الإثنين 23 أكتوبر 2017 | بغداد 31° C
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

دور الاحتلال الامريكي بتدهور التعليم واستهداف العلماء والأكاديميين في العراق

دور الاحتلال الامريكي بتدهور التعليم واستهداف العلماء والأكاديميين في العراق

 

مرَّ على العراق زمان، حصل فيه على خمسة جوائز تقديرية من قبل منظمة اليونسكو لقضائه على الأمية، حدث ذلك في عام 1979، وكان تتويجاً لحملة وطنية شاملة لمحو الأمية في العراق، شملت الاعمار بين 15-45 سنة، وأشارت بعض المصادر بأن نسبة الأمية في العراق، قد انخفضت ذلك الحين إلى 10%. لقد حقق العراق في ذلك الوقت، طفره نوعية بهذا المجال، بحصوله على جائزة عالمية أخرى من اليونسكو عام 1975، باعتبار نظامه التعليمي، أقوى وأفضل أنظمة التعليم في منطقة الشرق الأوسط، وصنفت الفترة ما قبل 1991، بالعصر الذهبي للتعليم ومحو الأمية حيث كانت نسب المسجلين في التعليم الابتدائي ما يقارب الـ 100%، وأصبح التعليم الزامي ومجاني.

لكن هذا الصرح العلمي كله أنحدر سريعاً مع سنوات الحصار الطويلة من 1990 إلى 2003، وجاء بعدها الاحتلال الامريكي سنة 2003، ليهوي مستوى التعليم إلى أخطر مستوياته، وبحسب دراسة الواقع التعليمي في العراق بعد الاحتلال الامريكي الفارسي الصفوي وتعاقب حكوماته العميلة الذي جاء فيها ، ما كشف عنه التقرير السنوي للمنتدى العالمي حول التنافسية الشاملة للاقتصاد 2006_2010 من وجود تراجع كبير في جودة النظام التعليمي لعدد من الدول وكان العراق من ضمنها، وعزز هذه الحقيقة، تقرير الامم المتحدة للعلم والتربية والثقافة الصادر مطلع عام 2011، من أن العراق اصبح ضمن البلدان الاكثر تخلفاً وبشكل تنازلي ومتدهور.

كان العراق قبل عام 2003 في طليعة الدول العربية من حيث جودة التعليم العالي وعـدد الكفـاءات، ومنذ الايام الاولى للاحتلال، صدرت قوائم بأسماء 15500 عالماً وباحثاً وأستاذاً جامعياً وسرحتهم من الخدمة بدعوى علاقتهم بحزب البعث.

وخلال السنوات الثلاث الأولى من الاحتلال قتل ما لا يقل عن 180 من العلماء والأكاديميين العراقيين. واضطر ما يقارب الـ3000 الهجرة مع أسرهم طلبا للنجاة.

أكثر من 50% من القتلى يحملون درجة أستاذ وأستاذ مساعد، واكثر من 62 % من العلماء المغتالين يحملون شهادات الدكتوراه.

ثلث الذين تم اغتيالهم اثناء فترة الغزو الامريكي للعراق، مختصون بالعلوم والطب، بما في ذلك اغتيال 350 عالم نووي، وأن أكثر من 50% من الاغتيالات وقعت في جامعة بغداد، تلتها البصرة، ثم الموصل، والجامعة المستنصرية.

ومن ابرز ما تعرضت له الجامعات العراقية من انتهاكات بعد الغزو الامريكي، هو إغلاق 152 قسما علميا في الجامعات إثر تلقيها تهديدات باختطاف أساتذتها أو اغتيالهم أو تصفية أحد أفراد أسرهم.

ابرز مشاكل قطاع التعليم بعد الاحتلال الامريكي

ويلخص الدكتور “عبد الحميد العاني” مسؤول قسم الثقافة والاعلام في هيئة علماء المسلمين لـ”وكالة يقين” ابرز المشاكل التي يعاني منها قطاع التعليم والعلماء والأكاديميين في العراق بعد الاحتلال الامريكي، بذكره في الافادات التالية جانبا مما يتعرض له العلماء وجميع الأكاديميين في العراق، ففقدان الأمن من أهم عوامل عدم الاستقرار للبلاد ويؤثر على جميع أبناء البلد، فكيف إذا كان الاستهداف للعلماء بشكل مباشر ومتعمد، فالعراق منذ أيام الاحتلال الأولى وحتى اليوم يشهد تراجعا في مستوى التعليم بسبب ذلك كله، وبسبب الإهمال المتعمد لقطاع التعليم ماليا ومعنويا.

