الأربعاء 20 سبتمبر 2017 |بغداد 28° C
yaqein.net
الرئيسية » تقارير »

لماذا لم تستطع المدارس العراقية في تركيا استيعاب أبناء اللاجئين العراقيين؟

لماذا لم تستطع المدارس العراقية في تركيا استيعاب أبناء اللاجئين العراقيين؟

لم تكن الآثار السلبية للاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، مقتصرة على الجوانب السياسية والعسكرية والإخلال بالتوازنات الإقليمية، بل وصل ذلك التأثير إلى مستويات أكثر عمقاً داخل المجتمع العراقي. والواقع التعليمي أحد تلك الجوانب المهمة التي تأثرت بإفرازات الاحتلال السيئة، فقد تردى بشكل خطير حتى وصل تصنيف العراق إلى أسفل القوائم التي تصدرها المنظمات الدولية التي تُعنى بتقييم المستوى التعليمي في العالم.

وإذا كان ما نتكلم عنه هو واقع التعليم في العراق، والذي مازالت متواجدة فيه حكومة بالرغم من ضعفها، فما بالك حينما نتحدث عن واقع التعليم بالنسبة للاجئين والنازحين العراقيين المنتشرين في بلدان العالم بسبب ظروف الحرب المستمرة دون انقطاع بالعراق، بالتأكيد الواقع سيكون أصعب وأَمّر في ظل التحديات التي تُواجهها العوائل العراقية المهاجرة.

لجوء مؤقت يتحول إلى شبه دائم

ومن دول اللجوء التي لجأت إليها العوائل العراقية هي تركيا، ولعل ظن تلك العوائل، أن بقاءهم فيها سيكون مؤقتاً، جعلهم يعزفون عن إرسال أبنائهم للمدارس التركية، فضلاً عن صعوبات تسجيل أبنائهم فيها، لأنها تتطلب منهم أوراقاً ثبوتية كالجوازات، وأخرى توضح المراحل الدراسية التي اجتازوها في العراق، وهو أمر متعذر الحصول عليه من بل العوائل العراقية التي تركت العراق بظروف صعبة وسريعة.

وبالتالي فإن هذا الأمر جعلهم يتساهلون في موضوع دراسة أبنائهم، ولسان حالهم يقول “إن خسارة سنة دراسية واحدة ليست بالمشكلة الكبيرة، وسرعان ما يتم تعويضها” ولكن السنين تمر، سنةٍ بعد أخرى، حتى أن بعض العوائل العراقية مضى على إقامتها بتركيا 5 سنوات وبعضها أكثر، حُرمَ أولادهم فيها من فرصة التعليم.

 

 

اضطرار العوائل لتشغيل أولادها للتغلب على صعوبات المعيشة

واجهت العوائل العراقية اللاجئة لتركيا صعوبة أخرى تتمثل بمستوى الحياة المرتفع مقارنة مع مستوى الحياة في العراق، مما جعل ربّ العائلة يجد صعوبة بالغة بتوفير متطلبات الحياة الأساسية لعائلته، من مأكل ومشرب ومسكن، الأمر الذي جعله يستعين بأولاده ويزجهم بسوق العمل ليتغلب على تلك الصعوبات، وهو ما شكل ” تضحية” بفرصة الدراسة التي كان من الممكن أن ينالها أولئك التلاميذ من خلال التحاقهم بمدارس الدولة التركية المجانية.

يشار إلى أن افتقار الجالية العراقية لوجود منظمات أو جمعيات توحّد جهودهم وتُعنى بإيجاد الحلول لمشاكلهم، جعل كل عائلة تواجه صعوبات الحياة بتركيا لوحدها، واضطرها لدفع ثمنٍ غالٍ من مستقبل أولادها، كان من الممكن أن تتجنبه فيما لو تأسست مثل هذه الجمعيات والمنظمات.

