الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 | بغداد 30° C
الرئيسية » ازمة تفتت المجتمع العراقي »

كيف دمر الاحتلال الامريكي فئات وطبقات المجتمع العراقي؟

كيف دمر الاحتلال الامريكي فئات وطبقات المجتمع العراقي؟

 

من عادة كل احتلال عسكري لبلد ما، أن يقوم جاهداً لتغيير النسيج الاجتماعي للبلد الذي يحتله، يهدف من ذلك توفير الأسباب اللازمة لإطالة احتلاله، وجعله أقل تكلفه، وهذا ما قام به بالضبط الاحتلال الأمريكي من أول أيام تواجده بالعراق، وما أستكمله الاحتلال الإيراني فيما بعد. وقاما الاحتلالان بتمزيق التوافق القومي بالبلد، من خلال سلخ الأكراد عن عراقيَّتهم، وتعزيز الروح القومية العنصرية بين أفرادهم، وإنعاش الآمال والاحلام بوطن قومي خاص بهم، ثم استداروا ليمزقوا العرب إلى سنَّة وشيعة، وليدخلوهم في حروب طائفية لم تنتهي لحد الان، وإيصالهم لمرحلة لا يطيق بها أحدهما أن يعيش مع الاخر. مروراً بتهجير المسيحين والايزديين والشبك. ليصلوا بالبلد إلى أن يكون عدواً لنفسه، لا يعرف المواطن فيه، من هو الصديق ومن هو العدو، في حالة غريبة من التفكك الاجتماعي والقيمي وفقدانٍ لروح المواطنة، لتحل محلها قيم القومية والطائفية والعشائرية والفئوية وإلى ما لا نهاية من التصنيفات التي لم تمر على هذا البلد سابقاً في تاريخه الحديث.

مرحلة التمزق

لم تكن نية الاحتلال بزرع الفرقة داخل المجتمع العراقي، هي وليدة أفكار ما بعد الاحتلال، إنما بدأ الأمريكان بزرع بذور هذه الفتنة قبل الاحتلال بسنوات عديدة، وذلك من خلال سعيه لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، يقضي بفرض حظر للطيران على مناطق شمال العراق وجنوبه، بحجة حماية الأكراد والشيعة من اضطهاد النظام العراقي السابق. الأمر الذي أضطر النظام السابق لسحب قواته من مناطق شمال العراق، وتضعف سيطرته على المناطق الجنوبية. ولتتحول المناطق الشمالية من العراق، إلى وكر لكل المنظمات الاستخباراتية المعادية، وتجد الأحزاب العملية للغرب، ملاذاً أمناً لها في كردستان، وتصبح كردستان أيضاً موطأ قدم للنفوذ الإيراني، وحدث في الجنوب أمر مشابه ولكن بدرجة أقل مما حدث في كردستان، فبعدما فقدت الحكومة قبضتها القوية على جنوب العراق، نشطت الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران في جنوب العراق، وشنت عمليات عسكرية وتخريبية انطلاقا من الأراضي الإيرانية عبر الاهوار ضد الجيش العراقي السابق.

لقد كان الهدف الأكبر لشن غزواً على العراق، ليس كسر شوكة العراق عسكرياً فقط، لان هذا الأمر أصبح سهلاً بعد سنوات طويلة من الحصار، بل كان الهدف هو تدمير الإنسان العراقي نفسه، من خلال تحطيم كل قيم وأخلاق وتقاليد الإنسان العراقي، والتي كانت ركنا أساسيا من أركان قوته.