الدكتور العاني حدثنا حول دور الاحتلال الأمريكي في تدهور العملية التعليمية في العراق بعد عام ٢٠٠٣، قائلا إنه حينما دخل الاحتلال الأمريكي للعراق كان لديه مشروعا متكاملا لتدمير البلاد وإخضاعها لسيطرته، فمشروع الاحتلال لم يكن مقتصرا على الصفحة العسكرية؛ بل تساندها صفحات اقتصادية وسياسية وثقافية، ولذلك فقد شهد العراق في ظل الاحتلال تدميرا في جميع المجالات بما فيها الجانب التعليمي، بغية تنشئة جيل غير قادر على مواجهة مخططات الاحتلال ولا التصدي لمشاريعه، فالشعوب الجاهلة تكون سهلة الانقياد وتنطلي عليها حيل المستعمر، ومن أهم مظاهر تعمد الاحتلال الأمريكي ومن معه لتدمير التعليم: تعمّد قصف المدارس، واستهداف المعلمين بالاعتقالات والقتل، حتى الطلاب لم يسلموا من الاعتقالات والقتل، وربما من أبرز تلك المظاهر: شمول قطاع التعليم بنظام المحاصصة الطائفية ضمن العملية السياسية التي فرضها الاحتلال على العراق، حتى بات قطاع التعليم خاضعا للبيع والشراء كبقية المناصب في العراق، وتولى إدارة العديد من مفاصله أناس لا علاقة لهم بالعلم والتعليم.

ويشير الدكتور العاني، الى أن إيران تسلمت العراقَ من أمريكا كمكافأة على تعاونها في تسهيل الاحتلال الأمريكي للعراق، ولم تكتف إيران بتطبيق سياسات أمريكا السابقة تجاه قطاع التعليم – من تدمير المدارس وقتل واعتقال المدرسين والطلاب ونحوها- ؛ بل ضاعفت من ذلك وزادت عليه تدخلها المباشر بتغيير المناهج التعليمية، وها هي اليوم تقوم بافتتاح العديد من المدارس الإيرانية في مختلف المحافظات العراقية لنشر ثقافتها بين أبناء العراق.

وحول هجرة العقول المفكرة من العراق بعد الاحتلال الامريكي، يشير الدكتور العاني، الى أن أغلب العقول العراقية والكفاءات التي غادرت العراق؛ خرجت مجبرة، فنستطيع القول أنها لم تهاجر طواعية؛ بل هُجّرت، فقد تعمد الاحتلال الأمريكي ومعه الميليشيات الإيرانية في استهداف هذه العقول بشكل مباشر أو التهديد غير المعلن، وذلك باغتيالات ممنهجة للعديد من الكفاءات العراقية في مختلف الاختصاصات، ثم الاعتقالات التعسفية، وكذلك الطرد من الوظائف بحجج واهية، أو الإقصاء والتهميش في أماكن عملهم، والهدف معروف وهو إفراغ العراق من أي عناصر قد تؤثر إيجابيا على العراق وشعبه، وبالتالي سيكون لهذه العقول تأثير سلبي على مشاريع الاحتلال، واستقرار الفاسدين بفضح سرقاتهم وفسادهم.

الاحتلال الأمريكي ودوره في تدهور العملية التعليمية

لعب الاحتلال الأمريكي ومن بعده النفوذ الإيراني، دوراً كبير الأثر في تدمير العملية التعليمية في العراق، وجربوا لتحقيق ذلك الغرض، وسائل عديدة ومتنوعة، واستطاعوا تحويل هذا البلد خلال سنين الاحتلال ومن قبلها سنين الحصار، من بلد يشار له بالبنان، بتطوره العلمي والتقني، وقبلة للدارسين والباحثين، إلى بلد يتصدر قوائم الدول المتخلفة تعليمياً، يعاني من ارتفاع معدلات الأمية، ويعاني من قلة الكفاءات والتخصصات العلمية والإنسانية.

يشير “جهاد أبو العيس” الكاتب والصحفي الفلسطيني في هذا الصدد، موضحاً جانباً من هذا الموضوع: أنه لا يختلف اثنان على مدى الكارثة التعليمية التي اصابت العراق، جراء مرحلة ما قبل وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، فقد أدت مرحلة الحصار التي فُرضت على العراق بعد حرب الكويت، الى تدهور كبير وخطير في مستوى الحالة التعليمية، ليصار الى جرفها بالكامل في مرحلة ما بعد سقوط النظام، وتسلّم الحكومات المحسوبة على إيران مقاليد الحكم والسيطرة.

