الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 | بغداد 20° C
yaqein.net
الرئيسية » التعليم في العراق »

الجالية العراقية في الأردن .. هواجس الاستقرار والمغادرة

الجالية العراقية في الأردن .. هواجس الاستقرار والمغادرة

تعود العلاقات التاريخية بين العراق والاردن في العصر الحديث إلى المملكة الهاشمية التي حكم فرعان منها البلدين، وكان ثمة مشروع لتوحيدهما عام 1958م عبر ما عرف وقتها بـ”الاتحاد الهاشمي” لكن انقلاب تموز أجهض هذه الخطوة، ثم عادت العلاقات بين البلدين بشكل طبيعي وتدريجي حتى بلغت أوجها في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ، لا سيما في سنوات الحرب العراقية الإيرانية ثم الحصار الاقتصادي بين عامي 1991 و2003، حيث أصبح الأردن المتنفس شبه الوحيد للعراقيين ، الذين بدءوا بالتوافد عليه والسكنى والعمل فيه، واتخذه البعض منهم محطة مؤقتة للسفر إلى أوربا وأمريكا.

وبعد مجيء الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 زاد توجه العراقيين وخاصة السنة منهم نحو الأردن، حيث أصبح ملاذا لفئات كثيرة، وخاصة من مسؤولي النظام السابق وموظفي الدولة الكبار وضباط الجيش والشرطة ومسؤولين في حزب البعث ورجال أعمال وشيوخ عشائر ودين وكفاءات علمية وإدارية، وقد قرر قسم كبير منهم الاستقرار هناك في ظل التدهور المستمر للأوضاع داخل العراق.

ورغم أن الكثير من العراقيين غادروا الأردن بعد حصولهم على اللجوء الإنساني من الأمم المتحدة إلا أن فئات منهم قررت البقاء والإقامة هناك بعد تسوية أوضاعهم القانونية، ولا زال الكثير منهم ينتظر حصوله على فرصة للتوطين بعد تأخر ملفه لدى الأمم المتحدة.

ولا تتوفر إحصاءات دقيقة حول عدد المقيمين من العراقيين هناك، حيث أن الأعداد غير ثابتة، فقد شهدت سنوات العنف الطائفي ما بين عامي 2005 و2008 تدفق أعداد كبيرة من العراقيين، تجاوزت المليون ونصف بحسب ارقام حكومية، إلا أن أعدادهم حاليا لا تتجاوز المائتي الف كما تشير إلى ذلك بعض الجهات الرسمية الأردنية.

أغنياء وفقراء

ويتفاوت المستوى الاقتصادي والمعيشي للجالية العراقية في الأردن، فبعضهم ينتمي إلى فئة كبار التجار ورجال الأعمال، فيما يعاني الكثير منهم من الفقر والحاجة بدرجات متفاوتة، ويسكن محدودوا الدخل منهم عادة في عمان الشرقية لرخص أسعار الإيجارات في المناطق الشعبية هناك، مثل جبل النظيف والوحدات وأبو علندا ووسط البلد وجبل النزهة وجبل الحسين وجبل النصر وماركة الشمالية ومنطقة الهاشمي وغيرها، أما أصحاب الدخول المرتفعة وأغلبهم رجال أعمال ومستثمرون وسياسيون فيفضلون السكن في مناطق الكاردنز والرابية وعبدون وشارع المدينة وخلدا، وغيرها.

ويعمل الفقراء ومحدودوا الداخل في أعمال ومهن مختلفة، كالمطاعم والمقاهي والدهان والأفران والحلاقة ومحلات الهواتف النقالة ومحلات السوبر ماركت ومعامل الخياطة ،  وعملهم على الأغلب ليس ثابتا بحكم صعوبة الحصول على تصاريح العمل الذي يعد غير رسمي وبأجور قليلة، كما أن أصحاب العمل يخافون من المساءلة القانونية ولا يستطيعون حماية العاملين عندهم، مما يضطر هؤلاء العمال للتخفي والخروج من أماكن عملهم أثناء التفتيش الرسمي.

أما الأثرياء فأغلبهم مستثمرون، ويضع بعضهم ودائع مالية للحصول على الإقامة، أو يشتري شقة أو يفتتح مشاريع كالمطاعم والمقاهي وهم الأغلبية، أو مكاتب لتأجير السيارات، أو شركات صيرفة أو مقاولات وغيرها، مما يسهل عملية منحهم الإقامة التي تتيح لهم العمل والتنقل بشكل طبيعي.

ويتجمع العراقيون هناك في عدة أماكن لكن لقاءاتهم تكثر في منطقتي الكاردنز والرابية لكثرة المقاهي والمطاعم العراقية هناك، وقد استطاع بعض الأغنياء الحصول على الجنسية الأردنية مقابل مبالغ مالية ضخمة، بعد التأكد من سلامة ملفاتهم الأمنية.

أما الاشخاص العاديون فيعانون من صعوبة الحصول على الإقامة، وغالبا ما يلجؤون إلى معارفهم من الأردنيين لتسهيل هذه العملية ، لكن الأمم المتحدة تقوم بمنح العراقيين وغيرهم من الجنسيات ورقة خاصة تسهل لهم الحركة والتنقل تضمن لهم عدم الترحيل القسري، لكنها لا تمنحهم حق العمل.

ويقول المحامي المقيم في الاردن عادل السامرائي أن من يريد السفر من العراقيين هناك يقوم بتسوية أوضاعه عن طريق دفع الغرامات المتراكمة عليه منذ دخوله للمملكة ، لأن العراقي يمنح عند دخوله للأردن إقامة سياحية لمدة ثلاثة أشهر للسياحة، يلزمه بعدها استخراج إقامة رسمية، وإذا لم يقم بذلك فإنه يعتبر متجاوزا وتحسب عليه غرامات تصل في اليوم الواحد إلى دينار ونصف تقريبا.

ويضيف السامرائي أن مما يخفف على العراقيين المقيمين هناك أن الأمم المتحدة تقوم بمنح بعض العوائل المتعففة من اللاجئين مساعدة مالية شهرية تبلغ 35 دينارا للفرد الواحد من العائلة شهرياً بشرط عدم التحاقه بأي عمل، وهم يقومون بزيارات مفاجئة للتأكد من هذا الموضوع، كما أن بعض اللاجئين يحصلون على مساعدات صحية بشكل منتظم.

استثمارات ضخمة

وبسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق استقطبت الأردن أعداداً كبيرة من التجار ورجال الأعمال العراقيين من مختلف المحافظات لا سيما السنية منها، وقد استقر هؤلاء الأشخاص هناك وبدءوا في شراء العقارات وافتتاح مشاريع تجارية استثمارية بعضها عملاقة استفاد منها الاقتصاد الأردني بشكل كبير، حيث حدثت طفرة في مجالات الإعمار وانفتح السوق على استثمارات واسعة بعد الاحتلال الأمريكي بسبب تدفق الأموال العراقية بشكل ضخم على عمان وغيرها من المدن الأردنية.

وبحسب عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي ماجدة التميمي فإن الاستثمارات العراقية في الأردن في مجال العقارات والمقاولات والتجارة وقطاعات السياحة والفنادق والطيران والصناعات الغذائية والبنوك تبلغ نحو 15 مليار دولار، مستفيدين من حالة الأمن والاستقرار التي يعيشها الأردن، وتضيف التميمي أن الاتفاقيات التي وقعت مؤخرا مع الجانب الأردني بعد الزيارات المتبادلة بين الطرفين ستساعد في نمو حركة التبادل الاقتصادي بين البلدين، وتمهد لإقامة مشاريع عملاقة مشتركة، لا سيما في ظل الاستقرار الأمني النسبي الذي تعيشه معظم المدن العراقية، على حد قولها.

وتنتظر الحكومة الأردنية بفارغ الصبر إعادة افتتاح منفذ طريبيل الحدودي مع العراق، بعد إغلاقه إثر سيطرة تنظيم الدولة على معظم أراضي محافظة الأنبار، ومن ضمنها المناطق المحيطة بالمنفذ، لكن إحالة حماية طريق بغداد عمان إلى شركات أمنية أمريكية مؤخرا أعادت الأمل بإفتتاحه قريبا.

وقد صاحبت زيارة رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي إلى بغداد في يناير 2017 توقيع عدة اتفاقيات مشتركة، ووعود بزيادة حجم التبادل التجاري بين الطرفين قريبا، بعد تراجع حجم التجارة بينهما إلى 240 مليون دولار في عام 2016 مقارنة بحجمها عام 2015 حيث تجاوزت المليار ومائة مليون دولار.

ويأمل الطرفان في ضخ النفط العراقي عبر خط البصرة – العقبة، عبر أنبوب يمر بنحو 600 كيلو متر داخل الاراضي الأردنية ويزودها بالنفط والغاز بشكل يغطي احتياجاتها.

مشاكل جامعية

وقد استقطبت الجامعات الأردنية في السنوات الأخيرة آلاف الطلبة العراقيين الذين فضلوا إكمال دراستهم فيها بسبب تردي الوضع التعليمي في العراق، وبحسب أرقام وزارة التعليم العالي العراقية فإن المملكة الأردنية الهاشمية تحتضن نحو 4500 طالب، هذا عدا عن مئات الأساتذة الجامعيين في مختلف المجالات.

وبعض هؤلاء الطلبة يدرسون في جامعات حكومية كالجامعة الأردنية وغيرها، لكن معظمهم يدرسون في جامعات أهلية رغم ارتفاع أجورها، بسبب بعض القوانين الحكومية التي تعيق التحاق الأجانب في المؤسسات التعليمية الرسمية، ومن الجامعات الأهلية التي يكثر فيها الطلبة العراقيون جامعة البتراء وعمان الأهلية والتطبيقية والزرقاء والشرق الأوسط والزيتونة وفيلادلفيا، وغيرها.

ويقول الأستاذ في جامعة الزرقاء الخاصة سعد العبيدي أن هذه معظم العراقيين الذين يدرسون في الجامعات الخاصة هم من أبناء الأثرياء والمسؤولين، لأن أسعارها غالية، أما أصحاب الدخول المحدودة فيفضلون الجامعات الحكومية أو الأهلية الأقل كلفة.

ويضيف العبيدي أن الطلبة العراقيين منسجمون في المجتمع الجامعي الأردني، وكثير منهم متميزون في مستوياتهم التعليمية ويشاركون في النشاطات الاجتماعية والرياضية التي تقام في هذه الجامعات.

لكن الطالبة في جامعة فيلادلفيا الخاصة (نهى رأفت) تقول أنهم يواجهون بعض الإشكالات هناك، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الدراسة وعدم تساهل إدارة الجامعات مع الطلبة العراقيين في دفع هذه المصاريف، بالإضافة إلى غلاء أسعار السكن والمواصلات، وترى نهى أن جانباً من التقصير يقع على عاتق السفارة العراقية التي يفترض أن تتابع أوضاع الطلبة وتسعى لحل مشكلاتهم، مضيفة أن هذه العوائق تضيف هماً جديدا بجانب الغربة، يحاولون كطلبة التغلب عليه بصعوبة بالغة.

ووفقا لطالب الماجستير في الجامعة الأردنية (عمر الجميلي) فإن عدد الطلبة العراقيين في الجامعة التي يدرس فيها يبلغ حوالي 250 طالبا وطالبة، يدرس بعضهم الماجستير والدكتوراه في تخصصات مختلفة من بينها الطب والهندسة والقانون، ويضيف الجميلي أن إدارة الجامعة متساهلة معهم وتتعامل معهم بشكل لا يختلف كثيرا عن نظرائهم الأردنيين، لكن المشكلة الأكبر التي تواجههم هي مصيرهم بعد التخرج، حيث يعد الحصول على عمل بشكل نظامي في الأردن صعبا للغاية بالنسبة للعراقيين، كما أن نسب البطالة مرتفعة في العراق وهو ما يجعل مستقبل أكثرهم مجهولا، على حد تعبيره.

إجراءات أمنية

وبسبب الاستهداف الممنهج الذي تعرض له الضباط العراقيون من الجيش والأجهزة الأمنية السابقة فقد توجه الكثير منهم للأردن واستقروا فيها بشكل دائم، وهم يلتقون في بعض المقاهي هناك باستمرار ويتداولون في أوضاع بلدهم ويترقبون تطورات الأحداث على أمل حدوث تغيير يسمح لهم بالعودة إلى مدنهم والعيش فيها دون تهديدات على حياتهم وأسرهم.

وقد تنبهت السلطات الاردنية منذ وقت مبكر إلى خطورة التدخلات الطائفية التي تقف وراءها إيران، والتي تحاول استغلال بعض العراقيين وتحويلهم إلى حصان طروادة لاختراق المجتمع الأردني المستقر والآمن عبر نشر النزعات المذهبية فيه، فأصبحت الأجهزة الأمنية تشدد في التحقق من هويات المقيمين فيها للتأكد من عدم ارتباطهم بأي جماعات طائفية، وتعمد السلطات الأردنية إلى إجراء تحقيقات دقيقة ومكثفة في مطاراتها ومنافذها التي يدخل من خلالها الأجانب، وتقوم بالسماح بدخول العراقيين غير المتورطين بالنشاطات الطائفية ومنع بعض الشخصيات المثيرة للفتنة، وتقوم المخابرات الأردنية بين الحين والآخر بترحيل بعض الذين تدور حولهم شبهات الارتباط بهذه المشاريع، لا سيما من أتباع الأحزاب الشيعية الطائفية، وهو ما قاد البعض لاتهام الاردن بممارسة سياسة التمييز الطائفي على العراقيين المقيمين هناك، إلا كثيرا من الشيعة يقيمون في عمّان ومدن أخرى منذ عدة سنوات ولم يتم إبعادهم أو إساءة معاملتهم كما تقول السلطات الأردنية، لكنها تلجأ إلى هذه الإجراءات لمنع تمدد النفوذ الإيراني إلى حدودها، لا سيما بعد التحذيرات الشهيرة التي أطلقها العاهل الأردني حول خطورة مشروع “الهلال الشيعي” الذي تسعى طهران وحلفاؤها في حكومة بغداد لتصديره إلى الخارج.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات