الخميس 17 أغسطس 2017 | بغداد 45° C
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

"حزام بغداد"… بين القتل الطائفي والتهجير الديمغرافي

“حزام بغداد”… بين القتل الطائفي والتهجير الديمغرافي

 

القتل والخطف والاعتقال والتهجير والتنكيل، كل هذه الجرائم وأكثر ارتكبتها ولاتزال حكومات ما بعد احتلال العراق عام 2003 وميليشياتها الطائفية ، بحق أهالي مناطق حزام بغداد ، تلك المناطق ذات الأغلبية السنية ، والتي تحاول هذه الحكومات وميليشياتها تغيير تركيبتها السكانية لغايات خبيثة لم تعد خافية على أحد ، والذريعة معروفة وهي محاربة (الإرهاب).

فمنذ احتلال العراق ومناطق حزام بغداد مسرحا لجرائم القوات المشتركة والميليشيات الطائفية المدعومة من إيران ، بهدف إحداث تغيير ديمغرافي في هذه المناطق بتخطيط من إيران وبمباركة أذنابها في العملية السياسية.

بداية العمليات العسكرية على الطارمية

العمليات العسكرية التي ُشنت مؤخرا على قضاء الطارمية شمالي بغداد ، كانت حلقة جديدة من مسلسل الاستهداف الطائفي لمناطق حزام بغداد ، حيث انطلقت هذه العمليات في التاسع من الشهر الجاري ، فأغلقت القوات المشتركة صباح ذلك اليوم مداخل ومخارج القضاء وكذلك أغلقت سيطرة الجسر وشرعت بتنفيذ حملة اعتقالات وتفتيش واسعة في مناطق الهورة والخان ، فيما قصف الطيران الحربي منطقتي الهورة والزور تمهيدًا لاقتحامها برًا ، وانتشرت قوات الجيش على ضفاف نهر دجلة من جهة مدينة الراشدية وذلك في عملية ترهيب لأهالي الطارمية.

حصار خانق فرضته القوات المشتركة على قضاء الطارمية بعد إغلاق كافة المداخل الرئيسـة والفرعية للمدينة ، وفرضـها حظرًا شاملاً على التجوال ، هذا فضلا عن قيام تلك القوات بعمليات حرق وتجريف للبساتين وبحيرات الأسماك بحجة وجود مخازن للسلاح فيها أو مضافات تابعة لـ(تنظيم الدولة) الأمر الذي جعل أهالي الطارمية يضيقون ذرعا من هذه الانتهاكات.

ممارسات طائفية ضد اهالي الطارمية

الاستهداف الطائفي والعرقي الذي يشهده قضاء الطارمية من قبل القوات المشتركة والميليشيات الطائفية ، لا يمكن تفسيره إلا بأن هذه القوات والميليشيات تنفذ أجندات طائفية وانتقامية ضد كل المعارضين لسياساتها ، لاسيما وأن الهدف من العمليات العسكرية هناك ليس من أجل تطهير الطارمية من (تنظيم الدولة) ؛ بل لإبادة أهالي الطارمية ، وإحداث تغيرات ديموغرافية تمهيدًا لتقسيم العراق من جهة ، ومن أجل أغراض انتخابية من جهة أخرى ، خاصة وأن الانتخابات قادمة على الأبواب والميليشيات تعمل بكل جهدها للوصول إلى المناصب بعد أن سيطرت على الواقع الأمني في العراق تنفيذًا لأجندة إيران الرامية إلى السيطرة على العراق ، وأيضًا من أجل ان تستمر العملية السياسية باعتبارها نوعًا من أنواع الديمقراطية التي صدرتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى العراق.

معاناة أهالي الطارمية المستمرة

قضاء الطارمية ومنذ فترة طويلة يعاني من سياسات الحكومة الطائفية الظالمة ومن مختلف الانتهاكات والجرائم ومنها التفجيرات وحوادث الاختطاف والقتل وتصفية الرموز العشائرية والوجهاء والمثقفين ورجال دين والشباب والنساء والأطفال، فضلاً عن المداهمات والاعتقالات والتعذيب والتضييق والتطويق ومصادرة الأراضي والعقارات والأملاك؛ وكلها على أساس طائفي، كما يتم اختطاف الشباب من قبل الميليشيات واستعمالهم كرهائن وأسرى من أجل تهديد أهلهم ومساومتهم في حال تكلموا وكشفوا عن هذه الجرائم بقتل وتصفية أبنائهم، وآخر تلك المشاهد تمثلت بقيام المليشيات باختطاف العشرات من أهالي الطارمية في شهر يناير من العام الجاري ، هذا وعانت الطارمية من عمليات الإغلاق في كل مرة تكون هناك زيارات إلى محافظتي النجف أو كربلاء بذريعة تأمين تلك الزيارات.

أهالي الطارمية سبق وأن انتفضوا ضد سياسات الحكومة

موقف أهالي قضاء الطارمية الرافض لسياسات حكومات ما بعد الاحتلال ، كان سببا رئيسا أيضا لشن هذه العمليات على القضاء ، حيث كانت الطارمية من أبرز المدن التي انتفضت ضد سياسات الظلم والفساد والتهميش والإقصاء لحكومة رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” عام 2013 ، فتبدو هذه العمليات العسكرية المصحوبة بجرائم وحشية عقابا جماعيا لتلك المدينة على موقفها.

عمليات الطارمية جاءت بإيعاز من العامري

انطلاق العمليات العسكرية على قضاء الطارمية جاء بعد تصريح زعيم مليشيا بدر إحدى فصائل ميليشيا الحشد الشعبي “هادي العامري” في شهر فبراير الماضي ، بضرورة إطلاق عمليات استباقية من أجل تطهير مناطق حزام بغداد ؛ مما يدل على صدور أوامر مسبقة من قادة الميليشيات من أجل القيام بهذه العمليات الإجرامية بحق مدنيين أبرياء ، وهو ما يكشف أيضا تحكم الميليشيات الطائفية في القرار.

عمليات الاعتقالات العشوائية والابتزاز من قبل القوات المشتركة وميليشياتها الطائفية في الطارمية ، لم تتوقف عن الشباب المدنيين فحسب ، وإنما طالت شيوخ العشائر ، حيث تعرض عدد من شيوخ عشائر الطارمية للاعتقال والابتزاز خلال العمليات العسكرية التي شنت على القضاء مؤخرا.

اعتراف حكومي بالتهجير الطائفي من الطارمية

عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان “محمد الكربولي” اعترف بأن العمليات العسكرية في قضاء الطارمية هدفها تنفيذ عمليات مشبوهة وأجندات خارجية ، وأقر الكربولي بأن هنالك تخوف لدى أبناء المنطقة من تكرار المداهمات التي نفذتها عمليات بغداد من قوات عسكرية مجهولة الهوية قبل فترة واعتقلت فيها 43 مدنيا تم إطلاق سراح عدد منهم ومازال مصير 11 شخصا مجهولا حتى اللحظة.

الكربولي اعترف أيضا بأن إطالة مدة العمليات لأسبوع أو أكثر سيتسبب بأعباء كبيرة على أبناء المنطقة ولا نعتقد أنها ستصل الى أهداف حقيقية ، مقرا بأن العمليات الاستخبارية يجب أن تكون سريعة ومركزة ولا تتجاوز مدتها الـ 24 ساعة كي لا تؤثر على عمل الطلبة والموظفين ، بينما تجاوزت العمليات في قضاء الطارمية العشرة أيام.

مناطق حزام بغداد كانت مسرحا للجرائم

الاستهداف الطائفي والتطهير العرقي والجرائم التي تمارسها القوات المشتركة وميليشياتها الطائفية في قضاء الطارمية ليست بجديدة ، فقد مارست هذه القوات والميليشيات جرائم مماثلة في العديد من مناطق حزام بغداد ، حيث تعرض قضاء أبو غريب وناحية اليوسفية وصدر اليوسفية التابعتين لقضاء المحمودية ، واللطيفية وعقرقوف والتاجي والمشاهدة وخان بني سعد وجسر ديالى جنوب وغرب وشمال وشرق بغداد ، لعمليات تغيير ديمغرافي على أسس طائفية.

الاعتقال ثم القتل أو حرق المنازل والمزارع والاعتداء على النساء والأطفال وتلفيق التهم ، كلها جرائم ارتكبتها القوات المشتركة وميليشياتها في مناطق حزام بغداد ، اضطر الأهالي بسببها إلى ترك منازلهم ومزارعهم ، والفرار خارج العراق أو إلى كردستان ، خوفا من بطش الميليشيات الطائفية التي تنفذ اعدامات ميدانية على الهوية.

عمليات التهجير الطائفي الواسعة التي شهدتها مناطق حزام بغداد على أسس طائفية ، بذريعة الحرب على الإرهاب ، متورط بها ضباط كبار وزعماء مليشيات ، كما أن إفراغ مناطق حزام بغداد من أهلها دفع وزارة الدفاع إلى تقليص الجهد الاستخباراتي في بعض المناطق ، وذلك ليس لأنها باتت آمنة بل لأن الكثافة السكانية فيها انخفضت لأقل من 50 بالمائة عما كانت عليه في السابق.

الرعب يدفع سكان حزام بغداد إلى الفرار

ظاهرة الجثث المغدورة الملقاة في شوارع مناطق حزام بغداد ، والتي تعود لمدنيين ، انتشرت بشكل كبير في ظل التواجد الكبير للميليشيات المنفلتة ، حيث كان في ذلك بالإضافة إلى الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في تلك المناطق ، رعب كافٍ لفرار السكان ، وتنفيذ الحكومة لنواياها الخبيثة.

مناطق جنوبي بغداد وشمالي بابل تعرضت أيضا لتهجير طائفي

ناحيتي جرف الصخر والإسكندرية الواقعتين جنوب بغداد وشمال محافظة بابل والمتاخمتين لمناطق حزام بغداد ، تعرضتا كذلك لجرائم الاستهداف الطائفي والتطهير العرقي من قبل القوات المشتركة والميليشيات الطائفية ، كما تعرضت مناطق عدة في محافظة ديالى للجرائم نفسها.

جرائم أثارت مخاوف المنظمات الحقوقية والإنسانية على مصير من تبقى من سكان في مناطق حزام بغداد ، لاسيما وأن سياسة القتل على الهوية والخطف والاعتقالات العشوائية بهدف التهجير الطائفي من قبل القوات المشتركة وميليشياتها الطائفية مستمرة في العديد من مناطق حزام بغداد.

منع القوات الحكومية وميليشياتها لسكان بعض مناطق حزام بغداد من العودة إلى مناطقهم رغم انقضاء سنتين على انتهاء العمليات العسكرية بتلك المناطق لاسيما مناطق شمال بابل ، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ، ممارسة تلك القوات والميليشيات عمليات تغيير ديمغرافي في هذه المناطق.

عمليات التهجير الطائفي والتطهير العرقي التي تتعرض لها مناطق حزام بغداد ترقى لجرائم حرب ، والهدف الرئيس منها إبادة أهل هذه المناطق وتغيير تركيبتها السكانية لصالح المشروع الإيراني التوسعي في العراق ، كما تبدو هذه الانتهاكات عقابا جماعيا على مواقف هذه المناطق الرافضة للظلم والفساد والفشل الحكومي.

يقين نت

م.ع

تعليقات