المدارس العراقية الخاصة

من اللافت للنظر أن الحكومة العراقية وبالرغم من الأعداد الكبيرة للاجئين العراقيين في تركيا، إلا أنها لم تبادر إلى حل أزمة التعليم لأولاد اللاجئين بتركيا، من قبيل افتتاح مدارس عراقية تستوعب تلك الأعداد. وهو ما جعل بعض المستثمرين العراقيين يبادرون لإنشاء مدارس خاصة لاستيعاب بعض الأعداد من هؤلاء الطلاب، وقد واجهت هذه المدارس الخاصة صعوبات في التواصل مع وزارة التربية وحل مشكلة الاعتراف بالشهادات الدراسية الصادرة عنها.

وفي ذلك، يقول “دريد عبد الحميد” وهو مدير مدرسة “أكاديمية المعرفة العراقية” في مدينة اسطنبول لـ”وكالة يقين”: “إن من أهم الأسباب التي جعلت هذه المدارس عاجزة عن استيعاب كافة الطلبة العراقيين، كون العوائل العراقية التي نزحت الى تركيا في أغلبها نزحت من المناطق التي سيطرت عليها تنظيم الدولة، وخرجت على عجالة من أمرها لم تتمكن خلالها من تدبير جلب الأموال الكافية للسيطرة على متطلبات العيش في تركيا، والأغلبية الساحقة من هذه العوائل فضلت عدم إرسال أولادها للمدارس العراقية أو إلحاقهم بالمدارس التركية”. ويستمر “عبد الحميد” في حديثه قائلاً: “السبب الآخر يكمن بأن الكثير من العوائل تعيش بعيداً عن المدن الرئيسية في تركيا، بسبب تسجيلهم كلاجئين في مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وبالتالي فإن الحكومة التركية توزع هؤلاء على محافظات مختلفة وبعيدة عن المدن الرئيسية”.

وأشار “عبد الحميد” إلى إحصائية قام بها الإشراف التربوي التابع لوزارة التربية العراقية، والتي كشفت عن وجود ما يقارب العشرين ألف طالب عراقي خارج مقاعد الدراسة في تركيا.

وحول الصعوبات التي تعاني منها المدارس العراقية الخاصة في تركيا، أوضح “عبد الحميد” “بأن من تلك الصعوبات هي الحصول على إذن الحكومة التركية بممارسة عملها، حيث أن الأتراك يعاملون العراقيين كسائحين وليس كلاجئين مثل السوريين الذين تلقوا تسهيلات كبيرة من الحكومة التركية، وبالتالي فإن مدارسنا يعتبرها الاتراك، مدارس دولية وينظر لها القانون التركي كشركات أجنبية، وتؤخذ نسبة 18% كضرائب من أرباح المدرسة، هذا من غير ذكر الرسوم التي تستوفيها وزارة التربية العراقية لكي تعطي المدارس العراقية في تركيا إذن العمل والاعتراف بالشهادات الصادرة عنها. ناهيك عن تكلفة البنايات المؤجرة للمدرسة وباقي الخدمات. وكل هذه التكاليف تنعكس على الطالب حيث ترتفع الأقساط الدراسية للحد الذي لا تتحمله العوائل العراقية المتواجدة هنا”.

وبشكل عام يعتبر مستوى تعليم المدارس العراقية الخاصة منخفضاً مقارنة بالتعليم التركي، بسبب الدعم الحكومي التركي للمدارس التركية، وافتقار المدارس الخاصة العراقية لأي نوع من الدعم، وعدم شمول طلاب المدارس العراقية بنظام النقل ذي الأجرة المخفَّضة كما هو الحال لطلاب المدارس التركية، ناهيك عن أجور الدراسة المرتفعة للمدارس العراقية، والتي تتراوح في غالب الأحيان ما بين ١٥٠٠ و٢٥٠٠ دولار أمريكي للسنة الدراسية الواحدة، يضاف إليها أجور النقل من وإلى المدرسة. فإذا كان للعائلة أكثر من طالب بسن الدراسة، فهذا يعني زيادة نفقات دراسة أبنائهم للحد الذي تعجز عن تحمله. ولكن مع ذلك فإن هذه المدارس لها إيجابية تكمُن ببقاء التلميذ العراقي متواصلاً بلغته ومُعترفاً بشهادته في حالة رجوعه للعراق، كما وتتميز بكادرها العربي الذي عادة ما يكون من المعلمين العراقيين أو السوريين.

 

 

وزارة التربية العراقية لم تقدم مساعدات تذكر 

وبالرغم من الصعوبات التي تواجهها المدراس العراقية في تركيا إلا أن وزارة التربية لم تقدم لها مساعدات تذكر للتغلب عليها وتسهيل العملية التعليمية لتلك المدارس، وفي هذا يقول أحد مدراء المدارس العراقية في تركيا (رفض الكشف عن هويته): “إن عدد المدارس العراقية الخاصة بلغ حتى الآن 35 مدرسة. وكان لها بعض التسهيلات من الجانب التركي في السماح لها بالعمل، وذلك بسبب عدم قدرة الدولة التركية إيجاد البديل لاستيعاب الأعداد الكبيرة للطلاب العراقيين، بالرغم من أن الحكومات التركية السابقة في التسعينات كانت متشددة في منح الرخص للمدارس العراقية بسبب أن منهاج التدريس العراقي يعتبر العثمانيين قوة احتلال للعراق في السابق، وأُغلقت في حينها المدرسة العراقية الوحيدة في أنقرة”.

ويتابع مدير المدرسة افادته بان “التربية العراقية تفرض مشرفين على الامتحانات النهائية، وتجعل تكاليف سفرهم وإقامتهم، والتي تصل أحياناً إلى 6 أو 7 آلاف دولار على عاتق المدارس التي لتضطر لتقاسم المبلغ فيما بينها لما تعانيه في الأصل من ضائقة مالية ، ناهيك عن استيفاء وزارة التربية مبلغ مليونين إلى ثلاثة ملايين دينار لغرض تجديد التصريح للمدارس العراقية بتركيا، والذي يتم تجديده سنوياً. كما وأن وزارة التربية العراقية لا تتكلف بإرسال الكتب الدراسية، مما يضطر المدارس لتحمل كلفة طباعتها بأنقرة واستيفاء أجورها من الطلاب”.

ويضيف مدير المدرسة بأن “تركيا تفرض حالياً الحصول على إذن من السلطات المختصة، قبل الشروع بافتتاح أية مدرسة جديدة، وتشترط الحكومة التركية أن تكون المدارس متوافقة مع الشروط التركية الخاصة بالمدارس، ومن المتوقع أن يتم غلق عدة مدارس لهذه السنة بسبب عدم استطاعتها الإيفاء بالشروط التي تفرضها التربية التركية عليها. وستؤدي هذه الشروط لارتفاع كلفة تأسيس مدرسة جديدة في تركيا وانعكاس ذلك سلباً على العوائل العراقية من خلال رفع أقساط الدراسة.

يذكر أن بعض المدارس تعرضت لخسارة مالية كبيرة وصلت إلى 100 ألف دولار في السنة الدراسية الماضية، وبعض المدارس لجأت إلى أفعال غير قانونية للتغلب على الصعوبات المالية، مثل بيع الشهادات المزورة، الأمر الذي أدى لغلق بعضها عندما أُكتشف الأمر.

وتحدث مدير المدرسة عن عيوب المدارس العراقية في تركيا، مثل عدم توزيعها جغرافياً حسب تركّز الجالية العراقية، فمثلاً يحتوي الجانب الأوروبي من إسطنبول على 5 مدارس عراقية بينما لا توجد أية مدرسة بالجانب الآسيوي.

فرصة سانحة

وعلى الرغم من أن مدير المدرسة يعتقد أن تركيا في طريقها لتحجيم المدارس العراقية كما فعلت بالمدارس السورية لغرض إدماج الطلبة العراقيين بالمجتمع التركي، إلا أنه يرى بأن هناك فرصة متوفرة للمدارس العراقية، من خلال تكرار تجربة إحدى المدارس العربية التي تم تأسيسها على أنها مدرسة دولية تركية وخاضعة للنظام التعليمي التركي وتحت اسم تركي، لكن التدريس فيها يكون بالمناهج العربية وباللغة العربية ، وقد لاقى هذا النوع من التجارب نجاحاً جيداً بالإمكان تعميمه على المدارس العراقية للاستمرار بتقديم خدماتها للجالية العراقية.

