الأربعاء 16 أغسطس 2017 | بغداد 37° C
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

من المسؤول عن الوضع الذي آل إليه العراق بعد الاحتلال الامريكي؟

من المسؤول عن الوضع الذي آل إليه العراق بعد الاحتلال الامريكي؟

 

يمر العراق بوضع متردي لم يشهد مثيل له في تاريخه الحديث، وعلى كل الأصعِدة، وبدأ من سنة 2003، تاريخ احتلاله من قبل الولايات المتحدة والدول الأخرى المتحالفة معها، وما أكثر ما كُتب في رصد هذا التردي وأنواعه، وفي كل مرة يتم تحميل هذا التردي على الاحتلال وأذنابه، كونهم الذين فتحوا الباب على مصراعيه ليدخل هذا البلد في التيه والانحطاط والتردي، ولكن السؤال هنا، هل يتحمل الاحتلال لوحده مسؤولية هذا التردي؟ أم تشترك معه أطراف أخرى؟

ما قبل الاحتلال

شهد العراق في السبعينات ومع تأميم شركات النفط، شهد نهضة اقتصادية كبيرة، مردها العوائد الكبيرة التي يدرها النفط على هذا البلد، واستثمرت الحكومة في حينها تلك الأموال لتحسين الحالة المعيشية للمواطنين، وأنشأت بعض المشاريع العملاقة في مجالات البنية التحتية والمجالات العلمية، والتي انعكست إيجابياً على حالة البلد العمرانية والحضارية، وبالرغم من أن تلك المشاريع لم تُستثمر بالشكل المثالي، إلا إنها كانت ضمن الدرجة المقبول بها قياساً بالدول المجاورة للعراق.

نجح العراق بنهاية الحرب ضد ايران، بعدم السماح لإيران أن تستولي على العراق، وهذا بحد ذاته انجاز كبير، ولكن ثمنه كان باهظا، لان البلد خرج منها، منهكاً اقتصادياً ويحتاج لسنين طويلة لاستعادة عافيته. ثم بدأت المشاكل السياسية مع الكويت التي كانت صديقة الامس لتتحول إلى عدو اليوم -آنذاك-، من خلال اتباعها سياسة اقتصادية ظالمة مع العراق، ومطالبتها بديونها المستحقة عليه، ناهيك عن مشاكل استغلال حقول النفط التي كانت مشتركة على الحدود بين البلدين. كل هذا جعل من صدام حسين الاقدام بقوته العسكرية، ويتخذ قرار اجتياح الكويت وضمَّها للعراق.

بعد تلك المغامرة العسكرية سنة 1990، وما تبعها من تكبيل للبلد، بالتوقيع على اتفاقيات ظالمة تجبر البلد على عدم الانتفاع بموارده الاقتصادية، وفرض حصار ظالم ولمدة ثلاثة عشر سنة، جعلت البلد يرجع للوراء عشرات السنيين، وينعزل عن التطور لعقود طويلة. ثم تم الاجهاز على ما تبقى في هذا البلد، بالاجتياح الأمريكي له سنة 2003، ليتم احتلاله رسمياً من قبل الولايات المتحدة.

الخبير العسكري والامني “حاتم كريم الفلاحي” يشير في حديث لـ”وكالة يقين” الى ان اطماع ايران كانت ولا زالت في العراق والمنطقة ماثلة في اذهان القادة الايرانيين بل وزادت بعد حرب الثماني سنوات لذا فلم تدخر جهدا في التآمر على العراق وأهله من خلال زعزعة الامن الداخلي من خلال دعم جماعات مسلحة سواء كانت في شمال العراق أو في جنوبه أو دعمها لأحزاب دينية سياسية على حساب المكونات الاخرى والتي شاركت بعض قياداتها في الحرب العراقية الايرانية مع الجانب الايراني الذي تعامل مع الكيان الصهيوني للحصول على الاسلحة في حربه ضد العراق في القضية الشهيرة المعروفة ( بإيران كونترا ) حين قام الكيان الصهيوني بتزويد ايران بالأسلحة بالتعاون مع المخابرات الأمريكية فكلام ايران عن الصهاينة وامريكا والعداوة الكاذبة يكذبها واقع التعامل مع الكيان الصهيوني وامريكا فبعد حرب الكويت عام 1991دفعت ايران بمجاميع مسلحة مدعومة بالسلاح والمال في جنوب العراق لزعزعة الامن الداخلي بالاتفاق مع أمريكا التي تخلت عنهم بعد ذلك ثم شاركت ايران في الحصار الاقتصادي للبلد ورفضت إعادة الطائرات العراقية التي تم أرسالها الى ايران قبل عام 1991بضمانة بعض الدول.

وبحسب “الفلاحي” فإنه وبعد عام 2003 خرج العراق من معادلة موازين القوى العربية بالمنطقة حيث كان العراق من أشد أعداء ايران والكيان الصهيوني ومن المحددات لتوسعها بالمنطقة حيث وفرت أمريكا فرصة كبيرة وثمينة لإيران من خلال استغلالها للأحزاب الشيعية التي كانت تتواجد على أراضيها أضافة الى أجنحتها المسلحة لفرض واقع جديد يصب في مصلحة إيران المستقبلية بالمنطقة حيث قال محمد على أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية سنويًا بإمارة أبو ظبي مساء الثلاثاء 15/1/2004 إن بلاده قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق ومؤكدًا أنه لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة وهذا يعطي دلالة واضحة على عمق التعاون الايراني الامريكي في احتلال العراق حيث دفعت ايران فيلق بدر التابع  للمجلس الاعلى بزعامة الحكيم للسيطرة على مدن في وسط وجنوب العراق من خلال السيطرة على مخازن السلاح والعتاد والمفاصل الحيوية للدولة والتي لعب فيها الحرس الثوري الايراني دور محوري في توجيه وتنظيم وتدريب هذه المجاميع بما يتلاءم والمصالح الايرانية المستقبلية في المنطقة. 

اشكال التدخل الايراني في العراق

ويوضح “الفلاحي” اشكال التدخل الايراني في العراق، في نقاط مهمة، جاء فيها:

١- توظيف البعد الطائفي والمذهبي : من خلال استغلال الاحزاب الشيعية ومحاولة دعمها سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا لخدمة مشروعها الاقليمي أي عملت على وجود أدوات لها من أحزاب سياسية وميليشيات مسلحة في العراق ساعدت على إنشائها وتنظيمها وتدريبها وتسليحها والطرف القادر على حل مشاكلها الداخلية وتوحيد مواقفها السياسية والتي كانت على حساب وحدة العراق وشعبه وقد استغلت ايران الانقسام المذهبي لتأجيج الصراع الطائفي من خلال تفجيرات سامراء لتقديم نفسها كحامية للمذهب الشيعي والمدافع عن مصالحها كما أنها عملت على ترسيخ المرجعيات الايرانية في النجف وقم وتحجيم المرجعيات العربية لضمان دعمها للمشروع الايراني بالمنطقة.

٢- دعم العملية السياسية التي جاء بها المحتل الامريكي :  لقد سعت ايران منذ البداية الى تمكين القوى الشيعية لأنها كانت تدرك أن هذه التجربة السياسية تصب في مصلحة الاحزاب التي أوجدتها بالعراق قبل وبعد الاحتلال لتسيطر على مفاصل الدولة والحكم بالعراق من خلال تشكيل تحالف قوي والحد من الخلافات السياسية الداخلية للسيطرة على قرارات مجلس النواب والحكومة وتوظيفها بما يخدم تأثيرها على الاحداث والتطورات السياسية على اعتبار أن الشيعة الاغلبية وقد لعبت ايران دور كبير في حل الصراعات السياسية والمسلحة وكان للسفارة الايرانية دور كبير في توجيه الاحداث الداخلية وكان للدعم المالي الاثر الكبير في تغيير كثير من موازين القوى وكذلك في التأثير الفكري والعقائدي كي لا تحدث مواجهات داخلية تؤدي الى فقدان المكتسبات التي حققتها ايران بالعراق.

٣- التغلغل الاقتصادي: لقد استطاعت ايران أن توظف البعد الاقتصادي لتدخلها في العراق للسيطرة والهيمنة على الاسواق العراقية بمختلف الطرق خصوصا وأنها يفرض عليها حصار بسبب ملفها النووي فقد استفادت مع التعامل مع العراق من خلال الحكومات الشيعية المتعاقبة للتخفيف من حدة العقوبات المفروضة عليها من خلال تفعيل التعاون في القطاعات النفطية والصناعية والسياحية والتجارية بإغراق الاسواق العراقية بمنتجات وسلع ايرانية حتى وصلت الاستثمارات الايرانية الى ما يقارب 12 مليار دولار .

٤- التدخل العسكري والامني: وهو الدور البارز في العراق الان حيث قامت  ايران بتشكيل أكثر من 70 ميليشيا مسلحة تدين أغلبها بالولاء الى الولي الفقيه في ايران بحيث عندما سئل أحدهم اذا ما حصلت حرب بين العراق وايران فمع من ستقاتل؟ فأجاب مع ايران! علما أنه تم دمج كثير من الميليشيات التي تم تشكيها في ايران ضمن نواة الجيش والاجهزة الامنية وبهذا وضعت يدها على أهم مفصل من مفاصل الدولة ثم جاءت فتوى المرجع الشيعي في النجف حول الجهاد الكفائي والتي استخدمت كغطاء لتشكيل ميليشيات الحشد الشعبي فيما بعد على غرار الحرس الثوري الايراني والذي سلح ودرب وجهز من ايران حيث أخذ التدخل والتواجد الايراني اشكال متعددة منها تسليحي واخر استشاري وتدريبي وبحجة أن هؤلاء المستشارين الايرانيين يتواجدون بطلب من الحكومة إضافة الى التواجد الاستخباري والمخابراتي كما قامت بدفع مجاميع قتالية بحجة حماية المراقد المقدسة ومواكب الزائرين كما قامت بالسيطرة على كثير من المخافر الحدودية وحقول النفط على اعتبارها ابار مشتركة مع صمت حكومي مطبق.

٥- تحريك الصراع الداخلي:  إن ما يحصل من صراع داخلي هو نتيجة تحريك إيران لأنصارها بالداخل لإيجاد حالة من التوتر بما ينسجم ومصالحها   القومية والاستراتيجية لان إيران تسعى لإرباك الوضع في العراق لتحقيق أهدافها  بجعل العراق  بلدا ضعيفا غير قادر على حماية نفسه بحيث يبقى بحاجة دائمة الى الاخرين للتدخل في شؤونه الداخلية خاصة وان احمدي نجاد في سنة 2007 أعلن بأن ايران مستعدة لملء الفراغ الذي سيخلفه انسحاب الامريكيين من العراق لان ايران ترى في العراق هدفا مهما ومجالا طبيعيا لطموحها وتمددها في المنطقة واستخدامه كورقة للتفاوض والمساومة مع المجتمع الدولي وهذا ما حصل فعلا في المفاوضات النووية (5+1) بعد أن كان العراق صمام أمان البوابة الشرقية للأمن القومي العربي وميزان مهم في موازين القوى بالمنطقة.

٦- التقاء المصالح الايرانية والامريكية: تلاقت المصالح الأمريكية والإيرانية مرة أخرى بعد سيطرة (تنظيم الدولة) على مناطق أهل السنة عام 2014 نتيجة ضعف الحكومة الطائفية وعدم قدرتها على الدفاع عن هذه المناطق بسبب السياسة الطائفية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة ضد هذه المناطق ارادت واشنطن أن تستخدم النفوذ والادوات الايرانية في العراق لمواجهة خطر (تنظيم الدولة) خصوصا وأن واشنطن لم تكن راغبة بمواجهة مباشرة مع (التنظيم) وإنما يقتصر دورها على التسليح والتدريب والاستشارة وتقديم الدعم اللوجستي والقصف الجوي وهذا جعل  الدور الإيراني في العراق غير مسبوق حيث شمل تمويل ودعم المليشيات وإرسال المستشارين حيث كشفت لجنة الأمن والدفاع في البرلمان عن امتلاكها وثائق تثبت وجود ثلاثين ألف مقاتل إيراني في العراق على الأقل وقد تم رصده دبابات وصواريخ إيرانية متجهة إلى معركة اقتحام تكريت واثبتت الوقائع الميدانية قتل قيادات في الحرس الثوري الإيراني على جبهات القتال مثل “حميد تقوي” و”صادق ياري” وكذلك ظهور “قاسم سليماني” على بعض الجبهات، يؤكد حجم التواجد الإيراني في العراق والذي أثار حفيظة المكونات الاخرى.

ويلفت “الفلاحي” الى أن المتغيرات الداخلية والخارجية التي طرأت على موازين القوى في العراق والمنطقة بعد عام 2003 وبعد حزيران عام 2014 والدور الامريكي السلبي في العراق والمنطقة والذي أطلق يد  ايران لتلعب دور تخريبي كبير جدا يمتد من العراق الى سوريا ولبنان واليمن بعد أن سلمت أمريكا العراق الى ايران على طبق من ذهب بعد أن أحتلت البلد وحلت الجيش والاجهزة الامنية ثم جاءت بأدوات ايران وجعلتهم على سدة الحكم ودعمتهم ثم انسحبت أمريكا من العراق بفعل ضربات المقاومة العراقية بمختلف فصائلها فعملت ايران على عزل العراق عن محيطه العربي والاقليمي من خلال الحكومات الشيعية الطائفية المتعاقبة حتى أصبح العراق قاعدة للتمدد الايراني بالمنطقة كما عملت أيران على تشكيل حرس ثوري باسم الحشد الشعبي على غرار تجربة الحرس الثوري الايراني تستخدمهم ايران كجيش للدفاع عنها خلال الفترة المقبلة كما استفادت ايران اقتصاديا من خلال اغراق الاسواق العراقية بالبضائع الايرانية حتى وصل الامر الى دخول قوات من الشرطة الايرانية الى مناطق الكوت والبصرة لذا تعتبر فترة ما بعد (تنظيم الدولة) حاسمة في تحديد التمدد الايراني خصوصا مع توجه وسياسة الادارة الامريكية الحالية الموجهة ضد التواجد الايراني في المنطقة وهذا يأخذ وقتا طويلا ويعتمد على الوضع الداخلي ومصالح الدول الكبرى في المنطقة.

الاحتلال الأمريكي ومسؤوليته عن حالة تردي الاوضاع

عندما جاء عهد جديد في العراق، تم رسمه من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، وبمشاركة من سياسيين عراقيين جاءوا من وراء الحدود، ذاقوا وتلذذوا بطعم الذلة للأجنبي، وتم تطويعهم على تنفيذ إرادته. وحاول الحاكم المدني الأمريكي “بول برايمر” أن يعيد بناء دولة عراقية جديدة، بعد أن ألغى أهم مؤسساتها، وجعل البلد عبارة عن طوائف وقوميات يجب أن يكون لهم تمثيلاً بالدولة العراقية، وحسب حصصهم العددية، دون الالتفات للكفاءات، ودون العمل على إلغاء الفوارق الطائفية والقومية والطبقية، التي يفترض أن تلغيها أي دولة تريد أن تمضي بطريق التطور والرقي الحضاري، ليزرع بذلك قنبلة مؤقتة قابلة للانفجار بأي وقت.

أدت تلك الخطوات إلى اندلاع نار حرب طائفية، مرافقة لحرب المحتل من قبل المقاومة العراقية، فأحرقت بنارها كل شيء، ولتحطم أخر ما تبقى من بنية تحتية للبلد. 

سلكت الأحزاب التي سيطرت على البلد بمعونة الاحتلال، طريق الفساد المالي والإداري طريقاً لتحقيق غاياتها، وتصرفوا كالذي لديه يقين بأن مكانه الذي هو فيه لن يدوم له، ولا مستقر له به، فليس من المعقول أن يكون للمفسدين والعملاء مقام بهذا البلد في نهاية المطاف، وتفننوا في النهب والسلب من خيراته، ووصل الأمر إلى التطاول على ممتلكات المواطنين الشخصية، ثم تحولوا إلى ابتزازهم، من خلال الخطف والمساومة على أرواحهم، وجعلوا المناصب الحكومة تشترى وتباع، ووصل سعر النائب بالبرلمان إلى مليون دولار، والادنى فالأدنى، وغيرها من الأساليب اللاإنسانية التي مارستها السلطة وميلشياتها.

وفي هذا أوضح الباحث والإعلامي العراقي “محمد صادق امين” قائلاً:  ان الاوضاع المتردية للمجتمعات لا يمكن أن تأتي مصادفةً، ولا من ممارسات فرد واحد بعينه، بل هي نتاج منظومة متكاملة، سياسية واجتماعية وثقافية، تتضافر مع بعضها لتشكل فشلاً كبيراً. مثل المصنع الذي ترتبك فيه مراحل الإنتاج، ليخرج في النهاية منتج فاسد، لا يمكن تحميل مدير المعمل المسؤولية لوحده، ولا العمال، بل كل المنظومة التي تدير هذا المصنع تتحمل المسؤولية.”

وتابع الباحث “امين” “في العراق، هناك اجماع عند الجميع، ان مرحلة ما بعد عام 2003، أنتج دولة فاشلة تابعة لدول الاقليم، لا تملك قرارها، وإذا عدنا لتحليل أسباب ذلك الفشل ، (وما زال الكلام للباحث محمد صادق أمين)، سنجد ان العراق لم يكن دولة ناجحة في زمن حكم البعث سابقاً، بل كان دولة فاشلة لكنها مستقرة، ونتيجة اختلال المصالح الدولية مع النظام، كان هذا الغزو الغبي، المشابه لغباء الرئيس بوش الذي قاده، ذلك لأنه لم يدخل العراق وهو يحمل فهما ووعيا بالواقع ومعادلات المنطقة، ولم يكن معه خطة واضحة المعالم. فكانت النتيجة السير وراء الايحاءات الإيرانية، والتي حققت سيطرتها على الدولة العراقية، وكانت أول البوادر التي اسست لدولة فاشلة تابعة لإيران، هي تفكيك الدولة العراقية، بمؤسساتها المختلفة، بينما كان الأولى، هو الحفاظ على هذه المؤسسات، وإصلاحها من خلال هيكلها القائم. لقد أدى تفكيك الدولة العراقية، إلى حلول المافيا بدل المؤسسة الاقتصادية، والمليشيا بدل الجيش، ومخابرات الاقليم بدل المؤسسات الامنية، وهكذا سطَّر الاحتلال الخطوط العريضة للدولة الفاشلة التي تنتج اليوم هذا الفساد وهذه التبعية التي تحكم العراق.

وهو بهذا يحمل الباحث والإعلامي “محمد صادق أمين” قوات الاحتلال الأثر الأكبر، في تردي الحالة في العراق، من دون اغفال المؤثرات الأخرى التي ساهمت بالتردي في العراق.

إيران ومسؤوليتها عن حالة التردي في العراق

لم تكن إيران غائبة عن المشهد العراقي طيلة الفترة التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق، وساهمت بجهد كبير لزيادة حالة التردي التي يعيشها العراق، ولعدة أسباب، أهمها هو الانتقام لحربها التي خسرتها مع العراق طيلة الثمان سنوات، فعمدت على التخلص من معظم الضباط العراقيون الذين شاركوا في تلك الحرب، ثمَّ التخلص من منافس قوي لها في المنطقة لتستفرد بها لوحدها، وتكون شرطي الخليج كما كانت في زمن الشاه، وتحويل هذا البلد إلى تابع ذليل لها، مادام باقياً يعيش حالة التردي التي هو فيها الأن.

لقد عَمِلت إيران للوصول بالعراق لهذه الحالة المتردية، من خلال دعم الفساد والمفسدين فيه، وحمايتهم والإصرار على تولِيهم أرفع المناصب بالدولة الحالية، كما وحاولت أن تُفسد النشأ الجديد، من خلال تسهيل دخول المخدرات وترويجها بأوساط الشباب، وقامت بكل شيء من شأنه يُفقر العراق، من خلال ضرب البنية التحتية للدولة العراقية، بإطلاق ميليشياتها لتعيث بالأرض فساداً، وإفشال المشاريع التنموية من خلال المشاريع الوهمية، للوصول إلى حالة لا يجد الشاب في العراق، سوى الانخراط بالمليشيات التي تدعمها إيران، لكي يوفر قوت يومه ومستلزمات عائلته، وهي من خلال ذلك، تُسَّهل تجنيدهم، لتجعلهم وقوداً لنيران حروبها في العراق والبلدان الأخرى.

