السبت 19 أغسطس 2017 | بغداد 43° C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

هجمات كركوك تلخص المشهد ما بين هشاشة أمنية كبيرة وردود فعل بطابع طائفي وقومي

هجمات كركوك تلخص المشهد ما بين هشاشة أمنية كبيرة وردود فعل بطابع طائفي وقومي

 

بينما تتجه الأنظار إلى عملية اقتحام الموصل بمحافظة نينوى ، باغت ( تنظيم الدولة ) القوات الحكومية بهجمات متلاحقة في مدينة كركوك بمحافظة التأميم ، أعقبها اشتباكات عنيفة خلفت عشرات القتلى والجرحى من القوات الحكومية ، بالإضافة إلى سيطرة مسلحي ( التنظيم ) على مناطق في المدينة ، الأمر الذي يعكس هشاشة الوضع الأمني في عموم البلاد.

الأحداث بدأت بهجمات متسارعة لمسلحي ( تنظيم الدولة ) ، فجر الجمعة الماضية ، حيث استهدفت مقر مديرية شرطة كركوك الحكومية وسط المدينة ، وحواجز تفتيش ووحدات للدوريات في أحياء التسعين والأسرى والمفقودين والوسطي ودوميز جنوبي كركوك.

أبرز هذه الهجمات وقع عندما اقتحم أربعة مسلحين من ( تنظيم الدولة ) مبنى مديرية الشرطة الحالية وسط كركوك ، حيث فجر ثلاثة منهم أنفسهم فيما قتل الأخير باشتباكات مع القوات الحكومية.

هجوم مماثل شنه مسلحو ( تنظيم الدولة ) في كركوك ، استهدف محطة كهرباء الدبس شمال غربي المدينة ، حيث تمكنوا من قتل 16 موظفا وفنيا ومهندسا بينهم أربعة ايرانيين ، قبل أن يفجروا غرفة السيطرة في المحطة بقنبلة يدوية ، مما أدى إلى توقفها عن العمل.

ضربات متتالية أربكت القوات الحكومية ، التي سارعت إلى إعلان حالة الطوارئ في عموم كركوك وإلى إشعار آخر ، وفرض حظر للتجوال في المدينة ، بالإضافة إلى إغلاق الطريق الرابط بين بغداد وكركوك.

موقف القوات الحكومية بعد الهجمات أجبرها على طلب تعزيزات للسيطرة على الأوضاع ولتدارك الموقف ، الذي فضح هشاشة الوضع الأمني في البلاد ، لاسيما في ظل ترويج الحكومة الحالية لانجازات أمنية وهمية لها.

مسلحو ( تنظيم الدولة ) وفي أعقاب هجماتهم على مناطق متفرقة من كركوك ، سيطروا على ثمانية أحياء في المدينة وعلى قضاء الدبس شمالها ، حيث انتشروا بشكل واسع وتحصنوا في عدد من المباني في تلك الأحياء التي خرجت بالكامل عن سيطرة القوات الحكومية.

سيطرةٌ تلتها اشتباكات عنيفة بين مسلحي ( تنظيم الدولة ) والقوات الحكومية ، تمكن على أثرها مسلحو التنظيم من التوغل إلى الجنوب الغربي من مدينة كركوك ، والسيطرة على قرية الطوقان الواقعة على طريق الدبس ، في وقت استمرت فيه الاشتباكات ليومين وبشكل متقطع ، تكبدت خلالها القوات الحكومية خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد.

الهجمات والاشتباكات التي شهدتها مدينة كركوك منذ ، فجر الجمعة الماضية ، أسفرت عن مقتل 46 من القوات الحكومية وإصابة 134 آخرين ، في أحداث إن دلت فإنما تدل على ضعف الأجهزة الحكومية في كركوك ، إضافة إلى فشل إدارة المحافظة الحالية على حفظ أمن المواطنين داخلها.

قوات البيشمركة الكردية وبعد ساعات من الهجمات على كركوك ، أقدمت على اقتحام قرية “قتان” الواقعة بين قضاء الدبس ومركز محافظة التأميم ، وقامت بتهديم منازل المدنيين وتهجير أهالي القرية قسرا إلى القرى المجاورة ، بدوافع طائفية وانتقامية ، كرد منها على الهجمات التي تعرضت لها مدينة كركوك.

ردود الأفعال الطائفية والانتقامية لم تقف عند هذا الحد ، وإنما وصلت إلى توجيه ساسة حاليين اتهامات للنازحين إلى محافظة التأميم بتنفيذ الهجمات ، والمطالبة بإخراجهم من المحافظة ، بزعم عدم تكرار هكذا هجمات ، في محاولة من الحكومة الحالية لإلصاق التهم بالأبرياء ، للتغطية على فشلها في إدارة الملف الأمني في البلاد.

محافظ التأميم الحالي “نجم الدين كريم” كان أول من وجه الاتهامات للنازحين ، حيث زعم بأن مسلحي ( تنظيم الدولة ) تلقوا مساعدة من خلايا نائمة داخل كركوك ، في إشارة إلى النازحين ، مؤكدا أن المحافظة تحتضن أكثر من ستمئة ألف نازح عربي من مناطق ديالى وصلاح الدين ، ويجب إخراجهم منها.

مطالبات كريم بإبعاد النازحين ، سرعان ما استجاب لها مجلس محافظة التأميم الحالي ، الذي أقر بعزمه ترحيل عدد كبير من النازحين في المحافظة ، حيث أكد عضو المجلس “أحمد العسكري” أن هناك برنامجا سينفذ من الآن وهو إعادة النازحين الذين لاتشهد مدنهم عمليات عسكرية إلى مناطقهم الأصلية ، وجمع الباقين في مخيمات خاصة بالنازحين وعدم السماح لهم بالاختلاط مع أهل المدينة.

توجيه الاتهامات للنازحين إلى كركوك بالتسبب في الهجمات الأخيرة ، لم يتورع عنه العسكري ، الذي زعم بأن أعدادا كبيرة من النازحين دخلوا المحافظة وتسلل معهم عدد من المخربين والارهابيين ، وأن هذا أحد اسباب أحداث ، الجمعة الماضية.

العسكري ادعى أن هناك سببين يمنعان النازحين من العودة إلى مناطقهم ، الاول سبب سياسي حيث يريدون البقاء لأهداف منها القيام بإعمال ارهابية ، وزيادة نسبة العرب في المدينة ، والاخر اقتصادي نتيجة تسلم نازحي الانبار في المحافظة الاموال ، وقد وجودا لهم عملا وليسوا على استعداد للعودة الى مناطقهم.

انفلات الأمور وفقدان السيطرة الحكومية على عدد كبير من أحياء كركوك ، واستمرار الاشتباكات على الرغم من إعلان حظر التجوال ، دفع برئيس الحكومة الحالية “حيدر العبادي” إلى إصدار أوامر بتحريك لواءين من الجيش الحكومي باتجاه كركوك ، لتقديم الدعم للقوات الحكومية واستعادة المناطق التي خرجت عن السيطرة.

الوضع الأمني المهترئ في كركوك دفع كذلك حكومة كردستان إلى المسارعة في إرسال تعزيزات للمدينة ، حيث وصلت إلى مركز محافظة التأميم ، قوات من البيشمركة ، ومن جهاز ما يعرف بمكافحة الارهاب في كردستان ، لإسناد القوات الحكومية المتواجدة في كركوك بعد الهجمات والاشتباكات الطاحنة مع ( تنظيم الدولة ).

مسؤولية الهجمات التي اجتاحت كركوك وخلفت عشرات القتلى والجرحى من القوات الحكومية ، حملها التحالف الكردستاني لوزارتي الدفاع والداخلية الحاليتين ، حيث أكد النائب عن التحالف “ريبوار طه” أن هناك نقص وضعف في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية بين الوزارات الحالية ونظيرتها في المحافظات ، مما سمح بخروقات أمنية كثيرة ، بالإضافة إلى تعامل الحكومة الحالية السلبي مع القرارات الأمنية للمحافظات.

رئيس كتلة التغيير المعارضة في البرلمان الحالي “هوشيار عبد الله” من جانبه ، حمل هو الآخر الحكومة الحالية مسؤولية هجمات كركوك ، وأرجعها إلى تأخير حكومة العبادي الحالية اقتحام مدينة الحويجة ، وتجاهلها لأكثر من مرّة المطالبات باقتحامها قبل البدء بعملية اقتحام الموصل واصفا عدم اقتحام الحويجة بالخطأ الاستراتيجي الفادح.

عدم وجود خارطة طريق واضحة لدى الحكومة الحالية لكيفية إدارة الوضع الأمني في البلاد اعترف به كذلك “هوشيار عبد الله” الذي أكد أن الخطأ الذي وقع فيه المجتمع الدولي تجاه العراق بعد 2003 يتكرر ، والذي مازالت آثاره قائمة حتى الآن.

الموقف ذاته تبناه النائب الحالي عن جبهة ما تعرف بالتركمانية “حسن اوزمن” والذي انتقد تأخير اقتحام الحويجة واعتبره سببا في الهجمات على كركوك ، متهما العبادي بضعف التواصل مع ممثلي المكون التركماني في كركوك وعدم الاستماع الى الاراء والمقترحات التي يطروحونها.

الوضع في كركوك مازال غير مستقر ، هذا ما أقر به رئيس جبهة ما تعرف بالتركمانية “ارشد صالحي” ، حيث أكد أن الأحياء التركمانية في المحافظة هي الأكثر استهدافا ، وأن أحياء معينة ما زالت تحت سيطرة مسلحي ( تنظيم الدولة ) الذين هاجموا المدينة من المحور الجنوبي ، مطالبا بالمزيد من التعزيزات العسكرية للسيطرة على الأوضاع.

اجتياح كركوك في دقائق معدودة من قبل 48 مسلحا من ( تنظيم الدولة ) وسيطرتهم على عدة أحياء في المدينة ، يكشف سوءة الحكومة الحالية وفشلها في إدارة الملف الأمني ، الذي لطالما عزفت على وتره ، لقتل مزيد من المدنيين الأبرياء ، ولصرف الأنظار عن فسادها وفشلها على جميع الأصعدة.

يقين نت

م.ع

تعليقات