وأضاف الكاتب “جهاد أبو العيس” فيما يخص التعليم الجامعي في العراق: لعل نظرة سريعة للحالة التعليمية وتحديدا الجامعية منها، لمرحلة ما قبل الغزو والحصار الأمريكي للعراق، يدرك الفارق الكبير الذي حل بالواقع الاكاديمي، فمن مئات البعثات الاكاديمية لاستكمال الدراسات العليا في دول الغرب المختلفة على حساب الدولة، الى استقبال مئات المبتعثين العرب للدراسة في الجامعات العراقية، ذات السمعة المتقدمة آنذاك، اختفت تلك الحالة بصورة شبه نهائية هذه الأيام، لتبرز الفروق بصورة بارزة بين تلك الحالة وواقع المستوى التعليمي في العراق اليوم.

وحمل الكاتب “جهاد أبو العيس” الاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني مسؤولية ما آل إليه حال التعليم بالعراق، حينما قال: مما لا شك فيه أن السياسية الامريكية تتحمل الجزء الأكبر لما آلت اليه أوضاع التعليم في العراق، ولعل استهداف فريق الأكاديميين العراقيين المتخصصين في الأبحاث المرتبطة بالسلاح التقليدي وغير التقليدي، أكبر شاهد على حجم الاستهداف الذي طال الحالة الاكاديمية العراقية ذات الخبرة في مجال تطوير الأسلحة. وتبقى لحالات الاغتيال والقتل والترصد المتلاحق للقامات الأكاديمية المعروفة بعد غزو البلاد، من قبل ميليشيا تابعة لإيران، فتحت لها السياسة الامريكية المجال الرحب، والتي لاحقت العشرات من القامات الاكاديمية وقامت بتصفيتها، الى جانب ما جرى من تغيرات جذرية على المناهج المدرسية والجامعية الخادمة للفكرة المذهبية. مما أطاح بجهد وخبرات الكوادر السابقة التراكمية، ورفع من نسب الأمية لمعدلات قياسية خطيرة، كلها شكلت انتكاسة صارخة للمستوى التعليمي بكافة مراحله.

حينما سيطر الاحتلال الأمريكي على البلد وجعل من نفسه متحكماً بكل شيء، حتى مقدراته العلمية والمادية، ركز على إيجاد فرامل لأي تقدم حضاري بالعراق، ورسم حدود ومستويات عليا، لا ينبغي للإنسان العراقي أن يتخطاها، وحاول أن يزيل الأسباب التي من الممكن أن تمكّن العراق من النهوض مرة أخرى، وذلك باستهداف علمائه، والاكاديميين في العملية التعليمية، حيث شهدت الأشهر الأولى من الاحتلال، حملة كبيرة لاستهداف وتصفية الكفاءات العلمية، إمّا بالاغتيال المباشر، أو الضغط عليهم للهجرة لبلدان الغرب، أو تنحية من تبقى منهم عن مؤسساتهم العلمية، بحجة واهية، ليستبدلوهم بأشخاص لا يملكون من الخبرة ما يمكنهم من قيادة العملية التربوية، مستندين على شهادات إمّا مزورة ، أو صادرة من الحوزات الشيعية في إيران.

كان للعصابات المحسوبة على الكيان الصهيوني، اليد الطولى في عمليات الاستهداف التي طالت الكفاءات العلمية والأكاديمية بالعراق في بداية الاحتلال، ذلك الكيان الذي كان يعتبر نفسه مستهدفاً بشكل مباشر من النهضة العلمية التي في العراق. كما وساهم الاحتلال الأمريكي، بقوة في تحطيم البنية التحتية للعملية التعليمية، من مباني ومؤسسات تعليمية جراء الحرب التي شنها على العراق، ناهيك عن أن كثير من تلك المؤسسات كانت بالأساس تحتاج إلى صيانة وإدامة لانتهاء عمرها الافتراضي. ولم يفي الاحتلال بوعوده التي قطعها على نفسه، بإعادة بناء المدارس أو المؤسسات التعليمية المدمرة، كما ولم يسمح للمنظمات الدولية القيام بعملها للمساهمة بعمل إعادة تأهيل تلك المؤسسات التعليمية العراقية إلا في حالات قليلة جداً. وفي هذا قال الدكتور “أنس التكريتي” رئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات في لندن: إنه تعارفت كافة القوى الاستعمارية على مدار التاريخ، القديم منه والمعاصر، أن من أنجح وسائل إخضاع المجتمعات وقهرها وسلب إرادتها، هو في قتل العقل والفكر والابتكار والإبداع لدى أبنائها، في عمل مشابه لمحو آثار ثقافة وحضارة وإنجازات المجتمعات، وكل ذلك يفعلونه لأجل إزالة كافة القدرات ومكامن الانتفاض والقيام من جديد. لا يستثنى من ذلك أي نوع من الاحتلال، أو هيمنة لأية دولة أجنبية، وأياً كان المجتمع الضحية.

