الأحد 20 أغسطس 2017 | بغداد 29° C
الرئيسية » الأزمة السياسية في العراق »

حجم الفساد المالي والإداري المتفشي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي

حجم الفساد المالي والإداري المتفشي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي

 

يبقى الفساد المالي والإداري كحالة مرضية تصيب المجتمعات، وقلما ينجو مجتمع أو دولة، من مستوى محدد من الفساد، لكنه يظهر بأحجام مختلفة من بلد إلى بلد، ولهذا وضعت شعوب العالم، مقاييس خاصة لهذه الحالة الشاذة، تستطيع أن تقيس فيها مدى استفحال هذه الظاهرة في مجتمع معين. فمنظمة الشفافية الدولية، هي احدى المنظمات الدولية التي تؤشر على حالات الفساد في مختلف دول العالم، ومن خلال هذه المؤشرات، يتمكن أصحاب القرار معرفة حجم هذه الظاهرة في بلدٍ ما، والطرق الفاعلة لمكافحتها.

إلا ان ما يتعلق بالفساد المالي والإداري المستشري في العراق، فإننا نتحدث عن فساد مالي وإداري وصل في حجمه إلى مراحل قياسية، بدأت تؤثر بشكل فاعل على مسيرة المجتمع العراقي، وجعلت العراق يندرج اسمه، ضمن أعلى مستويات الدول الفاشلة في العالم، أما عن أسباب هذا الفساد فهي مختلفة، إلا أن ما يلفت النظر في هذه الظاهرة، هو حجمها الكبير أولاً، وسرعة انتشارها في المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي للبلد في 2003 ثانياً.

ولقراءة واقع وأسباب الفساد الإداري والمالي في العراق، بعد سقوط النظام العراقي السابق، لا يمكن أن تكون قراءة حقيقية، إذا ابتعدت عن الجذور التي أصَّلت لظاهرة الفساد، في سنوات طويلة من الحرمان، والمنهج السلوكي الذي عانى منه المجتمع بكل فئاته طيلة العقود الماضية، سنحاول معالجتها في هذا التقرير.

ظاهرة الفساد في الإدارة الأمريكية التي حكمت العراق

رافقت ظاهرة الفساد، الجيش الأمريكي منذ يومٍ حطت أقدامه أرض العراق، فكانت أولى عملياته بعد انهيار احتلال البلاد ، هي الاستيلاء على البنوك العراقية في بغداد، ونهب مليارات الدولارات منها بدون أي توثيق لقيمة المبالغ التي كانت متواجدة فيها، كما سمحوا بالاستيلاء على بقية البنوك، وعلى محتويات الدوائر الحكومية، بل حتى أسلحة الجيش العراقي السابق الموجودة في الوحدات العسكرية، لم تسلم من النهب. لقد كان الاحتلال يبتغي من ذلك، جعل النهب والفساد المالي ظاهرة متعارفة عليها في المجتمع العراقي، ومألوفة له، كخطوة أولى لتدمير قيم المجتمع العراقي، وبالتالي تسهيل عملية السيطرة على مجتمع فاسد مثل هذا المجتمع.

تشير الابحاث الى إن الثقافة التي أوجدها المحتل منذ أول يومٍ لاحتلاله العراق، من خلال سماحه للسراق بنهب ممتلكات الدولة عموما عدا وزارة النفط وقسم الذهب والعملة الاجنبية في البنك المركزي، كان لها دور واضح في ترسيخ ثقافة “الفرهود” التي كانت سادت بعد الاحتلال الامريكي للعراق، وأسست للقيام بسرقات كبيرة للأموال العراقية فيما بعد. كما وأن ضعف أجهزة الرقابة الداخلية وتفكك هياكلها بعد السقوط، إضافة لتعدد الدوائر الرقابية والتضارب بين صلاحياتها، مع الأخذ بنظر الاعتبار، التضارب بين صلاحيات السلطة التنفيذية الاتحادية والصلاحيات الممنوحة لمجالس المحافظات والمجالس البلدية وبعض الوزارات، كان لها أكبر الأثر في ازدياد ظاهرة الفساد، اضف إليها انهيار المؤسسات على اثر السقوط وتشكيل مؤسسات جديدة فتية يفتقر أغلبية عناصرها للخبرة، وغياب دولة المؤسسات القانونية والسياسية والدستورية، وغياب الحافز الذاتي لمحاربة الفساد في ظل غياب سلطة القانون والتشريعات تحت وطأة التهديد بالقتل والاختطاف والإقصاء الوظيفي والتهميش. جعل الأمور تخرج عن السيطرة.

