الحكم الانتقالي، الدكتور “علي أغوان” أستاذ العلاقات الدولية في “جامعة بيان” في “أربيل” يقول في حديث خص به “وكالة يقين”: إن “فترة مجلس الحكم في العراق، كانت الثقة حينها بين مكونات العراق معدومة إلى حد كبير، ويرجع ذلك إلى الخوف المشترك من سيادة طرف على آخر، فضلا عما كان يجري في مؤتمرات المعارضة في الخارج من تحشيد”.

وفيما يتعلق بالطائفية في العراق بعد 15 عاما، يضيف “أغوان” أن “الزخم الطائفي تراجع بشكل ملحوظ”، ويعزو ذلك إلى انتهاء العمليات العسكرية في البلاد، ويشير “أغوان” إلى “أنه لا يمكن مقارنة وضع العراق عام 2018 مع الوضع الذي كان بين عامي 2006- 2008”.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات