الجمعة 17 نوفمبر 2017 | بغداد 13° C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

التعليم في العراق يعاني الموت السريري بعدما كان قبلة القاصدين ومنارة المتعلمين

التعليم في العراق يعاني الموت السريري بعدما كان قبلة القاصدين ومنارة المتعلمين

 

أزمة حقيقية تلك التي يمر بها الواقع التعليمي في العراق الآن ، فمنذ احتلال البلاد عام 2003 ومستوى التعليم في تدني واضح وانحدار كبير ، جعلا العراق يتذيل ترتيب الدول من حيث جودة التعليم ، بعد أن كان قبلة المتعلمين ومنارة العلم ، ومصدرا للثقافة والمعرفة تنهل منه الدنيا كلها.

قرابة أربعة عشر عاما من الإهمال الحكومي لقطاع التعليم ، كانت كفيلة بتراجع ذلك القطاع إلى أدنى مستوياته في العراق ، حيث كان الفشل والتخبط سمتان بارزتان في تعامل حكومات ما بعد الاحتلال المتعاقبة مع هذا الملف الحيوي.

التراجع الكبير واللافت في مستوى التعليم في العراق بعد احتلال البلاد ، كشف عنه مؤشر ﺟﻮﺩﺓ ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ، ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻨﺘﺪﻯ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﻓﻮﺱ ﻟﻌﺎﻡ 2015 – 2016 ، والذي أكد أن العراق خارج التصنيف الدولي من حيث جودة التعليم ، معتبرا أنه بلا تعليم أصلا ، لأنه ﻻ يتوﻓﺮ فيه ﺃﺑﺴﻂ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﺍﻟﺠﻮﺩة ﻓﻰ هذا المجال نتيجة الإهمال الحكومي.

خروج العراق من التصنيف العالمي من حيث جودة التعليم لم يأت من فراغ ، وإنما جاء بعد سياسات فاشلة تعاملت بها الحكومات التي جاءت على ظهور دبابات الاحتلال الأمريكي للبلاد ، وكذلك بعد الحملات الحكومية الغاشمة التي دمرت ولا تزال العديد من المدارس والجامعات ، بالإضافة إلى التضييق على الطلاب.

طلبة جامعة الانبار من أبناء الفلوجة كانوا ضمن الذين عانوا مرارة التضييق الحكومي خلال ذهابهم إلى جامعتهم ، حيث يتعرض هؤلاء الطلبة يوميا لإجراءات حكومية تعسفية عند نقطة تفتيش جسر الفلوجة الغربي ، الأمر الذي يتسبب في تأخيريهم عن الحضور إلى جامعتهم ، حيث لجأ بعض الطلاب لتأجيل دراستهم بسبب هذه الإجراءات الحكومية.

معاناة تلاميذ وأطفال محافظة الأنبار الذين هم في المراحل التعليمية الأولى أشد وطأة من تلك التي يواجهها طلبة الجامعة ، حيث لا يجد هؤلاء التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 عاما ، أمامهم سبيلا سوى الصعود إلى قوارب صيد صغيرة مزودة بمحركات كهربائية ، لعبور نهر الفرات إلى مدرستهم ، بعد أن دمر القصف الانتقامي ( الحكومي والدولي ) قبل شهور الجسر الرابط بين منطقة سكنهم في الحويجة ، ومركز ناحية البغدادي ، حيث توجد مدرستهم.

خطر كبير تتعرض له حياة أطفال الأنبار يوميا خلال ذهابهم وإيابهم من مدارسهم ، كون هذه القوارب التي يستقلونها ليست آمنة ومعرضة للانجراف أو حتى الانقلاب في أيام الشتاء العاصفة ، وهو ما حدث بالفعل نهاية الشهر الماضي وأسفر عن غرق طفلين ، وذلك في ظل وقوف الحكومة الحالية موقف المتفرج على هذه الأوضاع المأساوية والمشاق التي يكابدها أطفال الأنبار يوميا.

مدارس العاصمة بغداد لم تكن بمنأى عن الإهمال الحكومي ، الذي أدى بدوره إلى مكابدة الطلبة للعديد من المشاق من أجل استكمال دراستهم ، حيث تبدو مدارس بغداد متهالكة رغم التخصيصات المالية الكبيرة التي خصصت لها وذهبت في الأخير لجيوب الفاسدين من الساسة الحاليين.

وضع مدارس بغداد يرثى له ، بعد أن أصبحت مأوى للنازحين الوافدين لبغداد من محافظات الانبار وصلاح الذين والتأميم ونينوى وديالى جراء الإهمال الحكومي لأوضاع كل من الطلاب والنازحين ، كما أن العجز الحكومي عن توفير المناهج في مدارس بغداد دفع بأولياء الأمور إلى ترك المدارس الحكومية والاتجاه للمدارس الخاصة وتحمل نفقات الدراسة الباهظة ، من أجل تعليم أولادهم بسبب إهمال الحكومة لقطاع التعليم في العراق.

تأدية الطلاب لامتحانات نصف السنة على الأرض في محافظة ذي قار أظهر جانبا آخر من الإهمال الحكومي والفشل الذريع في إدارة العملية التعليمة في البلاد ، حيث أقر رئيس المجلس البلدي الحالي لقضاء سيد دخيل بمحافظة ذي قار “جبار عسكر” بأن الواقع التعليمي في القضاء يعاني ترديا مأساويا ، إذ لا يوجد في مركز القضاء سوى أربع مدارس متوسطة مكتظة بالطلبة.

إهمال مديرية تربية ذي قار الحالية في تجهيز العديد من مدارس المدينة بالمقاعد الدراسية بذريعة الازمة المالية التي تشهدها البلاد ، اعترف به كذلك عسكر ، مقرا بالتلكؤ الكبير في مشاريع المدارس التي من المقرر إقامتها في القضاء بسبب الفساد العارم الذي يعتري تلك المشاريع.

الواقع التعليمي المخزي في واسط لم يختلف كثيرا عن ذي قار ، حيث أدى كذلك طلاب المرحلة المتوسطة في المحافظة امتحاناتهم في اجواء باردة بساحة مدرسة الشهيد النمر المسائية في الكوت ، بسبب عدم توفر الصفوف المدرسية ما يعكس اهمال وزارة التربية الحالية للعملية التعليمية وعدم اكتراثها بالطلاب.

تدني مستوى التعليم في العراق كان من أسبابه أيضا ، الاعتداءات المتكررة على الكوادر التدريسية من قبل أشخاص ذويهم متنفذين في الدولة ، حيث تكررت حالات الاعتداء على تلك الكوادر في العديد من المحافظات لاسيما الجنوبية كالبصرة وذي قار وميسان ، وذلك في ظل الانفلات الأمني التام ، وفرض الميليشيات الطائفية السائبة سيطرتها على المدن ، وعجز الحكومة الحالية عن توفير الأمن لهذه الكوادر.

تصاعد وتيرة الاعتداءات على الكوادر التدريسية في المحافظات الجنوبية ، أقرت به لجنة ما تعرف بالتربية البرلمانية ، حيث اعترفت العضو فيها “خديجة وادي” بأنه تم تسجيل العديد من الشكاوى بتلك الاعتداءات ، وأن أغلب هذه الاعتداءات تكون في اقضية ونواحي ذات طابع عشائري غير منتظم ، مقرة بالصعوبات التي يواجهها المعلم من مواصلات الى نقص في الكادر التدريسي الى عدم وجود الابنية.

مديرية تربية محافظة البصرة الحالية أقرت هي الأخرى بتزايد حالات الاعتداءات على الكوادر التدريسية في المحافظة خلال العام الماضي ، حيث اعترف مدير إعلام المديرية “باسم القطراني” بوجود خروقات أمنية كثيرة في مناطق بالمحافظة تصاحبها الاعتداءات على ملاكات التربية بشكل كبير متمثلة بالتجاوز داخل المدارس وكذلك بسرقة رواتب المدرسين خارجها.

الفشل الحكومي الذريع في وضع حد للاعتداءات على الكوادر التعليمية اعترف به مجلس محافظة ذي قار ، فقد أقر رئيس لجنة التربية في المجلس “شهيد احمد الغالبي” بعجز الأجهزة الحكومية عن السيطرة على تزايد حالات الاعتداء والتجاوز على المعلمين والهيئات التعليمية ، والتي باتت تثير القلق وتنعكس سلباً على هيبة المعلم وحرمة المؤسسات التربوية.

نقابة المعلمين من جانبها أقرت بالاعتداءات المستمرة على كوادرها التعليمية والتدريسية من جانب من وصفتهم بالخارجين عن القانون ، داعية إلى تنظيم وقفات احتجاجية ضد هذه الاعتداءات التي يتعرض لها المعلمين الذين لا يمكن أن ترتقي العملية التعليمية بدونهم ، كونهم جزء أصيل منها.

دعوات نقابة المعلمين للاحتجاج ضد الاعتداءات على الكوادر التدريسية سرعان ما استجاب لها عدد من المنتسبين لقطاع النقابة في المحافظات الجنوبية ، حيث طالب المحتجون بتوفير الحماية اللازمة للأسرة التربوية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يتطاول أو يعتدي على الكوادر التربوية.

الوضع الحالي للتعليم في العراق وما وصل إليه من تردي كبير ، لا يمكن تفسيره بعيدا عن فساد وإهمال وزارة التربية الحالية ، اللذان تجلا في النقص الكبير في الكتب المدرسية وعدم توزيعها على الطلاب ، ما أدى إلى لجوء الطلبة لشراء تلك الكتب ، من سوق المتنبي لمتابعة الدراسة في بداية العام الدراسي الحالي مطلع شهر تشرين الاول / اكتوبر الماضي.

أزمة الكتب المدرسية كشفت بدورها عن فساد وزير التربية الحالي “محمد إقبال” ، حيث حمل أهالي الطلاب المتضررين من نقص الكتب المدرسية – حملوا – الوزير مسؤولية هذه الأزمة ، مؤكدين أن أشقاء إقبال لديهم مطابع في الأردن ويقومون بطباعة الكتب المنهجية وبيعها في مكتبات شارع المتنبي ، وهو ما يكشف تورط وزير التربية الحالي بفساد كبير في هذا الملف.

مستقبل آلاف الطلاب بات مهدد بسبب نقص الكتب المدرسية لاسيما في مدارس محافظة ديالى ، حيث أقر رئيس مجلس ناحية مندلي الحالي بالمحافظة “رائد المندلاوي” بأن مدارس الناحية تعاني من نقص حاد في كتب المناهج الدراسية للعديد من المواد ، وأن هذا النقص انعكس سلبا على الاداء التعليمي.

التعليم الذي يعتبر من المؤشرات المهمة لرقي المجتمعات وتطورها والرقي بثقافتها الى الأعلى ، يبدو أنه سيستمر في تراجع مستواه في البلاد ، في ظل السياسات الفاشلة للحكومات المتعاقبة وإهمالها لهذا الملف الهام ، في بلد مثل العراق المعروف على مر التاريخ ببلد العلم والعلماء.

يقين نت

م.ع

تعليقات