الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بغداد 33° C
الرئيسية » ازمة الكهرباء في العراق »

الغاز الطبيعي ومستقبل العراق الاقتصادي

الغاز الطبيعي ومستقبل العراق الاقتصادي

 

رغم المصاب الجلل وما حل به من دمار وما أحيك ضده من مؤامرات على مر العصور ، يبقى العراق غنيا بثرواته ومقدراته ، التي أسالت لعاب المحتل الأمريكي ، فجاء يلهث خلفها واحتل العراق بذرائع كاذبة خاطئة ، تلك الثروات التي شهدت هدرا كبيرا بعد احتلال البلاد في ظل سياسات الحكومات المتعاقبة الفاشلة.

الغاز الطبيعي الذي يعد أهم مصادر الطاقة البديلة للنفط ، هو أحد ثروات العراق التي لم تستغل الاستغلال الأمثل ولم يتم توظيفها بما يخدم اقتصاد العراق ، ويرجع ذلك إلى غياب الرؤية الاستثمارية وسوء التخطيط وعدم التنسيق بين الوزارات المعنية في حكومات الاحتلال المتعاقبة ، وانعدام وجود الاستثمارات وعدم توظيف عامل الوقت في المعادلات الاقتصادية لاستغلال الطاقة المهدرة في الاستخدام الأمثل للثروات.

أهمية ثروة الغاز الطبيعي في أي بلد تأتي من أنه الوقود الأنظف والأقل إصدارا للانبعاثات ، وهو مصدر مهم للطاقة الحرارية والميكانيكية والكهربائية في قطاعات النقل والصناعة والكهرباء والاسكان . فضلا عن كونه مادة أولية للصناعات البتروكيمياوية ولانتاج مبيدات الحشرات ومواد الانتاج الزراعي والمواد البروتينية ، كما أنه يسهم بنحو ربع الطاقة المستهلكة في العالم.

انتاج العراق من الغاز الطبيعي

انتاج الغاز الطبيعي في العراق على المستوى التجاري بدأ في عام 1927 عندما تدفق النفط من حقل “بابا كركر” في كركوك بمحافظة التأميم ، ومنذ ذلك الوقت والغاز العراقي المصاحب يحرق هدرا ، وتم اغلاق العديد من آبار الغاز في بعض الحقول ومنها : كورمور ، وجمجمال وخشم الاحمر ، بينما بدأ الاهتمام باستخدام الغاز الطبيعي على نحو محدود في اواخر الخمسينات ، غير ان الاهتمام الواسع باستغلال وتصنيع الغاز الطبيعي لم يبدأ في العراق الا في نهاية عقد السبعينات.

العراق وعلى الرغم مما يمتلك من ثروة هائلة من الغاز الطبيعي المصاحب لانتاج النفط الخام والغاز الحر من حيث الحجم الكبير من الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة ، الا ان انتاج الغاز الطبيعي المسوق لايتناسب مع الانتاج الاجمالي من الغاز الطبيعي ولا يتناسب مع ما يمتلكه العراق من احتياطيات كبيرة . فضلا عن التخلف المريع الذي تعاني منه صناعة الغاز في العراق وتدني قدرتها في تحويل الغاز الطبييعي الى منتجات غازية تعزز من القيمة المضافة لهذه الصناعة ومن قوة الدفع للصناعات والقطاعات الاخرى.

معدل إنتاج الغاز في العراق – وكله من الغاز المصاحب تقريباً – بلغ خلال فترة الخمس سنوات 2003 – 2007 حوالي 1,115 مقمق يومياً (11.4 مليار متر مكعب سنوياً) يحرق نحو 64٪ اي حوالي 700 مليون قدم مكعب يوميا ، وارتفع الى 16,577 مليار متر مكعب عام 2009، حيث ينتج الغاز الطبيعي من منطقتين رئيستين هما المنطقة الجنوبية والمنطقة الشمالية ، وقد شهد إنتاج الغاز الطبيعي تغيرات مماثلة لتغيرات انتاج النفط نظرا لان معظم الكميات المنتجة من الغاز الطبيعي هي من الغاز المصاحب للنفط.

معظم الغاز الطبيعي المنتج غير مستخدم بسبب عدم توفر المنشآت لمعالجته ، وفي بداية عقد الثمانينات تم بناء وتشغيل مجمعي غاز الجنوب وغاز الشمال ، ما ادى الى ارتفاع نسبة استثمار انتاج الغاز الطبيعي من 11.4% عام 1980 الى 88.7% عام 1998 ، وفي ذات الوقت ارتفع انتاج الغاز الطبيعي المسوق من 1.3 مليار متر مكعب /سنة الى 5.5 مليار متر مكعب بين عامي 1980 و 1998 ، غير ان عام 2002 شهد تراجع انتاج الغاز الطبيعي المسوق الى 2.36 مليار متر مكعب ثم استمر بتراجعه الى 1 مليار متر مكعب عام 2004 ، وقد تراجعت نسبة استثمار الغاز الطبيعي الى ادنى مستوى لها نتيجة لتوقف معامل معاجة الغاز متأثرة بالاحداث التي رافقت احتلال العراق عام 2003.

احتياطي العراق من الغاز الطبيعي

يبلغ احتياطي العراق المؤكد من الغاز الطبيعي 3170 مليار متر مكعب عام 2009 وهو لم يتغير منذ عام 2000 ، محتلا بذلك المرتبة الخامسة عربيا وبنسبة مئوية قدرها 6% من الاحتياطي العربي و 3.4% من احتياطي الاوبك و 1.7% من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي في العام ذاته، ويشمل الاحتياطي العراقي من الغاز الطبيعي نحو 630 مليار متر مكعب من الغاز الحر ، و 300 مليار متر مكعب من غاز ( القبعات ) وهو غاز يغطي طبقة النفط في بعض الحقول النفطية ، و 2240 مليار متر مكعب من الغاز المصاحب ، أي أن الغاز المصاحب للنفط يستحوذ على نحو 70% من الاحتياطي العراقي و 20% من الغاز الحر و10% من غاز القبعة.

الغاز الطبيعي والاقتصاد العراقي

الغاز الطبيعي لاشك أنه يرتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد العراقي ومستقبله ، حيث أن الهدر الذي تشهده هذه الثروة كان واحدا من أسباب تراجع الاقتصاد العراقي ، كما أن وقف ذلك الهدر والنهوض بتلك الثروة سينقل اقتصاد البلاد نقلة نوعية نحو الأفضل.

الهدر في ثروة الغاز الطبيعي في العراق بلغ أكثر من ملياري دولار سنوياً بسبب حرق 1.3 مليار قدم مكعب يومياً ، إذا ما احتسبت قيمة الغاز الجاف ، وأن القيمة الفعلية للخسائر المالية الناجمة عن هذا الحرق قد تصل إلى عشرة مليارات دولار سنوياً أو أكثر إذا ما احتسبت القيمة المضافة التي تأتي من تصنيع المواد الأولية باستخدام الغاز والسوائل المصاحبة كقيم للصناعات ورفد التعاملات التجارية.

تسويق الغاز الطبيعي المنتج في العراق يبلغ حوالي 1.1 مليار متر مكعب / سنة في عام 2009 وهو مايعادل 0.04% من اجمالي الغاز الطبيعي المسوق في الوطن العربي ، وهذا يعني ان الغاز المسوق لا يشكل سوى 7% من اصل اجمالي انتاج العراق من الغاز الطبيعي الذي يصل الى 16.577 مليار عام 2009.

المشاكل التي تواجه قطاع الغاز الطبيعي في العراق

تحديات عديدة تواجه قطاع الغاز الطبيعي في العراق في صناعته وتطويره ، منها عدم وجود البنى التحتية لإعادة تصنيع الغاز وكبسه ومن ثم ضخه بالأنابيب نتيجة للحروب والعمليات العسكرية ، والتي دمرت صناعة الغاز في العراق ، هذا بالإضافة إلى أن العقوبات الدولية على العراق ما زالت ذات تأثير كبير على توفر التكنولوجيا المتقدمة في مجال تطوير صناعة الغاز في العراق، كما أن جولات التراخيص النفطية الثلاث وحتى جولة الغاز الثالثة التي عقدتها وزارة النفط لتطوير إنتاج العراق من النفط والغاز، كانت في إطار عقود الإسناد الفني (الخدمة) وليس الاستثمار المباشر (عقود المشاركة بالإنتاج).

من يعيق تطوير قطاع الغاز في العراق ؟

التراجع والهدر اللذان يشهدهما قطاع الغاز الطبيعي في العراق ، كانا بسبب فشل وزارة النفط في حكومات الاحتلال المتعاقبة في تطوير سياسات الاستثمار وتغيير نماذج العقود عبر طرح عقد معياري جديد يختلف عن عقد الاستثمار في قطاع النفط ، ودعوة الشركات الكبيرة والمتوسطة للاستثمار في تطوير إنتاج الغاز من أجل تطوير مفاصل الاقتصاد العراقي، وخصوصاً الصناعات التحويلية وحل أزمة الكهرباء.

فشل وزارة النفط لم يكن وحده المعوق لتطوير قطاع الغاز الطبيعي وإنما كانت هناك أسباب أخرى أبرزها ، كثرة التدخلات والتقاطعات الإدارية والخلافات بين بغداد وأربيل ، إضافة إلى عدم إقرار قانون النفط والغاز الذي يؤسس لعلاقة جيدة بين الحكومات المحلية والحكومة الاتحادية ، وبين الشركات الاستثمارية الأجنبية والشركات المحلية.

انتاج الغاز الطبيعي في العراق يواجه مشكلات جمة أهمها انخفاض معدلات الغاز المغذي الى شركتي غاز الشمال وغاز الجنوب، فالطاقة المخططة للإنتاج في شركة غاز الجنوب مثلا تبلغ 450   مليون قدم مكعب قياسي يوميا، في حين الكمية المغذية المستلمة فعلاً 292 مليون قدم مكعب قياسي يوميا كمعدل ، وبذلك يكون العجز في التغذية المخططة نحو 158 مليون قدم مكعب قياسي يوميا كمعدل ، مما يؤثر في كمية الغاز السائل المنتج يومياً من 2500 طن يوميا، إلى 956 طناً يوميا، أي بعجز مقداره (1544) طناً يوميا.

عجز يتسبب بأزمة حادة في كمية الغاز السائل المعد للاستهلاك اليومي , هذا في الوقت الذي يتم فيه حرق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المصاحب للنفط ، كما أن انقطاع التيار الكهربائي المستمر عن الشركات وعدم توفر مولدات كهربائية كافية لتشغيل المصنع معوق آخر لانتاج الغاز الطبيعي، مما يقلل من كمية الانتاج المقررة ، هذا بالإضافة إلى كثرة العطلات الميكانيكية والكهربائية وعدم توفر المواد الاحتياطية بالمستوى المطلوب، مما ينعكس على تردي عمليات الصيانة الدورية والسنوية بسبب تقادم الأجهزة والمعدات إذ أنتهى العمر الإنتاجي لها، مما يستلزم تحديث الأجهزة والمعدات وتجهيز الشركة بتقنيات متطورة.

اضطراب الوضع الأمني والذي يؤثر سلباً في استقرار العاملين واستمرار وجودهم في أثناء العمل ، مشكلة أخرى تواجه انتاج الغاز الطبيعي ، فضلا عن عدم إصلاح أضرار بعض المعدات المهمة أو تأهيل منظومات جديدة بسبب عزوف الشركات الأجنبية عن العمل في العراق.

أهم المشاكل التي تواجه انتاج الغاز الطبيعي أيضا ، هي تدخل جهات خارجية لا تعمل في وزارة النفط , في عمل الشركتين مما يعيق عملية الإنتاج والتنظيم الإداري ، كما أنه نادراً ما يحصل العاملون في الشركتين على دورات تطويرية أو تأهيلية للعاملين فيها خارج البلد, إذ إن الدورات التأهيلية والتطويرية المقامة في العراق تكاد تكون معدومة , على الرغم من الحاجة الفعلية لتلك الدورات لرفع كفاءة أداء العاملين وزيادة خبراتهم الفنية والإدارية.

السياسات الفاشلة التي تنتهجها حكومات ما بعد الاحتلال لا تنم أبدا عن إحداث تطوير في أي مجال ، فالأهم من اقتصاد البلاد وأوضاع الشعب العراقي الكادح المعيشية ، عند ساسة هذه الحكومات هي المناصب والكراسي والتشبث بها ، وانشغالهم بالصراعات والخلافات فيما بينهم ، غير آبهين بما وصلت إليه أوضاع العراق.

يقين نت

م.ع

تعليقات