السبت 21 أكتوبر 2017 | بغداد 28° C
الرئيسية » تقارير »

معاناة المبتعثين العراقيين تتفاقم بسبب الأزمة المالية والتقشف

معاناة المبتعثين العراقيين تتفاقم بسبب الأزمة المالية والتقشف

تتخذ كل الدول المتقدمة والتي تحترم شعوبها، خططًا لمشاريعها المستقبلية، منها الخمسية أو العشرية بل وتتخطى بعضها لتجعلها خمسينية، ويتم إدراج كل ما تطمح له تلك الدول وشعوبها في هذه الخطط، وتوفير أسباب نجاحها. ويعتبر الأكثر أهمية بالنسبة لتلك الدول، هو التخطيط للعملية التعليمية والارتقاء العلمي بشعبها، وذلك لأنها تعلم أن التفوق العلمي هو أحد أهم المقومات التي تكتسب من خلالها تلك الدول أسباب نجاحها وقوتها. وقد كان العراق في نهاية السبعينات وفترة الثمانينات واحدًا من هذه الدول التي مضت بهذا الطريق، وحاول اكتساب أسباب القوة من خلال الارتقاء بالمستوى العلمي لأبنائه، فكانت وزارة التخطيط تعطي الخطط والاحتياجات التي تريدها الدولة ،من الاختصاصات العلمية والتي تساهم بشكل فاعل في عملية التنمية للبلد، من كوادر وسطية وعمال مهرة، بالإضافة لحملة الشهادات الجامعية والشهادات العالية من ماجستير ودكتوراه.

وكان للعراق برامج واعدة في هذا المجال تشكّلت عبرها قطاعات واسعة من الكوادر الوسطية، بالإضافة لخريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا، ورغم ظروف الحرب التي خاضها العراق مع إيران في فترة الثمانينات إلا إن الحكومة أنذاك لم توقف تلك البرامج لإدراكها أهميتها التي تسهم في قوة العراق، حتى جاءت فترة التسعينات وما جرّته على العراق من حصار ظالم، توقفت بسببه الكثير من تلك المشاريع، وجعل الحكومة تعاني من عدم استطاعتها دعم أبسط البرامج التعليمية، واستمر ذلك الحال لمدة ثلاث عشرة سنة، تردى فيها الوضع التعليمي بشكل كبير وخسرت العملية التعليمية الكثير من الاختصاصات المهمة بسبب الهجرة التي قام بها معظم الاختصاصين لخارج البلد من أجل تأمين قوتهم.

معاناة المبتعثين قبل الذهاب للخارج:

تسببت حالة التقشف التي أُلزمت بها نفسها الحكومة في بدء معاناة الطلبة الذين يريدون الدراسة خارج العراق، حتى قبل الوصول لبلد الابتعاث؛ ذلك ما أوضحه الطالب “أحمد الشمري”  لـ”وكالة يقين” وهو يسرد لنا معاناته مع الإجراءات الصعبة التي واجهته في الحصول على فرصة الدراسة خارج العراق، حيث يقول: بدأت تقديمي للبعثة الدراسية قبل إقرار حالة التقشف التي أعلنتها الحكومة عام 2014، ولكن إجراءات التقديم استغرقت ما يقارب السنة بسبب الروتين الذي تتعامل به دوائر الدولة المعنية، تم بعدها إعلان حالة التقشف الحكومي، مما جعل معاملاتنا تتوقف بسبب هذا القرار.

لكنه يضيف، مستغربًا من إلغاء الابتعاث الخاص بهم، أن من سياقات العمل لدى وزارة التعليم العالي أنها لا تروج أية معاملة بعثة لأي طالب إلا بعد أن يكون لهم اعتماد مالي من قبل وزارة المالية، وقد كان هناك بالفعل اعتماد مالي من تلك الوزارة لهؤلاء الطلاب، والتي على أساسها تم ترويح معاملاتنا بخصوص الابتعاث، أي أن الأموال قد تم تخصيصها لهم قبل موضوع التقشف، لكن قرارات الحكومة يبدو أن لها أثر رجعي، حيث تم إلغاء هذه التخصيصات المالية وتوجيهها لمصارف أخرى وحرمان الطلبة من فرصة البعثة الدراسية”.

ويبدو من خلال كلام الطالب “أحمد الشمري” أن الحكومة تتعامل بشكل ارتجالي غير مدروس في معالجة قضايا الطلبة المبتعثين، الأمر الذي أحبط آمال الكثير من الطلاب الذين كان لهم حلم إكمال الدراسة.

الطلبة في دول الابتعاث:

لكن مشكلة الطلبة الذين بدأوا دراستهم في دول الابتعاث تبدو أكبر وأعمق؛ فكثير من الطلبة الذين هم في منتصف دراستهم أو على وشك الانتهاء منها، فاجأتهم قرارات الحكومة في تخفيض النفقات المالية لهم إلى أكثر من 53% مما كانوا يتقاضوه قبل التقشف الحكومي، كما تم  قطع رواتب المنحة تمامًا عن البعض الأخر، مع العلم أن كثيرًا من هؤلاء الطلبة مقيمون في دول الابتعاث مع عوائلهم مما يجعل تدبر أمورهم المالية على نفقتهم الشخصية أمرًا متعذرًا بل مستحيلًا، وفي ذلك يقول أحد الطلاب المبتعثين إلى ألمانيا، والذي رفض الكشف عن اسمه: نعيش خيبة أمل بسبب ما نمر به من أيام عصيبة وصراع، وأنا أرى كيف تتلاشى أحلامنا أمام أعيننا بعد ثلاث سنوات من السهر والتعب والدراسة الجامعية في ألمانيا.

كما واجهت الطلاب الذين فضلوا متابعة دراستهم على نفقتهم الشخصية متاعب أخرى عند تقديمهم طلب تمديد الإقامة لدى السلطات الألمانية. حيث تشترط عليهم أن يكون لدى الطالب إثبات للكيفية التي يمول بها دراسته. وفي حالة عدم إثبات ذلك، فيجب على الطالب أن يكون لديه حساب بنكي مغلق، به على الأقل نحو 9 آلاف يورو للعام الدراسي الواحد. ومن المؤكد أن هذا المبلغ يزداد لمن ترافقه عائلته.

وعلى ما يبدو أن وزارة التعليم العالي تغامر بمستقبل هؤلاء الطلبة، وفي نفس الوقت تتعامل بعدم مبالاة بالأموال التي تم صرفها عليهم فعليًا في الفترة السابقة، وهم حتى الآن لم يحصلوا على شهاداتهم العليا.

من ناحيته، قال الدكتور “ﺻﻼح ھﺎدي ﺻﺎﻟﺢ”، مدير دائرة البعثات في وزارة التعليم العالي لـ “ كالة يقين” : إننا لا نستطيع وفق ما خُصص للوزارة في الموازنة المالية أن ندفع الرواتب بشكل كامل دون تخفيضها. وفي حال تحسن الظرف المالي وزيادة الموازنة فسيخضع القرار للمراجعة. وبين أيضًا: أنه كانت رواتب الطلبة في السابق وقبل هذا التعديل في بحبوحة والآن الوضع المالي يحتم علينا القيام بهذا التخفيض، داعيًا الطلبة للتحمل من أجل النهوض بالواقع الاقتصادي، ومطالبًا إياهم أن يتفهموا أن القرار ليس عن حالة اختيارية وإنما هي أرقام تعجز الوزارة عن دفعها.حالات تسرب الطلبة وعدم عودتهم للوطن:

أدت تلك القرارات الحكومية المتعلقة بالتقشف إلى آثار سلبية على الطلبة المبتعثين، وظهور حالات تسرب الطلبة وعدم عودتهم للوطن بعد حصولهم على شهاداتهم العلمية، ذلك لأن قطع الدعم المالي أضطر الطالب النزول للعمل لتسديد المستحقات المالية لدراسته، ودراسة أولاده بالمدارس الأجنبية، بالإضافة لنفقات المعيشة والتأمين الصحي له ولأولاده. كما إن بعض الطلبة اضطر لتحويل دراسته من بعثة على حساب الحكومة ، إلى زمالة دراسية على حساب الجامعة التي يدرس بها، ولكن هذه الزمالات تشترط عمل الطالب لصالحها بعد التخرج، نظير ما أنفقته عليه من أموال لغرض الدراسة. وتعتبر الجامعات الأجنبية هي المستفيدة من هذا الإجراء لأنها تتحمل أجور سنة أو سنتين دراسيتين، مقابل تعهد الطالب العراقي في العمل بعقود طويله الأجل عندهم. كل تلك الأسباب وغيرها جعلت الطالب يرفض العودة للعراق بعد الانتهاء من دراسته، وزعزع الثقة بين الحكومة والطلاب المبتعثين.

ومن الجدير بالذكر أن معظم حالات التسرب وعدم العودة للوطن هم من الطلاب الذين تم ترشيحهم من قبل جمعية الشهداء والسجناء الأحرار وليس من مرشحي وزارة التعليم العالي، الأمر الذي يلقي بالمسؤولية على التوجهات الحكومية والتي تتدخل بالسياسات التعليمية بالشكل الذي يعود سلبًا على العملية التعليمية بالعراق.

ومن الأسباب الأخرى التي تجعل موقف الحكومة ضعيفًا قانونيًا في تغريم الطالب المتسرب بالكفالة المالية التي بذمته، هو أن الحكومة هي من أخلَّت بشروط المنحة، من خلال قطع رواتب المنحة أو تقليلها، الأمر الذي يجعل الطالب في حلٍ من هذا الالتزام.

أضف إلى ذلك أن مقارنة بسيطة بين حال الطالب الذي يعود للعراق وبين الطالب الذي لا يعود للعراق بعد الانتهاء من الدراسة، يجعل طالب البعثة يفضل عدم العودة للعراق، فالذي لا يعود يضمن لنفسه مكان عمل على مستوى عالمي، بأجر عالٍ، وخدمات عالية، وفوائد أخرى له ولعائلته، والخسائر بالنسبة له، هي فقط دفع الكفالة. أما الطلاب الذين يعودون للوطن، فيلاقون صعوبات في تغيير عناوينهم الوظيفية، والكثير منهم يبقى يعمل كفني أو إداري ولم يحصل على تغيير عنوانه الوظيفي، كما أن أجور العمل قليلة جدًا مقارنةً بمن فضل البقاء في الدول التي درس بها، فالأساتذة الذين عادوا إلى الوطن بعد إكمال دراساتهم والتحاقهم بعملهم لم يلاقوا غير سلسلة من الاضطهاد الوظيفي والمشاكل الإدارية والعمل في مستويات لا تليق بكفاءاتهم العلمية، ويدرسون في اختصاصات بعيدة عن اختصاصاتهم التي تغربوا من أجلها. كل هذا أدى لنزع الثقة من هؤلاء الطلاب بالحكومة وإمكانيتها لوضع حلول حقيقية لمشاكهم.

وفي هذا الصدد يقول الطالب “أحمد الشمري” لـ”وكالة يقين”: إن الغالبية العظمى من الذين يرشحون أنفسهم للدراسة يكون هدفهم هو الحصول على فرصة أكبر في التوظيف إذا كان غير موظف، أو زيادة راتبه إذا كان موظفًا، ويتساءل “الشمري” في هذا الصدد: أين فائدة الدولة في هذا الإجراء إذا كان كل الطلاب يريدون التوظيف في الدولة؟ وأين فائدة الدولة حينما تشترط على الطالب العودة إلى نفس وظيفته ونفس وزارته التي كان يعمل بها سابقًا بعد تخرجه وحصوله على شهادته العلمية؟

ويعني بهذا الكلام أن الدولة لم تكن لديها خطط مدروسة، تستطيع أن تتبين من الأعداد التي يحتاجها البلد فعلًا من حملة الشهادات العالية، وأن تضمن عدم حدوث تضخم وظيفي في دوائر الدولة فيما إذا أرادت استيعاب كل تلك الأعداد من حملة الشهادات العليا. أضف إلى  ذلك أن الدولة لم تقم بفتح المجال للقطاع الخاص وتحاول دعمه، لكي يستوعب كل هؤلاء الخريجين من أصحاب الشهادات العليا، كما يحدث في كل الدول المتقدمة.

البعثات الدراسية والسياسة:

أصبح الترشيح للدراسات العليا أحد الوسائل الدعائية التي يستخدمها السياسيون لكسب الأصوات في الانتخابات، دون أي خطة مدروسة؛ فقد قام “المالكي” حينما كان يريد التحضير للانتخابات 2010 بإطلاق مبادرة أسماها “المبادرة التعليميّة في عام 2009” لإرسال بعثات طلابيّة إلى الجامعات الأجنبيّة، تقضي بإرسال ألف طالب سنويًا في مختلف الفروع العلميّة، بالإضافة إلى البعثات التي تقوم بإرسالها دائرة البعثات في وزارة التعليم العالي سنويًا، بما يشكل أعدادًا ضخمة من هؤلاء الطلاب، وهذا الأمر يساهم في إهدار الأموال على خطط غير مدروسة، وإغراق البلد بحملة شهادات عالية لا يجدون وظيفة ولا تستفيد الدولة منهم، بينما الذي كان موظفًا بالدولة بالأصل، سوف يزيد راتبه حسب شهادته، رغم أنه يمارس نفس عمله قبل حصوله على تلك الشهادة.

مستقبل المبتعثين .. الى اين؟

إن الحكومة ، ووزارة التعليم العالي المعنية بشؤون المبتعثين، إذا ما فضّلت البقاء على نفس الوتيرة التي تعمل بها حاليًا، وتعالج قضايا المبتعثين من خلالها، فإن مؤشر الحالة التعليمية سيستمر بالاتجاه نحو الأسفل، وكل الأموال التي تم إنفاقها، بل وكل الأموال التي تحاول الحكومة توفيرها بعملية التقشف، سوف لن توقف حالة الاستمرار بالتردي التي تمضي بها العملية التعليمية في العراق، وقد تبين لنا من خلال رصدنا لمشاكل شريحة الطلاب المبتعثين العراقيين في الخارج، إن من أهم الإصلاحات التي يجب أن تقوم بها الحكومة في وزارة التعليم العالي، هي تكليف مسؤوليتها لمتخصصين في العملية التعليمية، لا أن يتم توزيع المناصب الحساسة في هذه الوزارة وفق المحاصصة الحزبية. كما وأن رفع اليد والكف عن التدخل بسياسية وزارة التعليم العالي من قبل الحكومة والأحزاب، سيكون له أكبر الأثر على نجاح العملية التعليمية في العراق، والرجوع بها إلى الطريق الصحيح الذي كانت تسلكه من قبل.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات