الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 | بغداد 31° C
الرئيسية » ازمة الكهرباء في العراق »

انهيار الخدمات والبنى التحتية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي

انهيار الخدمات والبنى التحتية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي

 

لم يشهد العراق واقعاً خدمياً وبنية تحتية تليق بشعبه، منذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1921 إلى فترة السبعينات من القرن الماضي والتي شهدت عملاً دؤوباً لزيادة الخدمات وبناء البنية التحتية، والتي كانت نتيجة مباشرة لارتفاع الدخل القومي العراقي نتيجة تأميم شركات النفط التي كانت تعمل بالعراق. ولم يتسنى للمواطن العراقي أن يتمتع أو يشعر بتلك العائدات النفطية من خدمات أو بنى تحتية أُنشأت في سبعينات القرن الماضي، حتى جاءت سلسلة من الحروب المدمرة التي دخلها العراق، لتوقف كل بناء، وتجمد كل الخدمات، ثم أكتمل المشهد المأساوي الذي يمر به العراق، حينما جاء المحتل الأمريكي – البريطاني ليحطم كل تلك المنجزات على تواضعها وقلتها.

ويعرف الباحثون مصطلح البنية التحتية لأي بلد والذي يعتبر رأس مال المجتمع، بأنه كل المؤسسات والهياكل الفنية التي تدعم المجتمع وتمس أمن المواطن الاقتصادي والعلمي والصحي والخدمي، مثل المدارس والمستشفيات والطرق والجسور والسدود والمحطات والمطارات والمصانع والإنتاج الزراعي والكهرباء، أما مفهوم البنية الفوقية، فيقصد بها كل التشريعات والأنظمة والقوانين والإطار الأكبر لها وغيرها من مؤسسات الدولة التي كانت تحكم عمل تلك البنى التحتية، كما ويمكننا أن نضيف إلى مفهوم البنية التحتية، منظومة القيم التي أقامها المجتمع منذ ألاف السنين وأمن بها، لعظيم أثرها على سلوك المجتمع وتطلعاته وأهدافه، تلك القيم التي تعرضت لتشويه كبير نحتاج لإصلاحها وإرجاعها إلى سابق عهدها، عقود عديدة.

تحطيم البنية التحتية للبلد كان مقصوداً

لم يكن تحطيم البنية التحتية للعراق ناتج عرضي، نتج عن العمليات العسكرية خلال الحربين التي شنتهما الولايات المتحدة الأمريكية عامي 1991 و2003، إنما كانت مقصودة ومخطط لها، حينما التقى وزير الخارجية الأمريكي ذلك الحين، “جيمس بيكر” بوزير الخارجية العراقية “طارق عزيز”، قالها بصراحة شديدة مهدداً له (سنرجع العراق الى عهد ما قبل الصناعة). وبذلت الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق هذا الهدف، كل طاقتها التدميرية لتلقي بها على البلد، من أجل إحداث أكبر قدر من التدمير في البنية التحتية له.

وفي ذلك يقول المحلل العسكري العراقي “حاتم كريم الفلاحي”: لا يكاد المتابع للشأن العراقي، ان يخرج بانطباع يدعوه إلى التفاؤل، فقد دمرت كل مؤسسات ووزارات الدولة، بل ونهبت أمام مرأى ومسمع القوات الامريكية عند دخولها لبغداد عام 2003، بما فيها المتحف الوطني، ولم تحافظ إلا على وزارة النفط، ومنذ ذلك الوقت والحرب والتدمير لا يزال مستمر، ومن يذهب الى مدينة الرمادي يرى نسبة التدمير والتخريب بشكل جلي، حيث قالت الأمم المتحدة في تقريرٍ خاص لها، إن التدمير بمدينة الرمادي مذهل، فقد تم تدمير 7700 مبنى، والبنى التحتية تعرضت لـلتدمير بالكامل، نفس الحال جرى على مدن الفلوجة ومدن ديالى وصلاح الدين، التي دمرت أو سُرقت بناها التحتية، بما فيها مصفاة بيجي في مدينة بيجي، تلك المدينة التي أعلنت فيما بعد، أنها مدينة منكوبة لشدة الدمار الذي حصل فيها.

وأضاف الباحث في الشأن العراقي “حاتم كريم الفلاحي” والحاصل على ماجستير في العلوم العسكرية: أن ما يجري في مدينة الموصل التي تدور فيها رحى الحرب اليوم، هو تدمير ممنهج لها، فقد دُمرت جسورها الخمسة، ومعامل السكر والادوية ومعامل الاسمنت والبنوك وجامعة الموصل ودمرت الآثار حتى وصلت نسبة التدمير إلى 60%، ولم تنتهي تلك المعارك بعد، ناهيك عن الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية الكبيرة جدا، فمظاهر التدمير والتخريب ماثلة في جميع هذه المدن، يضاف الى ذلك الفساد المالي والإداري والبطالة وغياب تام للخدمات، خاصة خدمة الكهرباء، مع فقدان الامن والاستقرار، كل ذلك بسبب ديمقراطية الاحتلال التي جلبها للعراق.

وبعد أحد عشر سنة من الاحتلال، يصف عضو مجلس محافظة بغداد الحالي “فرحان قاسم” في 27/12/2014، حال العاصمة العراقية بغداد، بقوله إن العاصمة العراقية تعد حاليا الاسوأ بين بلدان العالم بيئيا وصحياً. ويضيف جازماً: أن العاصمة بغداد، تعد حاليا اسوأ مدينة في العالم على المستوى الصحي والبيئي، نتيجة انعدام الخدمات البلدية، بسبب تدمير البنى الفوقية والتحتية للعاصمة العراقية بغداد.

حكومات العراق ما بعد الاحتلال  

لم يكن الأمر مختلفاً حينما قام الاحتلال بتأسيس العملية السياسية في العراق بعد إسقاطه لنظام الحكم السابق، تلك العملية التي أفرزت حكومات طائفية لم يكن الولاء للوطن هو أكبر همها، بقدر ما كان الولاء للمذهب وإلى الدول التي تدعي تبنى ذلك المذهب. دخلت تلك الحكومات في حرب مع باقي مكونات الشعب، وجعلت من نفسها مطيّة لتنفيذ ما تريده دولة إيران تارة باسم الولاء للمذهب، وللأمريكان تارة أخرى من اجل حماية نظامهم. حتى وصل الدمار بالعراق إلى مستويات قياسية، وفي كل المجالات لاسيما منها المجال الخدمي، وانهيار البنية التحتية نتيجةً لخيارات تلك الحكومات، بتسخير مقدرات الوطن وزجها في حروب مذهبية، على أن تسخرها لبناء الوطن ورفع مستوى الخدمات التي تُقدم للمواطن.

وفي هذا الصدد تحدث الباحث في العلاقات الدولية “جلال سلمي” قائلاً: إن الاحتلال أو الدولة المهيمنة يحاول ، إبقاء الدولة المستهدفة كدولة فلكية تابعة للدولة المركزية المهيمنة، فالساسة الذين فشلوا في تحقيق التنمية وإصلاح خراب البنية التحتية، يصبحون على دراية بأن الضامن لمصيرهم السياسي ليس النجاح، بل هو الانصياع لتوجيهات الدولة المركزية او الدولة المحتلة، وهو ما يأخذ بهم نحو المزيد من الفساد واتباع أساليب الخداع والالهاء للشعب. ويمارسون ذلك من خلال متابعة وثيقة من قبل الدولة المحتلة الداعمة لهذه السياسة.

في ظل تلك الحكومات، ارتفع مستوى البؤس الذي يعيشه المواطن، وأصبح من المستحيل على الانسان العراقي أن يعيش في بلد لا تتوفر به أبسط الخدمات الإنسانية اللازمة لأي إنسان في العالم، أصبح توفر التيار الكهربائي أمنية للإنسان العراقي، وكذا الحال في خدمة الشوارع النظيفة والتي تخلوا أحياء كاملة في بغداد من الشوارع المعبدة، فما بالك بشوارع الأحياء في باقي المحافظات؟ لا زال في العراق تتم طريقة الصرف الصحي من خلال الحفر الموجودة في مقدمة البيوت والتي تُفرغ محتوياتها بعربات نقل المياه الثقيلة، ونحن نعيش في الالفية الثالثة، ومازال العراق يحلم بمدارس محترمة لأبنائه، لا مدارس من الصفيح أو الطين المنتشرة بقرى وأقضية العراق، والخالية من ابسط الوسائل التعليمية، أصبحت رغبة المواطن في التغلب على برد الشتاء، وحر الصيف هي من الامنيات الصعبة، لا يستطيع تحقيقها إلا من اوتي حظ كبير أو لديه ثروة كبيرة.

ومع كل هذا يتصدر المسؤولين الحكوميين الحاليين وسائل الإعلام، ويطلبون من الشعب الصبر على تلك المآسي، ويلقون بالوعود بغدٍ أفضل، ذلك لان تغير ما تركه النظام كبير ويحتاج لوقت لإعادة تعميره حسب تعبيرهم، ولكن وبعد أربعة عشر سنة من استلامهم للسلطة في العراق، فمنذ عام 2004 بلغت موازنات العراق 950 مليار دولار، لم ير منها المواطن شيئا. ومازال المواطن العراقي يتطبب في المستشفيات التي بناها النظام السابق ونجت من التدمير، ومازال يدرس في مدارس النظام السابق، ومازال يمشي في الشوارع التي عبدها النظام السابق، بل ما زال يستلم حصته التموينية التي سنَّها النظام السابق كحلٍ لتجاوز ازمة الحصار في تسعينيات القرن الماضي، والتي اعتدت عليها الحكومات الجديدة حتى أفقدتها قيمتها الحقيقية. ان الذي يحدث في العراق من مأسي تقترف بحق الشعب العراقي لم تأتي من فراغ، بل هي مخطط لها من قبل الأجنبي المحتل، سواءً كان ذلك المحتل أمريكي او إيراني. وما حكومات الاحتلال المتعاقبة التي تداولت السلطة بالعراق بعد الاحتلال، إلا خادم مطيع لتلك الاجندة، لم يكن لهم همٌ سوى الصراع الطائفي والتفكير بتحقيق انتصارات طائفية أو قومية على باقي مكونات الشعب العراقي.

وفي هذا الصدد يوضح “جلال سلمي”: أن استهداف الولايات المتحدة للبنية التحتية في العراق، هو ناتج عن عقيدته الحربية في استخدام العنصر الاقتصادي في حربها ضد دول العالم، فالعنصر الاقتصادي هو سلاح أساسي لأي حرب نظامية او ما يسمى “حرب مرتفعة المستوى”. يراد منه تدمير عوامل النهضة للدولة المستهدفة، وربما لوحظ في عمليات التحالف الدولي الجارية الان في العراق، ان طائراتهم تستهدف الجسور ومحطات توليد الكهرباء وغيرها من عناصر البنية التحتية. لأجل جعل عمر التأثيرات السلبية للحرب مستمرة لأطول فترة زمنية ممكنة.

ويسترسل الباحث “جلال سلمي” في توضيحه لأهداف المحتل من تحطيم البنية التحتية قائلاً: إن تلك الخطط لتحطيم البنية التحتية تهدف إلى خفض مستوى المطالَب الشعبية وحصرها في توفير الحد الأدنى من الخدمات، كبديل للمطالبة باستقلالية القرار او الكرامة السياسية والاجتماعية وغيرها، وهذا ما يجعل الحكومة المحلية منغمسة بالسعي نحو تلبية هذه الخدمات التنموية التي تعجز غالبا عن إنجازها نتيجة العرقلة الأجنبية الخارجية لها. إضافة إلى توجيهها للاستقراض من صندوق النقد والبنك الدولي، واللذان عادة ما يمنحان تلك القروض للدول الطارقة لبابهما، ولكن وفق شروط اقتصادية تزيد من وطأة تخلفها الاقتصادي والتنموي وبالتالي السياسي.

دور الفساد في تدهور الخدمات

من أكبر الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي بحق العراق والعراقيين، هو إقرار النظام الطائفي والعِرقي في البلد، وتوزيع السلطات فيه حسب هذا التقسيم الطائفي للشعب الواحد. وجعل تقسيم تلك الطوائف والعرقيات على حسب ما أملته عليه مراكز الدراسات الأمريكية، بالإضافة إلى نصائح من جاء معه من الخارج، والذين يسمون أنفسهم بالمعارضة العراقية. تم تمزيق المجتمع العراقي بتلك الطريقة، واعطاء الأغلبية لمن والى المحتل ومهّد لعملية استيلائه على البلد. نتج عن ذلك كتابة دستور يتوافق مع هذه النظرة، وجعله دستوراً طائفياً يخدم إحدى تلك الطوائف ويهمش البقية. جرَّ هذا الاجراء إلى نشوء ظاهرة من أسوء الظواهر التي يمكن أن تعاني منها الدول، إنه الفساد الذي طال كل المستويات، حتى وصل الحال بالعراق، لمستويات عالية ومخيفة بحجم الفساد، ومن أعلى مسؤول بالدولة حتى أصغر مسؤول، سبَّب ذلك تعطل لكل الخدمات أو تنفيذها بطريقة وهمية لا يوجد منها شيء على أرض الواقع.

وتشير الدراسات، الى انه وفي محاولة منها قامت حكومات ما بعد الاحتلال لفتح أبواب الاستيراد على أوسع نطاق، وعلى الرغم من أهمية حرية الاستيراد في ضوء التحول الاقتصادي لأي بلد ومنها العراق، إلا أنه لم يكن يخضع إلى تقييدات تصب في صالح الاقتصاد، فبدلاً من تشجيع الإنتاج الزراعي مثلاً، تخلت الدولة بشكل ملفت للنظر عن سياسات الدعم للقطاع الزراعي، لتفتح الباب على مصراعيه في استيراد السلع الزراعية. وبسبب الازمة المالية التي يعاني منها العراق حالياً لانخفاض أسعار النفط، فإن العراق سيكون معتمداً مستقبلاً وبشكل كبير على برنامج الغذاء العالمي.

انتشرت ظاهرة المقاولين المحليين الذين يتفقون مع المسؤولين الحكوميين، باستلام المشاريع المنجزة منهم، بالرغم من عدم قيامهم بها بطريقة صحيحة، أو وفق المعايير المتفق عليها. ولم يكتف الفساد بذلك بل إنه وصل إلى مراحل أخرى وأعلى من ذلك، حينما بدأ المسؤولون بإنشاء شركاتهم الخاصة، والتي تستلم مشاريع من الدولة لتنفيذها من تلك الشركات، وأصبح النهب لأموال الدولة علنياً. كل ذلك سكتت عنه الحكومة، إما لأنها مشغولة بحربها الطائفية ضد باقي المكونات العراقية، أو لأنها مشتركة في كثير من علميات الفساد تلك، وهو الأرجح بظننا.

وبحسب الدراسات، فلقد أثر كل ذلك في تراجع أهمية القطاعات السلعية (الزراعة والصناعة التحويلية) ، ويلاحظ أن الناتج المحلي الإجمالي باستثناء الصناعات الاستخراجية النفطية، والتي كانت تشكل نحو( 30 %) عام 2000، وصلت إلى (8 %) في عام 2003، وفي عام 2007 انخفضت إلى حدود ( 7 %)، أما الأنشطة الخدمية والتوزيعية فشكلت نحو ( 37.3 %) عام 2007 مقارنةً ب ( 58.6 %) عام 2000، وتراجعت مساهمة قطاع الزراعة من 6.3 % في عام 2006، إلى 5.7 % عام 2007. وهذا يظهر مدى الاختلال الهيكلي الكبير الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي.

الخدمات وبناء البنية التحتية إلى اين؟

كل الخيريين من العراقيين يبقون متمسكين ببصيص الامل لتغير واقع الحال بالبلد إلى الافضل، ولم يفقدوه لحد الان، بعضهم يتأمل بإعادة البناء وتوفر الخدمات. والبعض الأخر يتأمل خيراً في الانتخابات القادمة، وتغير السياسيين الحاليين، ولكن مرت على العراق ثلاثة دورات انتخابية لم يحدث فيها تغير، لا بوجوه السياسيين ولا بتوجهاتهم، بل ازداد الطين بله، وتردت الخدمات أكثر وأكثر، وتحطم المزيد من البنية التحتية، حتى وصل الامر برئيس الوزراء الحالي “حيدر العبادي” أن يتسول لإعادة إعمار العراق، نغمة التوسلات التي لطالما سمعناها بعد احتلال العراق سنة 2003، وبعد مرور أربعة عشر سنة مازال العراق يتسول من الاخرين للمساهمة بإعادة إعمار العراق بالرغم من أن عائدات النفط للعراق تقدر بمئات المليارات من الدولارات لتلك الفترة، وهي كافية لإعمار العديد من الدول الفقيرة. ذهبت كل تلك الأموال في جيوب المفسدين.

وبالرغم من عدم رغبتنا بتبديد آمال العراقيين بغد أفضل، ولكن كما قال انشتاين ، من الغباء أن تكرر الشيء ذاته بنفس الخطوات وبنفس الطريقة، وتنتظر نتيجة مختلفة ، ونحن نقول من الغباء أن نتوقع من هذه العملية السياسية الجارية بالعراق، أن تطرح سياسيين يؤمنون بعملية اصلاح وبناء العراق من جديد وبنفس الأدوات، فهي منظومة فاسدة لا تطرح وتنتج إلا ما هو فاسد، وقد تم تجربتهم طيلة أربعة عشر سنة، وإذا أردنا نتائج مختلفة يجب أن نتبع أساليب مختلفة، أهمها تغير هذه العملية السياسية القائمة بالعراق إلى ما هو أفضل.

إن المنظومة السياسية الحالية الحاكمة بالبلد الأن، هي المسؤولة المباشرة عن تردي الخدمات بالعراق وانهيار البنى التحتية له، بل هي نتائج طبيعية لمؤسسة سياسية فاسدة الى حد النخاع، لا تعمل إلا بموجب أجندة خارجية، تلك الدول التي لا يهمها سوى تحطيم العراق.

 

تعليقات