أعطت الأمم المتحدة أيضاً لقوات الاحتلال الحق بالتصرف بصادرات النفط العراقي من خلال تأسيس صندوق يتم وضع الواردات النفطية فيه، سمي بصدوق إعادة إعمار العراق، لعب فيه جيش الاحتلال الأمريكي، وبول بريمر شخصياً دور هام في هذا الفساد، وتذكر مصادر مطلعة بان بول بريمر قد جمع ثروة من أموال العراقيين تقدر بثمانية مليارات دولار، ناهيك عن تخريب تراث العراق وتهريب أثاره التي رافقت الأيام والشهور الاولى من بدء الاحتلال الأمريكي، ويشير المفتش العام الأمريكي في تقريره بالتفصيل الى الفشل الاداري الممنهج وانعدام الاشراف وممارسات الغش والاختلاس من جانب المسؤولين الامريكان الذين كانوا يديرون جهود اعادة الاعمار في العراق. وقد اتهمت إدارة سلطة الائتلاف المؤقتة، بالفساد والاستغلال السيء للموارد. فمن بين موارد صندوق تنمية العراق فإن نحو 8.8 مليار دولار كانت قد تم تسليمها الى وزارات حكومات ما بعد الاحتلال ، ولم يتم التعرف على ابواب الصرف وكيفيتها. وقد تم رصد 57 قضية قيد التحقيق منها 15 سرقة و19 حالة رشوة و6 حالات غش في التجهيز. وهكذا تم هدر المليارات من الدولارات وتخريب القدرات الانتاجية والخدمية واعاقة عملية اعادة الاعمار.

ظاهرة الفساد في عهد حكومات بعد الاحتلال

وتبقى ظاهرة الفساد في عهد الحكومات التي جاءت بعد الاحتلال سنة 2003، هي الأعلى والأخطر التي شهدها العراق، حيث بلغت المبالغ المهدرة جراء عمليات الفساد تلك، ما يتم تقديره بمئات المليارات من الدولارات، وهي ثروة عظيمة تم نهبها من الشعب العراقي، بل ومن الأجيال القادمة من العراقيين.

ويذكر الإعلامي “محمود محمد القيسي” رئيس رابطة الاعلاميين العراقيين في الخارج ، في هذا الصدد: أن تدخُل حقل ألغامٍ أفضل لك من فتح ملفات الفساد الإداري والمالي في العراق ، بهكذا تهديد يتراجع الكثير ممن لديه النية لمتابعة ملفات الفساد سواء الإداري منها أو المالي في حكومات ما بعد الاحتلال. وان كل ما جرى ويجري من تدهور ملحوظ على أداء كافة الهيئات والمؤسسات المدنية والعسكرية، له ارتباط وثيق بثلة من الفاسدين، وبما أن أعلى الهرم بُني على فساد وتغذى وعاش على الفساد، فقد أصبح المواطن العراقي مُدركاً أنه لا مفر من الوقوع في حبائل اللاهثين والمفلسين أخلاقياً.

ويستمر الإعلامي “محمود القيسي” واصفاً لحال العراقيين تجاه الفساد الذي انتشر بالبلد كانتشار النار بالهشيم، قائلاً: إن كل امنيات العراقيين التي خالجت احلامهم بعراقٍ مستقر وآمن، ويتمتع بخيراتهِ، تبددت وذهبت ادراج الرياح على ايدي الفاسدين، ومن اول حكومة بعد الاحتلال، ليحطم العراق الأرقام القياسية كأسوأ بلد في الفساد والعيش.

وأوضح القيسي حقيقة الوضع الذي يعيشه العراق اليوم قائلاً: ان شبكات من الفاسدين هي التي تُسير البلد وتعيث به فساداً، وجيش ينسحب لحساب مجرمين وبأوامر حكومية، ومخازن اسلحة تُفتح ابوابها لكل من هب ودب، وصفقات بالمليارات لأجهزة فاسدة وبضاعة تالفة، هذا وضع العراق اليوم. لا يمكن استثناء أي مؤسسة من الفساد، شهادات مزورة وسنوات خدمة لا أساس لها من الصحة، وفضائيون لاتزال رواتبهم جارية الى جيوب المسؤولين، في حين تدعي الحكومة أن خزينتها فارغة، وتفرض تقشفها فرض عين على كل مواطن. كم من الشروط الصارمة تتحول في غمضة عين إلى تسهيلات للمسؤولين أو الأحزاب، لا شيء ثابت ولا نظام يمكن الرجوع إليه، كل شيء بثمنه او مقابل خدمة، ومن لا يملك أحدها فسيمضي عمره على أبواب الحكومة وحقه ضائع مباح.

بهذه الصورة القاتمة يصف الأستاذ “محمود القيسي” حال الواقع العراقي الأن تحت ظل الحكومات التي جاءت بقوة الاحتلال. مما جعل العراق بالمراتب المتأخرة في محاربة الفساد، اذ جاء البلد في المركز 129 ضمن قائمة من 180 دولة من الدول الأنظف في سلم الفساد (في تقرير لمنظمة الشفافية العالمية)، أو كما جاء (في تقرير مستقل أخر) باعتباره ثالث بلد (بعد الصومال وميانمار) من بين 180 بلداً في الفساد.

أسباب انتشار الفساد

ان انتشار ظاهرة الفساد لها أسباب عديدة، لا يمكن حصرها في هذا التقرير ولكن سنحاول تسليط الضوء على بعضها:

لقد تعامل ساسة حكومات ما بعد الاحتلال الجدد والذين استلموا مقاليد الحكم بمعونة الاحتلال، كطارئين على العملية السياسية، ولديهم شعور بالباطن، إنهم طارئون ومؤقتون في مناصبهم تلك، بسبب ارتباطهم بالمحتل الأمريكي، وبالتالي فانهم على يقين أنهم سوف يغادرون هذا البلد حين يغادر المحتل البلد، ذلك لرفض الجماهير العراقية لهم، فهم سيعودون لا محالة إلى حيث جاءوا، ليعيشوا مرة أخرى مرارة اللجوء المصحوب بذل التبعية للأجنبي. وبالتالي فإن اهم ما كانوا يفكرون به ويركزون عليه في بداية تسلمهم مقاليد الحكم بالعراق بعد الاحتلال، هو كيفية كسب أكبر قدر من الأموال، وفي ظرف زمني قصير، يستطيعون به تأمين احتياجاتهم المالية المستقبلية خارج العراق، فتراهم في سباق مع الاخرين، في نهب ما يستطيعون نهبه من المال العام، عبر استخدام شتى الحيل لتنفيذ خططهم تلك، من فساد مالي واداري متمثلة بالرشاوي والمحسوبيات والسرقة والاختلاسات والغش والابتزاز والاحتكار وغيرها من الطرق اللاشرعية لكسب الأموال، وبما أن الدولة لم تكن دولة حقيقية ممثلة لشعبها بل هي دمية بيد المحتل، فإن الباب كان واسعاً لمثل هذا العمل، وكان المحتل يشجع على مثل هذه الاعمال لكي يسهل عليه السيطرة على سياسيين فاسدين، وإلزامهم بتنفيذ مطالبه وشروطه، والمضي على حسب ما يهوى المحتل.

عندما انتهت تلك الفترة القلقة لساسة حكومات ما بعد الاحتلال ، واستتبت الأمور لصالحهم، أصبح الفساد له جذوره القوية وظهرت شبكات للفساد منتشرة بكل دوائر الدولة، وبدا أن الأمر قد مضى ومن الصعب جداً الرجوع للوراء، وتفكيك شبكات الفساد تلك، لأنه وبكل بساطة، تفكيك شبكات الفساد يعني تفكيك لمعظم كيانات الدولة ، لأنهم قد أصبحوا جزءا من تلك الشبكات الفاسدة، مما انعكس على واقع الفرد العراقي بشكل سيء للغاية، وبالرغم من الإيرادات الضخمة التي دخلت العراق خلال فترة حكمهم، في السنوات العشرة الأولى قبل انهيار أسعار النفط عالمياً، إلا أن الشعب العراقي بقي يعاني الفقر والحرمان، حاله كحال أية دولة فقيرة الموارد.

تعمد النظام السياسي الجديد والمُشكل من أغلبية طائفية استلمت الحكم، وهمَّشت باقي طوائف المجتمع العراقي، بمحاولته لجعل دوائر الدولة ومؤسساتها تصطبغ بلون طائفي واحد، من خلال التعيينات واعطاء المناصب المهمة والحساسة لأشخاص ينتمون إلى تلك الطائفة، أو لأشخاص ينتمون لأحزاب السلطة، بغض النظر عن الكفاءة المهنية المطلوبة لتسير أمور الدولة بشكل احترافي، فتجد أن الكثير من المسؤولين في حكومات ما بعد الاحتلال لا يمتلكون شهادات حقيقية، بالإضافة إلى ظهور حالات تزوير الشهادات على نطاق واسع، لغرض تعيين المقربين لأحزاب السلطة في تلك المناصب المهمة. أثَّر ذلك كله باستفحال ظاهرة الفساد في الدوائر الحكومية.

كان لرئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” دور كبير في إدارة عمليات الفساد في الدولة لصالح حزبه، ولصالحه شخصياً، حيث ذكر “أحمد الجلبي” وهو عضو برلمان سابق ان رئيس مجلس الوزراء السابق “نوري المالكي”، قد أنفق نحو 44 مليار دينار خارج إطار الموازنة العامة، وبشكل غير قانوني خلال السنوات الاربعة الاولى من حكمه. كما أكد بأن الميزانية السرية لرئيس الوزراء السابق ، تبلغ 7 مليارات دولار، وهذه لا تخضع لرقابة البرلمان أو وزارة المالية، وهي غير مدونة في الموازنة العامة للدولة، على حد قوله. تلك المبالغ تمثل نصف ميزانية الاردن أو سوريا.

في سؤال وجه لـ”موسى فرج”، رئيس هيئة النزاهة السابق، ما الأسباب الحقيقية وراء ازدهار الفساد بهذا الشكل المروع؟ فأجاب بشكل قاطع: إنها فوضى الحكم وفساد القدوة. وأوضح قائلاً: عندما وجدت أن حجم الموازنات المالية السنوية في العراق يفوق إجمالي أحجام موازنات خمس من دول الجوار هي: الأردن وسوريا ولبنان ومصر، في حين أن عدد سكان العراق لا يتجاوز ثلث عدد سكان مصر، لكن معدل الفقر في العراق يفوق معدلات الفقر في تلك الدول مجتمعة، غضبت لحال العراقيين، وتساءلت في نفسي، لماذا لا يثور العراقيون على ثقافتهم، ويختارون قادة صالحين نزيهين كفوئين خاضعين للمساءلة؟ بهذه الكلمات يصف “موسى فرج” رئيس النزاهة السابق، مدى تورط المسؤولين الحكوميين في الفساد الحالي في البلد، ويدعو الناس للثورة على الثقافة التي تجعلهم ينتخبون أشخاصاً فاسدين.

هل يمكن معالجة هذه الظاهرة في ظل بقاء الوضع السياسي على حاله؟

يمكننا أن نشبه الفساد بالحشائش الضارة التي تعيش بشكل طفيلي على أشجار بستان يموج بالاخضرار، فهي تعيش عالة على تلك الأشجار المثمرة وتنافسها في غذائها، فإذا ما أراد الفلاح إصلاح بستانه بقتل تلك الحشائش، باستعمال المبيدات، فإنها لا محالة ستؤثر تلك المبيدات على الأشجار فتموت معها، من ينجو من الاشجار، فستظهر اثار السم في ثمارها، فيخرج ثمراً فاسداً ساماً، يضر من يأكله، لكن الحل الصحيح هو باقتلاع تلك الحشائش الضارة من جذورها، لكيلا تنمو من جديد ولا تسبب الضرر لتلك الأشجار المثمرة، ونخلص البستان من شرها وخطرها.

ينطبق هذا الحال على الفساد المستشري في العراق، فان عمليات الإصلاح لأفة الفساد، لا تجدي نفعاً ولا تأتي بخير على المجتمع العراقي، وأن سموم الفساد، ستنتقل إلى كل أفراد الشعب، وتتهاوى كل القيم التي أمن بها على مر الأجيال ومنذ مئات السنيين، إنما الإصلاح لظاهرة الفساد يكمن باقتلاع المفسدين المتمثلين بالمنظومة السياسية الحالية في البلد، إن الواجب الذي يجب العمل به، هو الغاء هذه العملية السياسية القائمة على الفساد أصلا، والتي لا ينفع معها إصلاح، الواجب الأن هو العمل من قبل كل الخيرين والشرفاء من العراقيين، ومن يساعدهم من أصدقاء العراق، العمل على اقتلاع أُس الفساد الموجود حالياً في البلد، والمتمثل بالعملية السياسية الجارية الأن بالعراق، فهم مصدر كل فساد والحامي لكل العلميات الفاسدة في العراق.

ومن ذاق طعم الحرام وتعود عليه، من الصعب عليه أن يتعود على أكل الحلال او يستسيغ طعمه، هذا ما علمتنا إياه قراءة تاريخ الشعوب، وحفظتهُ لنا حِكَمُ الأوّلين.

تعليقات