كيف دمر الاحتلال الامريكي فئات وطبقات المجتمع العراقي؟

الدكتور “ايمن العاني” المتحدث باسم قسم حقوق الانسان في هيئة علماء المسلمين في العراق، حدثنا حول كيف دمر الاحتلال الامريكي فئات وطبقات المجتمع العراقي، قائلا: لا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة الأمريكية دأبت على تدمير فئات وطبقات المجتمع العراقي قبل الاحتلال، فمنذ الحصار الظالم الذي فرضته على العراق في التسعينات من القرن الماضي والذي أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد بشكل غير مسبوق وما رافق ذلك من تضاؤل في الناتج المحلي الإجمالي وانخفاض معدل دخل الفرد واعتماد نحو 65 % من السكان على نظام الإعانات الغذائية، فضلا عن تضاعف نسبة الوفيات بين الفئات الضعيفة في المجتمع ولا سيما الأطفال؛ ما أدى إلى تغير شامل في كل مفاصل الحياة ومنها تلك التي بدأت بالظهور في المجتمع العراقي كالرشوة واختلاس المال العام ومدى تأثيرها على نفسية المواطن العراقي وعلى فئات وطبقات المجتمع.

وبحسب “العاني” فإن الغزو (الأمريكي – البريطاني) جاء للعراق ليستكمل مراحل تدمير البنى التحتية وينهب ثروات البلاد ويستبيح سمائه وأراضيه ومياهه، فاستهدف أولا الرأي العام المتعلم والمثقف وعمل على تغييبه بشتى السبل، وكرّس الجهل الذي أدى إلى الإجرام والفساد، والفوضى والاستبداد، الذي يكتوي العراقيون بنيرانها اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ وما نتج عن ذلك من نسف لمقتضيات الأمن المجتمعي واستهداف للإنسان العراقي وإفساد للمنظومة الاجتماعية؛ الأمور التي أضافت تحديات حقيقية تسببت في تدمير الفرد والمجتمع.

وحول ابرز محطات مرحلة التمزق في المجتمع العراقي، يوضح “العاني” بإن أبرز تلك المحطات هي: الحصار الذي فرض على البلاد والذي استمر عقدا من الزمان، ويلي ذلك الاحتلال (الأمريكي – البريطاني) للعراق والمحاصصة الطائفية والعرقية التي فرضها على المجتمع والتي دقت إسفين الفرقة بين أبناء البلد الواحد، وضياع هيبة الدولة وغياب سلطان القانون إبان الاحتلال وما رافقه من إقصاء لمكون كبير من مكونات الشعب العراقي، وإساءة كبيرة للقيم المجتمعية واستشراء غير مسبوق للفساد المالي والإداري في جميع الدوائر الحكومية، وظهور المليشيات بمختلف مسمياتها التي ترفع الرايات الطائفية والشعارات الانتقامية والتي استمرأت القتل على الهوية وأججت الفتن الطائفية بالتسبب، وما أعقب ذلك من هيمنة إيرانية عملت على ديمومة الفوضى في البلاد وإذكاء النزاعات المسلحة، وإهمال مطالب المهمشين في ساحات الاعتصام وتغييب ثقافة الحوار وعدم تلبية الحكومة لتلك المطالب وفض الاعتصامات بقوة السلاح وقتل المتظاهرين وهدر حقوقهم، ومرحلة ظهور ما بات يعرف بـ(تنظيم الدولة) وما رافقه من تعطيل للحياة وتوقف للاقتصاد وتضييق على الأهالي ومصادرة قراراتهم، وما تبعه من اعتماد الحكومة في بغداد للخيار العسكري كحل وحيد للأزمة العراقية، والاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات المشتركة وحلفائها الذي كبّد العراقيين المدنيين خسائر جمة في الأرواح والممتلكات، والذي أجبر الملايين على ترك مدنهم وممتلكاتهم، وفقدان الأسر لإجمالي دخلها أو جزء كبير منه نتيجة ذلك، وغياب المعيل جراء القتل والاحتجاز اللذين يستهدفان الرجال والشبان في الغالب؛ فأصبح النازحون فريسة الحرمان والعوز والجوع والقهر، والتنكر الحكومي لقضيتهم وعدم إيجاد حلول ناجعة لمشكلاتهم.

ويشير “العاني” الى انه ومن أهم الأساليب والآليات التي استخدمها الاحتلال في تمايز المجتمع العراقي إلى قوميات بعد العام 2003، هي المحاصصة الطائفية والعرقية -كما أسلفت- التي أسست التمايز القومي بين مكونات الشعب الواحد، وكذلك الفدرالية التي فرضت وفق الدستور الجديد الذي أشرف على كتابته المحتل والذي جرى تمريره رغما عن إرادة الشعب، التي تؤسس لتقسيم البلاد وإضعافها، والتي فتحت الباب واسعا لتدخلات خارجية سلبية كرست الانقسامات الداخلية ومزقت النسيج الاجتماعي على نحو أصبح يهدد وجود العراق ووحدة أراضيه.

وحول نتيجة تمزيق الاحتلال الامريكي للمجتمع على أساس ديني وطائفي، يوضح “العاني” أنه ومما لا شك فيه أن الطائفية هي أم الفتن، لأن المجتمعات التي تصاب بداء الطائفية تكون ساحات غير محصّنة امام التفكك والانقسام والحرب الأهلية، وفي العراق ما بعد الغزو؛ أصاب المجتمع ما أصابه من انهيار للقيم وغياب للقانون وتنكر للعرف؛ ما أفرز تحديات كبرى فسحت المجال لمؤامرات خارجية تهدف إلى تمزيق اللحمة الوطنية وما تتسبب به من تداعيات خطيرة على المجتمع المدني، وهذا هو الناتج الخطير لتفشي الخلافات والانقسامات الاجتماعية على أساس ديني وطائفي.

ويشير “العاني” الى إن للاحتلال الأمريكي البغيض الدور الرئيس في الانهيار القيمي بالمجتمع العراقي، سواءٌ بمرحلة الحصار الظالم وآثاره أو في السنين الأولى للاحتلال أو بمرحلة تسليم البلاد على طبق من ذهب لجارة السوء إيران، وما تبع ذلك من معاول هدم ظهرت على الساحة وطالت جميع نواحي الحياة، ومنها المنظومة الأخلاقية للمجتمع العراقي، وأدت إلى نشر ثقافة الإفلات من العقاب وتكريس الجريمة ونسف مفاهيم السلم الأهلي والتعايش التي هي من أهم مفاهيم العمران البشري التي تُقرّ بها جميع الحضارات.

ويرى “العاني” ان غياب التضامن الإنساني مع الشعب العراقي المظلوم طوال السنين الأربع عشرة الماضية – مع الأسف الشديد – ادى إلى حالة الضياع وفقدان الأمل بمستقبل واعد، التي يعيشها العراقيون اليوم جراء الاحتلال وتداعياته، فضلا عن الفساد المستشري في البلاد وإسناد الأمر لغير أهله من السياسيين الذين فرضهم الاحتلال لحكم البلاد، والذين يعيشون على حالة التأزيم وليس الاستقرار، وغياب الأكفاء على جميع الصعد؛ الأمر الذي يؤثر سلبا على الفرد والمجتمع بشكل مؤكد، والخطير في الموضوع هو انعدام بصيص ضوء في نهاية النفق المظلم – كما يقولون – فلا حلول جذرية للأزمة العراقية ولا إرادة دولية جادة تتبنى قضية العراق بشكل إيجابي لإخراجه من المأزق الذي يعيش فيه، وبالمحصلة فإن المراقب للشأن العراقي سيقول إن المجتمع العراقي ذاهب إلى المجهول؛ ولكنني أقول ما تزال هناك فرصة وأمل قوى عراقية معروفة وتكتلات وطنية مناهضة للاحتلال ورافضة لما أفرزه من محاصصة طائفية بغيضة وعملية سياسية مشوهة ودستور بائس، وفي نفس الوقت تمتلك هذه القوى العراقية الأصيلة رؤية شاملة لحل جذري للأزمة العراقية يوفر السبل الكفيلة لإخراج البلد من محنته، والعودة بالعراق إلى وضعه الطبيعي في المنطقة والعالم.

تمايز المجتمع العراقي الى قوميات

من أولى المحاولات التي قام بها الاحتلال لشق صف المجتمع العراقي، هو تصنيفه إلى قوميات مختلفة، وزرع ذلك بالدستور الجديد الذي كُتب بإشراف أمريكي، وتضمين فقرة إقامة الأقاليم والحق بتشكيلها على أساس عرقي أو قومي أو طائفي، بل وإعطاء الحق بانفصال تلك الأقاليم أذا شاءت ذلك، عبر تنظيم استفتاء لساكني ذلك الإقليم.

وفي هذا الصدد أوضح الباحث في التاريخ الأستاذ “حسين أبو ايمن”: ان الاحتلال الأمريكي اعتمد على المكون الكردي من خلال أحزابه، في تمزيق الدولة العراقية والمجتمع العراقي، حيث كان دستور الدولة العراقية يعتبر العراق هو دولة موحدة، لكن الدستور الجديد جعل العراق دولة فدرالية، والفرق بين النظامين، هو أن في الدولة الفدرالية يحق لأي ولاية أو إقليم في العراق الانفصال، بينما بالدولة الموحدة عندما يريد أي إقليم أو محافظة الانفصال، يُعتبر ذلك كحركة تمرد ضد الدولة ويتم التعامل معها على هذا الأساس. وقد ساهمت الأحزاب الكردية وبدفع أمريكي على الإصرار لتضمين موضوع فدرالية الدولة في الدستور الجديد. وفتح باب الانفصال مستقبلاً.

أثر هذا التقسيم القومي للعراقيين بشدة على الأقليات القومية الأخرى الموجودة في العراق، مثل التركمان، الذين ضاعت حقوقهم بين القوميتين الكبيرتين العربية والكردية، وكل منهما يريد التوسع على حساب الأراضي التي يتواجد فيها التركمان تاريخياً. كما وفتح باب الصراع بين الكرد والعرب على الأراضي في المناطقة المتلاصقة بينهما، والتي عرفت فيما بعد بالمناطق المتنازع عليها.

تمزيق المجتمع على أساس ديني وطائفي

لم يكتف الاحتلال الأمريكي والإيراني بهذا القدر، إنما تعدى ذلك الأمر إلى تمزيق المجتمع دينياً، فقد تضررت الأقليات الدينية في العراق من الاحتلال، ضرراً بالغاً من خلال تسليط المنظمات الإرهابية والميليشيات الطائفية عليها، تهجيراً وقتلاً وسبياً، هذا ما حصل للمسيحيين في بغداد والموصل، وحصل للأزيديين في سنجار ومناطق مختلفة من الموصل، وحصل أيضاً للشبك في الموصل، ولم ينجوا من ذلك حتى الصابئة في مناطق مختلفة من العراق، قامت به المليشيات الشيعية الطائفية في مناطق تواجدها في بغداد والموصل ومناطق أخرى.

قام الاحتلال أيضاً بمحاولات تمزيق المجتمع على أساس طائفي، من خلال زرع الفتنة بين العرب ليتمايزوا إلى سنَّة وشيعة، ومن خلال وسائل عديدة، ساهم فيها الاحتلال الإيراني مساهمات كبيرة لتأجيج نارها، وقد أجاد الإيرانيون لعب هذه اللعبة بشكل كبير ، ففي الوقت الذي يساهم الإيرانيون بدعم التفجيرات في المناطق الشيعية باسم منظمات إرهابية سنيَّة، يقوم بدفع ميلشياته إلى ارتكاب الجرائم بحق السنَّة انتقاماً لتلك التفجيرات، كما وقام الاحتلال الأمريكي بتمكين المكون الشيعي من كل مؤسسات الدولة التي أنشأها وأعطى لهم الأفضلية بكل المؤسسات الأمنية والمدنية ،لتتم السيطرة لهم على حساب المكونات الأخرى وبالأخص المكون السني.

وأضاف الباحث الأستاذ “حسين أبو أيمن” موضحاً: لقد تغلبت الطائفية في ظل الاحتلال، بالرغم من أن الحديث بالطائفية أبان النظام السابق كان من المحرمات، ولم تكن الطائفية ثقافة عامة بالمجتمع العراقي، بدليل التصاهر الذي كان موجوداً بين المذهبين السني والشيعي. والتداخل العشائري بينهما.

وتحدث الكاتب الصحفي الكردي “شاهو قرداغي” عن هذا الموضوع قائلاً: بالرغم من التأثير الكبير للاحتلال الأمريكي على المجتمع العراقي في الشهور الأولى للغزو ، إلا أن المجتمع العراقي بقي محافظا على كيانه ومتماسكا من الناحية الاجتماعية، لكن الاحتلال الأمريكي عمل جاهداً على تفكيك المجتمع العراقي على أساس طائفي وعرقي وقومي، والعمل على إشاعة سلوكيات خاطئة لم يتعود عليها المواطن العراقي سابقا، ومنها قضية الانتماء المذهبي والديني والقومي، والتي كانت من الأمور التي يستحي المواطن العراقي ان يشير إليها ويعتبرها من الأمور التي تمس الوطنية وتهدف إلى إحداث التفرقة بين أبناء الشعب العراقي الواحد. ولكن بعد سنوات من الاحتلال الأمريكي، أصبح المواطن العراقي يجهر بمذهبه وقوميته ويُفضل الهوية الطائفية أو القومية على حساب الهوية الوطنية.

وأشار الكاتب “شاهو قرداغي” إلى بعض الاحصائيات، قائلاً: في إحصاء أجرته الشركة المستقلة للبحوث يظهر أنه في عام 2003م عندما كان يوجه سؤال إلى اي مواطن عراقي عن ديانته كان يجيب، (أنني مسلم) وبنسبة 75%، بينما النسبة 25% هي لمن يظهر نوع ديانته أو مذهبه، بينما بعد عام 2013 اجاب 75% من المستطلعة آرائهم، بأنهم من السنة أو الشيعة، في حين لم يجاوب سوى 25% بأنهم مسلمون بدون الإشارة لمذهبهم، وهذا يظهر التغيير الكبير في المجتمع العراقي الذي أحدثه الاحتلال، ونجاحه في مشروع تفكيك المجتمع بالأدوات الداخلية وبسبب السياسات الخاطئة لحكومات ما بعد الاحتلال.

محاولات تدمير الطبقة الوسطى بالمجتمع العراقي

جرت محاولات أخرى للاحتلال لتقسيم المجتمع العراقي ولكن هذه المرة من خلال الدفع لظهور طبقة من الأثرياء التابعة له، برزت من خلال ما يعرف بالحواسم (وهم الذين أثروا من عمليات النهب للبنوك ومؤسسات الدولة بعد الاحتلال) وكذلك خلق طبقة أثرياء أخرى من خلال علميات التعاقد مع الدولة الوليدة التي يشوبها الكثير من الفساد الإداري والمالي. إلا أن هذه الطبقة لم تكن طبقة أصيلة بالمجتمع، وكثيراً ما تشعر بالانعزالية عنه، بسبب نظرة الاحتقار التي ينظر بها المجتمع العراقي لهم. بل إن كثير منهم يرى نفسه انه طارئ على المجتمع، وينتظر الوقت المناسب لكي يهاجر من البلد، بعد أن يكون قد جمع مبالغ مالية ضخمة من عمليات الفساد التي مارسها.

وفي هذا الصدد أكد الباحث “حسين أبو أيمن”: أنه من الأمور التي تميز المجتمع العراقي بأنه مجتمعاً لا طبقياً، وان الطبقة الوسطى هي الغالبة، وقد حاول الاحتلال بنوعيه الأمريكي والإيراني، إلغاء الطبقة الوسطى بشتى الوسائل من خلال دعم حُثالات المجتمع، وجعلهم من الأثرياء على حساب باقي طبقات المجتمع، من خلال عمليات الفساد وغيرها، وهي ميزة تحسب لصالح المجتمع العراقي، وأن الطبقة الوسطى لا يمكن إلغائها، صحيح ان الطبقة الوسطى تضررت إلا أنها لم تلغى.

الاحتلال ودوره في الانهيار القيمي بالمجتمع العراقي

حاول الاحتلال الأمريكي من جانبه التأثير على الشباب وإضفاء الطابع الغربي في عاداته وتقاليده وقيمه، بينما قام الاحتلال الإيراني بإعادة تشكيل عقلية الشباب -الشيعي خصوصا- بما يتناسب مع النظرة الضيقة والمليئة بالحقد على الاخرين ونشر الرذائل بينهم التي تعد المخدرات من ابرزها.

ويقول الباحث “حسين أبو أيمن” في هذا الشأن: نجح الاحتلال في هذا الجانب، نجاحاً نسبياً وليس مطلقاً، والسبب ان طبيعة المجتمع العراقي هي طبيعة قبلية ومحافظة، وحتى الذين يعيشون في المدينة، فهم إما ينتمون لعشيرة أو لعائلة. ولكن طالما يوجد تيار وسطي بالعراق، فان مشروع الاحتلال لا ينجح نجاحاً مطلقاً في المجتمع العراقي. يبقى موضوع انتشار المخدرات والتجارة بها بالأخص بجنوب العراق، فإن إيران بلا شك تقف من ورائها.

يضاف إلى ذلك أن الاحتلال نجح إلى حد كبير في استبدال روح المواطنة التي كان يتمتع بها الفرد العراقي، بروح جديدة لم تكن موجودة في الماضي، وهي روح الولاء للطائفة أو القومية أو العشيرة، لتساهم بسرعة في تفكيك المجتمع العراقي، وفي هذا الصدد يقول الباحث “جمال القيسي” في بحثه المنشور في موقع طريق الإسلام: ان من أشد القيم تضررا في منظومة قيم المجتمع العراقي، هي انسلاخ الفرد أو المواطن العراقي عن دولته ومن ثم مواطنته ومجتمعه، وذلك على خلفية تحكم العلاقات الطائفية والقومية والقبلية والفئوية حتى في خدمات الدولة، إذ يجد المواطن أن دولته منسلخة عن المجتمع ولا تعبر إلا عن مصالح طائفة أو فئة اجتماعية محدودة بصورة مباشرة وضيقة، ولا تتجاوزها إلى مجموع المصالح العليا للبلاد.

المجتمع العراقي الى اين؟

وبعد ١٤ عاما من الاحتلال الامريكي، والعمل جاري فيها من قبلا الاحتلالين الأمريكي والإيراني على تغير المجتمع العراقي في قيمه وطبقاته وقومياته، وتحويل العراق إلى شبه دولة وليس دولة، ويتذيل كل قوائم الأمم المتحدة في تقييم الشفافية أو الأمن أو جودة الحياة، وغيرها من المقاييس، يا ترى هل من بصيص أمل لعودة المجتمع العراقي إلى ما كان عليه من قيم فاضلة؟

ان المجتمع العراقي وبالرغم من كل هذه المحاولات لتغير طبيعته، إلا أنه ما زال يتمسك بمجموعة من القيم والمبادئ التي تجعلنا نطمئن للمستقبل إذا رُفع عن كاهل هذا الشعب الكابوس الجاثم على صدره الأن، ذلك لأن الشعب العراقي، أدرك الأهداف الحقيقية للاحتلال منذ وقت مبكر، وما نشوء حركات المقاومة إلا نتيجة لهذا الإدراك، لكنه الأن بحاجة إلى قيادة وطنية، تؤمن بقيمة الشعب العراقي بكل أطيافه، بعيداً عن الفوارق القومية أو الدينية أو الطائفية، وجعل المواطنة هي الأساس في التعامل مع أفراد المجتمع العراقي، ولو توفر ذلك لرأينا كيف ينهض العراق بأبنائه ويعيد بناء ما خربه المحتلون، كما فعله مراراً على مر تاريخه الحديث والقديم.

تعليقات