وبهذا الصدد تحدث الباحث والمحلل السياسي اللبناني “ديب الساحلي” قائلاً: منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى هذه اللحظة، لا يمكننا الحديث عن التطورات السياسية والأمنية العراقية، من دون التطرق للدور الإيراني بهذا البلد العربي، والتأثير السلبي لهذا الدور بكافة أشكاله ووسائله. موضحاً ان طهران جعلت من العراق، منصّة انطلاق استراتيجي لباقي دول الإقليم، سواء باتجاه سوريا ولبنان والأردن، ناهيك عن جعل العراق قاعدة خلفية للهيمنة على دول الخليج.

وأشار “الساحلي” المطلع على السياسة الإيرانية في المنطقة، إلى ان إيران جعلت من السوق العراقية، سوق استهلاكية لتصريف البضائع الايرانية، لا سوق انتاجية، واغرقتها بالبضائع والسلع الرخيصة، بهدف الهيمنة على الأسواق. فإيران بحسب المحلل السياسي اللبناني، عطلت عجلة الاقتصاد الانتاجي ، وقامت بتخريب البنى الاقتصادية، لتزويدها بما يلبي حاجتها من الأسواق الايرانية.

الشعب العراقي في دوامة حالة التردي

هل الشعب معفيُّ من المسؤولية لحالة العراق المتردية الحالية؟ ان ذكر الاسباب السابقة، لا يعفي مسؤولية الشعب من تكريس حالة التردي التي يعيشها طيلة السنوات الماضية. ذلك لان الشعوب الحية لا تستكين لحالة التردي، وتحاول كلما سنحت الفرصة لها للانتفاض على الأوضاع الفاسدة، ولكن الذي رأيناه ومع الأسف ان الشعب ساهم بشكل أو بأخر، بتكريس الفساد، من خلال انتخاب نفس الشخصيات التي كانت السبب بهذا التردي. ينتخبونهم بالرغم من علمِهم بفسادهم، بسبب ان الذهنية لشريحة واسعة من الشعب، قد تجمدت على مفاهيم طائفية أو قومية، تجعلهم ينتخبون السياسيون حتى لو كانوا فاسدين، انتصاراً لطائفتهم أو قوميتهم.

وربَّ قائل يقول، إن الانتخابات تزوَّر، وهي غير معبرة عن إرادة الشعب. وحتى لو سلمنا بهذا جدلاً، فإن هذا مدعاةٌ لكي تنتفض الشعوب ضد هذا التزوير لإرادتها، وتحاول أن تسترجع حقها بقيادة نفسها ودولتها، ولنا في التاريخ عبرة، عن شعوبٍ انتفضت من اجل حريتها وانتصرت، صحيح إنها دفعت تضحيات كبيرة، ولكنها بالتأكيد ليست بقدر التضحيات التي تدفعها يومياً من دمائها وكرامتها ومستقبل أجيالها.

حالة التردي في العراق إلى اين؟

وفي الخاتمة ومن خلال ما عرضناه، ومن خلال تصريحات الباحثين والإعلاميين، يبدو لنا ان حالة التردي التي يمر بها العراق، الجميع مشترك فيه، وبنسب متفاوتة، ولكن تبقى حالة الوعي الجماهيري لدى الشعب، هي الفيصل في كل ذلك، فلو أدرك الشعب حقيقة مصالحة، وتوحّد على كلمة واحدة لتحرير بلده، من تبعيته للاحتلال بكل أنواعه، وضرب على يد الفاسد والطائفي والقومي بقبضة من حديد، لما وصل العراق إلى هذا الحال، ولكانت العاقبة الحسنى من نصيبهم، ذلك ما تعلمناه من التاريخ قديماً وحديثاً.

تعليقات