الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بغداد 37° C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

معاناة المحاصرين داخل مدينة الموصل لاتقل أهمية عن مايعانيه النازحين منها الى مخيمات تفتقر لابسط مقومات العيش الكريم

معاناة المحاصرين داخل مدينة الموصل لاتقل أهمية عن مايعانيه النازحين منها الى مخيمات تفتقر لابسط مقومات العيش الكريم

 

إن تحدثت عما يعانيه أهالي مدينة الموصل بمحافظة نينوى ، وما يكابدونه منذ بدء العدوان على الموصل وأطرافها قبل ثلاثة أسابيع ، فإنك تتحدث عن شئ عظيم وحدث جلل ، فبين مطرقة البقاء تحت القصف الانتقامي ( الحكومي والدولي ) في الموصل ، وسندان النزوح خارج المدينة إلى مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ، يعيش الموصليون أسوء فترات حياتهم.

خياران لا ثالث لهما ، جعلا أوضاع المحاصرين داخل مدينة الموصل من قبل القوات الحكومية وميليشياتها الطائفية لا تقل مأساوية عن أوضاع أهالي المدينة الذين فروا منها مع احتدام المعارك واشتداد القصف العشوائي الانتقامي على المدينة ، بل وربما تفوق معاناة المحاصرين داخل الموصل عن غيرهم من النازحين.

عودة الحواجز الأسمنتية إلى شوارع الموصل ، والتي خلت المدينة منها منذ يونيو/ حزيران 2014 ، من قبل ( تنظيم الدولة ) بعد احتدام المعارك وقربها من مركز المدينة ، فاقم كثيرا من معاناة أهالي الموصل المتزايدة أصلا جراء القصف والحصار ، حيث أغلق مسلحو ( التنظيم ) بهذه الحواجز الشوارع ، لا سيما الفرعية منها في الأحياء السكنية.

إغلاق شوارع الموصل بالحواجز الاسمنتية ، تسبب في شل الحركة المرورية داخل المدينة ، حيث يستغرق مشوار الكيلومتر الواحد بالسيارة أكثر من ساعة ونصف الساعة ؛ فلكل منطقة منفذ واحد ومخرج واحد ، ما يضطر مئات السيارات للوقوف في طوابير طويلة عند كل مدخل ومخرج ، الأمر الذي يجعل المدينة أشبه بسجن كبير يكره الكثيرون العيش فيها.

نصب الحواجز بشكل أفقي في الشوارع الرئيسة والطرقات المهمة بالموصل ، قطعت الأواصر بين أبناء العائلة الواحدة في المدينة ، حيث بات من الصعوبة بمكان أن يصل أهالي أحد الأحياء في المدينة إلى أقاربه في حي آخر رغم قرب المسافة.

معاناة ربما تكون أخف وطأة من تلك التي ينتظرها أهالي الموصل مع امتداد المعارك بين القوات الحكومية وميليشياتها الطائفية من جهة و( تنظيم الدولة ) من جهة أخرى ، ووصولها إلى مركز المدينة ، حيث الكثافة السكانية الكبيرة ، وحرب الشوارع التي يدفع فيها المدنيون الثمن الأكبر.

معركة الموصل ورغم انطلاقها واقتحام القوات الحكومية على أثرها قضاء الحمدانية ومنطقة الخازر وأحياء الانتصار وكوكجلي والتحرير والقادسية والزهراء من المحور الشرقي ، وبعشيقة من المحور الشمالي ، وناحية القيارة وحمام العليل والشورة وبزونة والبو غلاوين ، إضافة إلى قرى تل زلاطة وقرقرة وخبيرات والشيك وامريني وعين الجحش وتل المصايد من المحورين الغربي والشمال الغربي ، وصولا إلى أطراف قضاء تلعفر في الشمال الغربي ، إلا أن المعركة الحقيقة لم تبدأ بعد ، حيث أن المعارك ستكون أشد ضراوة في مركز الموصل لوجود الأزقة الضيقة والكثافة السكانية المرتفعة والمنشآت والمواقع العسكرية.

التوقعات بشراسة المعارك في مركز الموصل أكثر بكثير مما هي عليه الآن ، تأتي بسبب أن الثقل السكاني للمحافظة يقع في الجانب الأيمن للمدينة ومركزها ، حيث الأحياء الشعبية القديمة ، ذات المنازل الصغيرة المساحة والمتراصة والشوارع الضيقة ، التي لا تسمح بمرو السيارات ؛ مما قد يعرقل حركة الآليات العسكرية.

الأهمية الاستراتيجية للجانب الأيمن من الموصل جعلت القوات الحكومية وميليشياتها الطائفية تركز بشكل كبير على إيصال المعارك إليه ، حيث يضم الجانب الأيمن من المدينة مركز الموصل ومواقع عسكرية ومنشآت حيوية ، مثل معسكر الغزلاني عند البوابة الجنوبية للمدينة ، وكذلك المطار ومحطة القطار والمراكز التجارية الرئيسة ، فضلا عن المنطقة الصناعية الكبيرة.

