الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 |بغداد 18° C
yaqein.net
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

سيرة حياة الشيخ حارث الضاري (رحمه الله) ... منارات مضيئة دوما تنير دروب الأجيال

سيرة حياة الشيخ حارث الضاري (رحمه الله) … منارات مضيئة دوما تنير دروب الأجيال

 

فضيلة الشيخ الدكتور حارث الضاري ( رحمه الله ) تاريخ طويل من العلم والنضال تأبى الذاكرة نسيانه ، وتبقى سيرة حياته طريقا منيرا للحق ، لمن أراد أن يحذو حذوه أو يقتفي أثره ، لأن للحق رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

مولده ونشأته

الشيخ الضاري ( طيب الله ثراه ) هو حارث بن سليمان بن ضاري بن ظاهر بن محمود الزوبعي الشمري الطائي ، ينتمي إلى عشيرة زوبع وهي من القبائل الاصيلة التى تعود أصولها إلى الجزيرة العربية ، ولد في قضاء أبي غريب التابع لمحافظة بغداد عام 1941م ، وهو حفيد الشيخ “ضاري المحمود” أحد كبار قادة ثورة العشرين التي هزمت الاحتلال الاجنبي ، ونشأ الشيخ في كنف والده وأخذ عنه الالتزام الديني الذي عرف به الشيخ سليمان.

دراسته

والد الشيخ كانت تربطه بعلماء العراق علاقات وثيقة ؛ حملته على انتداب أبنيه (مطلق) و(حارث) لدراسة العلوم الشرعية ، فانتدب لهما معلما لإقرإهما القرآن ثم ابتعثهما الى المدرسة الدينية الأقرب على مضارب عشيرة زوبع وهي مدرسة الآصفية الدينية في الجامع الكبير في الفلوجة المعروفة بمدرسة الشيخ عبد العزيز نسبة الى الشيخ “عبد العزيز السالم السامرائي” ( رحمه الله ) مؤسسها ومدرسها الأول ، وصاحب الفضل الكبير على العلم وطلبته في الفلوجة والمناطق المحيطة بها.

مدرسة الشيخ عبد العزيز درس فيها الشيخ الضاري الفقه الشافعي وعلوم اللغة وشيئا من الحديث والتفسير والمنطق ، ثم انتقل بعدها للدراسة في بغداد التي درس فيها على يد جماعة من علمائها الفضلاء وهم فضيلة الشيخ “فؤاد أفندي الآلوسي” (رحمه الله) وأخذ عنه شيئا من النحو والصرف ، وفضيلة الشيخ “عبد القادر الخطيب” (رحمه الله) وأخذ عنه دروسا في البلاغة ، وفضيلة الشيخ “الحاج نجم الدين الواعظ” (رحمه الله) ودرس على يديه الفقه الحنفي.

الاجتهاد في طلب العلم كان من شيم الشيخ الضاري ( رحمه الله ) فبعد حصوله على شهادة الثاني عشر الدينية ، وتعيينه إماما في أحد مساجد بغداد ، انتقل للدراسة في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف في مصر عام 1962م ، وحصل منها على (الشهادة العالية) في التفسير والحديث عام 1967م، والتحق مباشرة بدراسة الماجستير في تخصص التفسير التي أتمها عام 1969م، ثم عاد إلى العراق ليعمل مفتشا في الأوقاف ثم معيدا في كلية الإمام الأعظم عام 1970.

مصر كانت مقصد الشيخ مرة أخرى عندما عاد إليها ، ليتم دراسة الماجستير في تخصص الحديث عام 1971، ثم سجل في مرحلة الدكتوراه وعاد إلى العراق ، حيث عمل في هذه المدة محاضرا في كلية الدراسات الإسلامية إضافة إلى عمله في كلية الإمام الأعظم.

المناصب التي شغلها

عمل الشيخ كمحاضر في كلية الدراسات الإسلامية لم يستمر طويلا ، حيث رقي بعدها إلى مرتبة (مدرس) بتاريخ 16/11/1975م ، وسافر في عام 1977م إلى القاهرة لإتمام كتابة أطروحته للدكتوراه (الإمام الزهري وأثره في السنة)، التي أكملها عام 1978 بتقدير ( ممتاز) مع التوصية بطبع الرسالة ، وعاد بعد ذلك إلى كلية الإمام الأعظم ليترقى فيها إلى مرتبة (أستاذ مساعد) في 16/11/1979م . وقد تحول اسم هذه الكلية عام 1980 إلى كلية الشريعة بعد انتقالها من وزارة الأوقاف إلى جامعة بغداد.

مسيرة فضيلة الشيخ الضاري التدريسية في الجامعات العراقية انتهت عام 1997 بعد أن تقاعد بناء على طلبه ، عقب خدمة جامعية دامت 27 عاما ، درًّس وحاضر فيها إضافة إلى كليتي الشريعة والدراسات الإسلامية ، في الجامعة الإسلامية والمعهد العالي لإعداد الأئمة والخطباء ومعهد التطوير التربوي / وزارة التربية.

بعض الجامعات العربية كان لها نصيب من علم فضيلة الشيخ ، حيث درًّس في كلية الشريعة بجامعة اليرموك في الأردن عام 1997م ، وكذلك في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة عام 2000م ، بالإضافة إلى جامعة عجمان في الفجيرة في الإمارات أيضا عام 2002م.

مواقفه

منتصف عام 2003 وعقب احتلال البلاد ، أسس فضيلة الشيخ الضاري هيئة علماء المسلمين فى العراق ، وانتخب أمينا عاما لها في اجتماع ضم جميع أعضاء مجلس الشورى ، وخلال توليه أمانتها العامة ، أصبحت الهيئة من بين أهم القوى العراقية المناهضة للاحتلال وللعملية السياسية التي جاء بها ، وكذلك للطائفية ومشاريع التقسيم.

المواقف الوطنية والمشرفة لفضيلة الشيخ الضاري عقب الاحتلال الأمريكي كثيرة ، لعل أبرزها رفض الاحتلال ومناهضته منذ اللحظة الاولى التي وطئ فيها أرض العراق ، إضافة إلى كونه أول من حاول التنبيه من المشروع الايراني التوسعي في العراق والمنطقة العربية فضلا عن رفضه الدائم لجميع المشاريع الخارجية والداخلية الرامية الى تقسيم العراق الى دويلات.

مناهضة الحكومات الفاسدة والفاشلة التي جاء بها الاحتلال الامريكي والمنفذة لاجندات ايران الطائفية كان موقف ثابت أيضا لدى الشيخ الضاري ، بالإضافة إلى دفاعه عن حقوق المواطن العراقي وكرامته ، كما أنه حذّر مرارا وتكرارا البلدان العربية من خطر المشروع الايراني ومنذ في وقت مبكر.

مكانة عشائرية جليلة تبوءها الشيخ حارث الضاري ، كونه أحد أبناء العائلة التي تتشرف برئاسة قبيلة زوبع العربية المتفرعة عن قبيلة شمر المعروفة ، حيث قام الشيخ بجهود اجتماعية كبيرة تمثلت في الدور التوجيهي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحل الخلافات العشائرية والتحكيم في الفصول العشائرية بين أبناء القبيلة والقبائل الأخرى.

الجهود الاجتماعية للشيخ الضاري اتبع فيها المنهج الإصلاحي الذي عرف عنه ، بتغليب التراضي والتنازل بين الأطراف وفق ضوابط معينة ايمانا منه بأرجحية مبدأ الصلح على مبدأ التحكيم الذي يفتقد الى السلطة الملزمة الكافية في الوسط الذي كان يتحرك فيها الشيخ في تلك الظروف.

مؤلفاته

مؤلفات كثيرة من الكتب دونها الشيخ الضاري ( رحمه الله ) أهمها (الإمام الزهري وأثره في السنة) و (القرآن الكريم، تلاوته ومعانيه للصف السادس الإعدادي) و (محاضرات في علوم الحديث) والذي كان كتابا منهجيا في الكليات والمعاهد الإسلامية في العراق.

بحوث ودراسات عديدة أيضا قام بها الشيخ الضاري في موضوعات الحديث وعلومه والتفسير وعلومه والأديان وحقوق الإنسان والثقافة الإسلامية العامة ، وهي علم الجرح والتعديل ، والإسناد عند المحدثين ، والتعارض والترجيح في الحديث ، والإدراج في الحديث.

وفاته

بعد عمر مديد قضاه الشيخ الضاري ( رحمه الله ) في طلب العلم وتعليمه ونصرة الحق والوقوف بوجه الظلم والباطل ، توفي الشيخ في 12 من مارس / آذار 2015 ، بمدينة إسطنبول التركية عن عمر ناهز 74 عاما ، بعد معاناة مع المرض.

رحل فضيلة الشيخ “حارث الضاري” ، ولكن ظلت مواقفه الثابتة الراسخة دروسا يتعلم منها أولوا الألباب ، وسيرته نبراسًـا يضئ للأجيال المتعاقبة.

يقين نت

م.ع

تعليقات