الخميس 14 ديسمبر 2017 | بغداد 11° C
yaqein.net
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

العملية السياسية العرجاء...بلاء العراق الأعظم لقرابة أربعة عشر عاما

العملية السياسية العرجاء…بلاء العراق الأعظم لقرابة أربعة عشر عاما

 

مع بلوغ الفساد والفشل ذروته في حكومات ما بعد الاحتلال ، وكذلك بلوغ الصراعات والخلافات بين الأحزاب والائتلافات الحالية المكونة لتلك الحكومات حدا غير مسبوق ، تحاول ثلة من الساسة الحاليين اتقاء أي ردة فعل شعبية على فشلهم وفسادهم وإخفاقهم على جميع المستويات ، بطرح ما يعرف بتسويات يزعمون أنهم جاءوا بها لإنجاز ما سموها بالمصالحة ونبذ الطائفية ، وهم بعيدون كل البعد عن ذلك.

أحدث هذه التسويات تلك التي أطلقها “عمار الحكيم” رئيس التحالف الوطني الحالي وإن شئت فقل التخالف الوطني ، لما يشهده من خلافات وتشرذم ، والتي تحمل بين طياتها أطماع في الاستحواذ على المشهد السياسي وإعادة إنتاج الطائفية والصراع ، فكيف بجوقة سياسية جاءت على ظهور الدبابات الأمريكية بعد احتلال العراق عام 2003 ، وكرست الطائفية والاحتراب ، أن تتحدث عن “مصالحة”.

مشروع تسوية الحكيم ، لا يمكن فصله عن مشروع إيران ( الشيطان الأكبر ) في العراق ، وسياساتها التوسعية فيه ، حيث أقر عضو ائتلاف ما يعرف بدولة القانون “عزت الشابندر” بأن مشروع ما يعرف بـ(التسوية) الذي طرحه الحكيم ، هو أجندة إيرانية بامتياز ، معترفا بأنه مؤامرة كبيرة على العراق.

فشل تسوية الحكيم قبل تفعيلها أقر به أيضا الشابندر ، الذي أكد أن التحالف الوطني الحالي لا يستطيع أن يصنع تسوية تاريخية للمكونات العراقية , حيث أن التسوية المزعومة لشيء لا وجود له , وأنها بعيدة كل البعد عن تحقيق السلم الأهلي وتحقيق المصالحة ، معترفا بأن الطرف السني يسير باتجاه آخر وهو عدم الاستجابة لمشروع (التسوية) , حتى لا يقعوا بفخ من يمثلهم ، وأن هناك أطرافا سياسية عليها تهم جنائية وقضائية , لا يستطيع التحالف أو غيره أن يتجاوز ذلك.

تنفيذ الساسة الحاليين لأجندات ومخططات خارجية سواء كانت إيرانية أو أمريكية ، اعترف به أيضا زعيم كتلة ما تعرف بدولة القانون في البرلمان الحالي “علي الاديب” ، حيث أقر بأن كلا من “مسعود بارزاني وأثيل النجيفي وخميس الخنجر” يقومون بتنفيذ أجندات خارجية هدفها تقسيم العراق.

تقسيم محافظة نينوى تحديدا هو هدف بارزاني والنجيفي والخنجر بحسب الأديب ، الذي أقر بأن صاحب ما يعرف بالمشروع العربي في العراق “خميس الخنجر” يقود مشروعا طائفيا وهذا هو السر وراء تواجده في محافظة نينوى ، وأن الخنجر والاخوان أسامة وأثيل النجيفي و”مسعود بارزاني” عقدوا أكثر من مؤتمر في أربيل ويعتقدون ان اقتحام نينوى فرصتهم لتنفيذ مشروعهم.

الأديب اعترف أيضا بأن هناك آراء وطروحات متعددة حول الموصل منها أن تتحول إلى إقليم ومحافظات متعددة ، وهذه تنسجم مع مساعي الكرد و”مسعود بارزاني” بشأن مطالبهم بضم أراضي متنازع عليها ، حيث أن البيشمركة الكردية متهمة بهدم قرى محسوبة للمكون العربي ضمن مناطقهم.

دعوات التقسيم لا تلقى قبولا لدى طهران ، التي أعلنتها صراحة أنها ترفض تقسيم العراق أو سوريا ، من أجل إتاحة الفرصة لها بالاستحواذ على البلدين بأكملهما ، لإشباع رغبتها التوسعية في العراق وسوريا.

تسوية الحكيم التي اتسمت بالهشاشة والضحالة السياسية ، تمثل رؤية وإرادة قوى التحالف الوطني الحالي ، وهو ما يشكل خللا كبيرا فيها ، لأن كتابة وثيقة وطنية للمصالحة تتطلب الخروج من الخندق الطائفي وتفكيك التحالفات المذهبية وعلى رأسها ذلك التحالف ، الذي يعد امتدادا للتحالفات الشيعية الطائفية منذ بدء العملية السياسية ، وتفكيك تحالف القوى السنية المقابل أيضا ، وإنهاء التقابل المكوناتي الذي يؤسس للكراهية.

المواطنون من العراقيين والعراقيات في وعي الأحزاب الحالية الطائفية هم مجرد مكونات وطوائف ، وليسوا موطنين لهم كامل الحقوق والواجبات ، حيث تتحدث تسوية الحكيم مرة عن أبناء الدولة ومكوناتها وثانية عن طوائف المجتمع وقومياته.

حق النقض ضد مشاركة أي طرف في التسوية هو ممنوح فقط للتحالف الوطني الحالي ، حيث أن حسم تمثيل أطراف المصالحة يكون بمشورة ممثلي ذلك التحالف ، بمعنى أنه يجعل من نفسه مصدر الشرعية ، ويعكس ذلك الذاتية المذهبية المفرطة التي تسيطر على الوعي المنتج لوثيقة التسوية والروح الخائفة ومحاولة الاستمرار بالإمساك بأوراق اللعبة بهذه الطريقة البدائية.

مصداقية هكذا تسويات غالبا ما تكون معدومة ، كونها تتحدث عن رفض استخدام العنف كورقة سياسية ، في حين أن الذين اعدوا هذه التسوية أناس يقودون ميليشيات طائفية ، وعلى هذا الأساس أصبح العنف في العملية السياسية الحالية ، جزءا أصيلا من الممارسة السياسية ، حيث تم زج الجيش والشرطة الحاليين في أتون اللعبة الطائفية ، وصارت المؤسسة العسكرية الحالية كغيرها من المؤسسات الحكومية أداة في الطائفية توظفها أطراف الصراع كافة كنتيجة حتمية للتأسيس الطائفي للدولة بعد 2003.

التناقض كان حاضرا بقوة في تسوية الحكيم ، التي تدعو إلى رفض الابتزاز السياسي ، وفي الوقت نفسه تطالب الشركاء بما تسميه “الإشادة” بدور المرجعية والقوات الحكومية وما يعرف بالحشد الشعبي ، ويظهر ذلك التناقض جليا في استخدام وثيقة التسوية لمصطلحات مثل إشادة وإدانة ما يعني تبنيها منطق الإخضاع والابتزاز والإرغام لا منطق الاعتراف والإقناع والإشراك والتأهيل والإدماج.

مشروع تسوية الحكيم ينتظره الفشل ، لاسيما وأن الأحزاب السياسية الحالية فشلت في تعزيز الوحدة الوطنية ، حيث اعترف النائب عن ائتلاف ما يعرف بدولة القانون “قاسم العبودي” ، بذلك الفشل طيلة الفترة السابقة ، بسبب الصراعات والخلافات بين الساسة الحاليين ومحاولة كل طرف منهم التفرد بالسلطة.

إطلاق الحكيم لمشروع ما يعرف بالتسوية في ظل احتدام الصراعات والخلافات بين نواب التحالف الوطني الحالي ( الشيعي ) من جهة ، وبين نواب تحالف ما يعرف بالقوى العراقية (السني) ونواب التحالف الكردستاني (الكردي) من جهة ثانية ، إضافة للصراعات داخل التحالفات المذكورة نفسها ، يأتي خشية حدوث انتفاضة شعبية ضد العملية السياسية الحالية برمتها ، عقب عملية اقتحام الموصل.

احتدام الصراع بين الأحزاب السياسية الحالية تجلى في الخلاف الحاد بين ائتلاف ما يعرف بالوطنية الذي يتزعمه نائب رئيس الجمهورية الحالي “إياد علاوي” وائتلاف ما يعرف بمتحدون الذي يتزعمه نائب رئيس الجمهورية الحالي أيضا “أسامة النجيفي” حول المنصب الشاغر لوزارة الدفاع الحالية ، حيث يتصارع الائتلافين على الظفر بتلك الوزارة.

العراق وما يشهده الآن من تدهور أمني وانتشار لأعمال العنف وتنامي ظهور الميليشيات الطائفية لا يقل خطورة عن أسلحة الدمار الشامل التي احتل بسببها ، وهو ما اعترف به نائب رئيس الجمهورية الحالي ، وزعيم ائتلاف ما يعرف بالوطنية “إياد علاوي” الذي أقر بأن العراق أصبح بلدا متاخرا ومتخلفا كثيرا عن بقية دول العالم وبخاصة في مجال العلوم والاكتشافات وما يشهده العالم من متغيرات اقتصادية وعلمية ، في ظل ما يشهده من تناقضات ومشاكل سياسية وحروب وصراعات طائفية ومذهبية ، بالإضافة إلى تحكم الميليشيات الطائفية بأمنه واستقراره.

مراقبون للمشهد العراقي يرون أن مشروع تسوية الحكيم مجرد محاولة منه للاستثمار في مرحلة ما بعد ( تنظيم الدولة ) ومنافسة رئيس الوزراء الحالي “حيدر العبادي” ، الذي يريد تسجيل النصر المفترض باسمه ، حيثيحاول الحكيم أن يجعل نفسه مظلة للوضع الجديد بعد ( التنظيم ) عبر إصدار هكذا تسويات ، تعيد إنتاج الطائفية وتكرّس دولة ولاية الفقيه في العراق.

الاصطلاحات المستخدمة في وثيقة التسوية رأى فيها المراقبون أنها تعبّر عن رثاثة الخطاب المكوناتي الذي تتعاطاه نخب المحاصصة ، وهبوط القدرات الذهنية والانفصال عن الواقع وعدم القدرة على الخروج من مستنقع التطرف والكراهية واجترار التخلف السياسي والعداوة ضد الفرد والمجتمع في العراق ، ولذلك جاءت الوثيقة تفتقر للرصانة.

الناظر بتمعن فيما يجري في العراق يرى في مشروع ما يعرف بالتسوية ، محاولة من الأحزاب والائتلافات الحالية تعويض شعورهم بالفشل عبر تأجيج النعرات الطائفية واللعب على وتر العنصرية وتضليل الرأي العام بالإضافة إلى خشيتهم من سقوط شرعية المحاصصة وولاية الفقيه في العراق عقب عملية اقتحام الموصل.

يقين نت

م.ع

تعليقات