المحور الشرقي من مدينة الموصل كان شاهدا على معاناة أخرى للنازحين من المدينة ، هي أكثر قتامة ، حيث يقف العشرات من النازحين ، الفارين من حي كوكجلي جراء المعارك والقصف الانتقامي ، عند آخر حد يسمح لهم ببلوغه مع ماشية هي كل ما تبقى لهم من رحلة النزوح الطويلة والقاسية ، حيث تمنع الإجراءات الحكومية التعسفية النازحين من اصطحاب مواشيهم لدخول المناطق المتواجد فيها مخيمات النازحين.

كوكجلي المعروفة على مستوى العراق بتربية الأغنام والأبقار والماشية ، ما جعلها مركزا لتصديرها لبقية المناطق في البلاد ، حول النازحون منها ، منطقة برطلة على الحد الفاصل بين القوات الحكومية وقوات البيشمركة ، إلى سوق لبيع الماشية ، لكن بأبخس الأثمان كي ينقذ هؤلاء النازحون ما يمكن إنقاذه.

الأغنام والأبقار التي لا يمتلك النازحين من كوكجلي غيرها باتت نقمة على أصحابها ، إذ تمنع الإجراءات الحكومية النازحين من إدخال مواشيهم إلى مخيمات النزوح على أطراف الموصل ، ومن ثم التحاق أصحاب هذه المواشي بمخيمات النازحين ، ما أسقطهم في براثن استغلال تجار من كردستان يشترون منهم الماشية بأسعار زهيدة للغاية ، فضلا عن احتمالية موت هذه المواشي بسبب عدم قدرة أصحابها على توفير مياه الشرب لها.

صعوبة نقل أهالي حي كوكجلي المواشي إلى المخيمات تزيد من معاناتهم كنازحين من المعارك والقصف الانتقامي ، حيث يفترش العشرات من عائلات أصحاب الأغنام العراء قرب الحد الفاصل مع كردستان ، كما أنه من المتوقع أن يزداد الوضع صعوبة ومأساوية على هؤلاء النازحين مع اقتراب الشتاء والطقس البارد.

مدينة الموصل ومنذ بدء العدوان الغاشم عليها ، شهدت نزوح أعداد غفيرة من الأهالي جلهم نساء وأطفال وصلت إلى نحو 50 ألف شخص ، بسبب اشتداد المعارك وكثافة القصف الانتقامي ، لكن النازحين يحبطون عند وصولهم إلى المخيمات جراء الشطط في استعمال السلطة من قبل الحكومة ، حيث يواجه النازحون إجراءات معقدة عند مداخل مخيمات النزوح بذريعة شبهة الانتماء لـ(تنظيم الدولة).

وصول النازحين من الموصل إلى المخيمات لم تكن نهاية معاناتهم ، حيث تفتقر هذه المخيمات إلى أبسط مقومات العيش الكريم ، أبرزها عدم توفر الخيم ، مما يضطر الآلاف منهم إلى افتراش الأرض لأيام طويلة والمبيت في العراء في هذه الليالي شديدة البرودة دون سقف يأوون إليه ، وحدث ذلك في الأيام القليلة الماضية عندما نزح أكثر من 11 ألف شخص خلال يومين فقط ، وهذا ما لم تكن مهيأة له الأمور في المخيمات.

نقص الماء والغذاء والدواء في مخيمات النازحين كان عاملا آخر ، من العوامل التي فاقمت معاناة النازحين من الموصل ، حيث لايجد النازحون سوى الخبز فقط ليسدون به جوع أطفالهم ، وذلك في ظل الإهمال الحكومي المتعمد ، لإذلال أهالي إحدى المحافظات التي انتفضت ضد الظلم والفساد الحكومي.

الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق نازحي الموصل من قبل القوات الحكومية وميليشياتها الطائفية حدث عنها ولا حرج ، حيث وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية حالات ترقى إلى جرائم حرب ، وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت بحق النازحين داخل المخيمات وعند نقاط التماس مع القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها.

الإعدامات الميدانية ، والحجز التعسفي ، والضرب والإهانات على حواجز التفتيش التي تقيمها القوات الحكومية وميليشيا ما يعرف بالحشد الشعبي ، كلها جرائم ارتكبتها تلك القوات والميليشيات بحق النازحين من مدينة الموصل.

جرائمٌ أثارت مخاوف العالم أجمع من أن تنتهي عملية اقتحام الموصل الجارية إلى كارثة إنسانية كبيرة لا مثيل لها في البلاد ، ومجازر دموية انتقامية تطال المدنيين العزل داخل المدينة ذات الكثافة السكانية العالية التي تمثل العشائر العربية الأصيلة نسبة الغالبية العظمى منها ، نظرا للسجل الإجرامي الحافل بالانتهاكات وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ، بخلفيات طائفية ودوافع انتقامية ، التي ارتكبتها قوات الجيش الحكومي ، ومليشيات ما يعرف بالحشد الشعبي ، وقوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في مناطق ادعت تحريرها من (تنظيم الدولة) سابقا.

تحت القصف الانتقامي والحصار المطبق يرزح أهالي مدينة الموصل الحدباء ، أما من استطاع الفرار منهم فيقع فريسة النزوح والميليشيات الطائفية ، حيث تتعرض المدينة لحملة هي الأكبر والأشرس ، لإذلال أهلها وتغيير ديموغرافيتها خدمة للمشروع الإيراني.

يقين نت

م.ع

تعليقات