دور النفوذ الإيراني في فساد العملية التعليمية في العراق

بعد تغلغل النفوذ الإيراني بالعراق، مع بداية الاحتلال الأمريكي للبلاد سنة 2003، مارس النفوذ الإيراني تأثيره الهدَّام في الشأن التعليمي في العراق، وكان هدفه من كل ذلك، هو جعل العراق بلداً تابعاً لإيران، لا يمتلك كفاءات علمية بالمجالات المختلفة، وغير قادر على الوقوف بوجهها مستقبلاً، وبالنهاية يحول دون نهضته مرة أخرى، لكي يشكل مصدر خطرٍ على إيران مستقبلاً. كل ذلك ناتج عن العقد المرضية التي تولَّدت عند القيادة الإيرانية بسبب حربهم ذات الثمان سنوات مع العراق، والتي خرجوا منها مهزومين يتجرعون كأس السم، ولم يستطيعوا تحقيق أهدافهم التي كانوا يرجونها من تلك الحرب. قامت إيران ومن خلال أتباعها الذين استلموا السلطة بالعراق بمساعدة المحتل الأمريكي، بإعادة تشكيل المناهج التعليمية، وإدخال المفاهيم الطائفية فيه، وتحريف مناهج التاريخ، وإلغاء كل ما يمت بصلة لتاريخ العراق الحديث والذي يشير إلى الحرب العراقية الإيرانية أو لقصص البطولات العربية الإسلامية التي يزخر بها تاريخنا. ليصنعوا من خلال تلك المناهج، جيلاً يرى بإيران مرجعيَّتهُ السياسية والدينية والثقافية، وجعلوا من شباب العراق، جنوداً لمعارك إيران بالمنطقة.

ويوضح الدكتور “أنس التكريتي” وهو الحاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة وستمنستر بلندن، تلك الحالة بقوله: ان الذي جرى بحق العراق بعد عام ٢٠٠٣، بعدما أصبح، بين مطرقة الاحتلال الأمريكي/البريطاني، وبين سندان الهيمنة الإيرانية، التي استغلت الفراغ الذي خلفه الاحتلال، أبشع استغلال، دفع العراق ثمنه، الآلاف بل ربما عشرات الآلاف من علمائه وعباقرته، ناهيك عن الأساتذة والمبدعين وأصحاب الفكر من كافة التخصصات العلمية والإنسانية، بين قتل وبأشكال وحشية بشعة تنم عن نزعة انتقامية غريبة، وبين من اضطر للهجرة والعيش كلاجئ في مختلف بلدان العالم”.

إسناد الأمر لغير أهله

كما ولعب النفوذ الإيراني في العراق لعبة قديمة قذرة، من خلال إسناد الأمر لغير أهله، فقد حاولت إيران، ومن خلال أدواتها التي سيطرت على مقاليد الحكم في العراق، بجعل العملية التعليمة بالعراق تدار من قبل أشخاص في غاية التخلف والجهل، يشهد على تخلفهم هذا، قراراتهم في تغير العملية التعليمية، وتعيين الأقارب والمحسوبين على أحزابهم، في وزارتي التعليم والتعليم العالي، بغض النظر عن كفاءتهم العلمية، أو بالاستناد على الشهادات المزورة من إيران، أو لصلاتهم بأحزاب السلطة الجديدة، لتهوي العملية التعليمية في العراق سريعاً، ويخرج العراق من أية تصنيفات للكفاءة العلمية في العالم. ففي الفترة التي كان فيها “علي الاديب” القيادي في حزب الدعوة، قدم العديد من الأساتذة ممن لا تاريخ أكاديمي معروف لهم، وشملهم بالتعيينات في الجامعات والكليات والمعاهد، وكانت الأفضلية لذوي قتلى حزب الدعوة أولا، ومن ثم لقتلى ما سمي بالانتفاضة الشعبانية.

وتحدث الدكتور “أنس التكريتي” موضحاً: لا ينبغي إغفال أحد أهم وسائل محو القدرات الفكرية والعلمية وإزالة الإبداع والابتكار والتجديد، ألا وهي تقديم الجهلة وعديمي الكفاءة ومن لا يملك أبسط القدرات، ووضعهم في مناصب ريادية صانعة للقرار وللسياسات ولمستقبل المجتمع بشكل عام، وجعلهم أساتذة ومعلمي وموجهي الجيل الجديد، وهذا ما يعاني منه العراق كبلدٍ ومجتمعٍ، بشكل يصعُب وصفه، وينذر بمستقبل كارثي بكل المقاييس.

لقد مارس أولئك التدريسيين الجدد الذين عيّنهم أتباع إيران، عمليات انحطاط فكري وثقافي للطلبة العراقيين، يشهد عليه ما يمارسه الطلبة المتخرجون من الكليات العراقية، من ابتذال وإهانة للنفس في حفلات التخرج من الجامعات العراقية، كدليل على الناتج الذي يقدمه أولئك التدريسيين، والتي يستهجنها كل إنسان لديه الحد الأدنى من الذوق الإنساني. لقد وصل الحال بالتعليم الجامعي، أن يُهان التدريسي الجامعي من قبل طلابه، إذا كان أحدهم من منتسبي أحزاب السلطة، أو الميليشيات التابعة لها، بل وأن النجاح أصبح مضموناً لكل من له علاقة بأزلام النظام الجديد.

هجرة العقول المفكرة من العراق

كل ذلك وغيره الكثير، دفع العقول المفكرة، والمحترمة لذاتها والتي ترفض أن تكون جزءاً من المهزلة التي تحدُث في المؤسسات التعليمة بالعراق، إلى الهجرة إلى خارج الوطن، طلباً للأمان وطلباً للتعامل الإنساني، الذي يليق بعقلياتهم، لنصل إلى حالة تشبه النزيف في تلك الكفاءات، وليعود البلد إلى عشرات السنيين إلى الوراء في هذا المجال المهم من كيان أي دولة. وفي هذا الصدد تحدث الدكتور “أنس التكريتي” عما ذكرته الصحافة الغربية عن هذا الموضوع: على مر السنوات الأربعة عشر الماضية ظلت كبرى الصحف العالمية وأهم الكتاب يحذرون من مغبة الظاهرة التي أسموها “النزيف الفكري” و”هجرة العقول” على قدرة العراق كبلد ومجتمع من النهوض في مرحلة ما في المستقبل، ومنها صحيفة الغارديان البريطانية عام ٢٠٠٦. بالإضافة إلى الورقة الأكاديمية التي نشرها “جوزيف ساسون” في دورية جامعة إمبيريال كولج بجامعة لندن عام ٢٠١٢. وغيرهم مما يكاد لا يعد من حول العالم.

العلاقة الطردية بين الجهل والعمل السياسي

ومما هو واضح للعيان، أن هناك علاقة طردية بين الجهل والانحدار بالعملية التعليمية، وبين فساد النظام السياسي، وانسداد الأفق بإيجاد حلول جذرية للمشاكل السياسية، والطائفية، والعرقية في البلد. فكلما زاد الجهل، أفرز سياسيون فاسدون، وكلما فسدت العملية السياسية، انعكس على واقع التعليم بالبلد، بالتدهور والانحدار. فالمفسد لا يستطيع أن يتحكم بأصحاب العقول أو بالشعوب المتعلمة التي تعرف مستقبلها والوجهة الصحيحة لتحقيق أحلامها بمستقبل أمن ومزدهر. وعلى هذا الأساس، فلا إمكانية لإصلاح التعليم بالعراق، قبل أن يتم إصلاح العملية السياسية المعوجة الموجودة الان فيه. وكلما طال الزمن الذي تتحكم فيه هذه الطبقة السياسية الحالية بمقدرات البلد، فلا نتوقع أن يتم إزالة أي شيء بواقع التعليم بالعراق، وسيستمر النزيف بالعملية التعليمية، وسيصل البلد إلى مراحل أدنى وأدنى في سلم التنافس التعليمي على مستوى العالم.

 

 

تعليقات