 

صعوبات تعلم اللغة تبعد الطلاب العراقيين عن المدارس التركية 

على الرغم من أن معظم العوائل العراقية لا ترغب بإرسال أولادها للمدارس التركية، إلا أن هناك إيجابيات لا يمكن إغفالها في هذه المدارس، مثل مجانية التعليم، وامتيازات النقل المدعوم، واعتراف عراقي بالشهادات الصادرة عن تلك المدارس، وسهولة الالتحاق بالجامعات التركية، والمستوى العالي للتدريس والبنية التحتية لتلك المدارس التي تشابه بناياتها بنايات الجامعات. ولكن صعوبة تعلم اللغة التركية، والتي تظهر جليةً في الطلاب الأكبر سناً في مرحلتي الإعدادية والثانوية، تعد أحد أهم العوائق التي تُواجه التلاميذ العراقيين فيها، وتدفع نحو عزوف الكثير منهم عن الالتحاق بها.

في ذلك تقول “أم نور” لوكالة يقين” وهي أم عراقية لثلاثة أولاد: “لقد كنا مضطرين لتسجيل الأولاد بالمدارس التركية لعدم توفر المدارس العربية في المحافظة التي نعيش بها، وحتى لو كانت متوفرة، لم يكن باستطاعتنا إلحاق أبنائنا فيها، لصعوبة توفير نفقات الدراسة التي تطلبها تلك المدارس”.

وأضافت “أم نور” قائلة: “قررت إدارة المدرسة التركية إرجاع ابني الذي كان بالصف الثاني الابتدائي إلى الصف الأول لغرض تعلم اللغة التركية قراءة وكتابة بشكل جيد، أما ابنتي التي كانت بالمرحلة المتوسطة، فقد استطاعت أن تتقن اللغة التركية بصعوبة وواصلت الدراسة فيها، فيما لم يستطع ابني الكبير ذلك وخسِر سنتين دراسيتين، واضطررنا بعد ذلك لتسجيله بمدرسة سودانية لإكمال دراسة الثانوية”.

 

وحول طبيعة الدراسة في المدارس الحكومية التركية تشير “أم نور” إلى أن “الدراسة بالمدارس التركية ممتازة وهي تكسب الأولاد لغة جديدة تنفعهم بالمستقبل، لكن المشكلة التي تواجهنا هي مع ابني الصغير، فهو لا يستطيع القراءة والكتابة باللغة العربية بشكل جيد رغم مساعدتنا له بالبيت، وذلك بسبب عدم دراسته للغة العربية بالمدرسة، وهو ما نخشى أن يؤثر عليه ويُنسيه ثقافة وطنه”.

إن عدم وجود مشاريع جادة لمساعدة أولئك الطلبة للتغلب على صعوبات تعلم اللغة التركية، لا من قبل الجانب التركي ولا من قبل أية منظمة عراقية تهتم بشؤون العراقيين، جعل الطلاب العراقيين أمام خيار الالتحاق بالمدارس العراقية الخاصة ذات التكاليف المالية العالية، أو ترك الدراسة تماماً وحرمانهم من فرصة التعليم.

أما فيما يتعلق بالتلاميذ الأصغر سناً ممن هم في عمر الابتدائية، فإن أمر التحاقهم بالمدارس التركية وتأقلمهم فيها أسهل بكثير من الأكبر سناً، لكن تبقى لهذا الأمر خطورة أخرى تتعلق في عدم قدرة هؤلاء على تعلم اللغة العربية قراءة وكتابة، ومن الممكن مستقبلاً أن يؤثر ذلك حتى على لغتهم العربية فهماً واستيعاباً.

وفي هذا يلفت التربوي “دريد عبد الحميد” إلى أنه “وعند التحاق التلاميذ العراقيين في المدارس التركية تكون هناك فجوة للتلاميذ الأكبر سناً مع الأتراك، ولا تحدث مشكلة مع الصغار، ولكن حين العودة للعراق فإن أولئك الطلبة الصغار والذين تأقلموا مع المجتمع التركي، هم هذه المرة سوف يعانون من موضوع التأقلم مع مجتمعهم مرة أخرى، وهذه حالة مأساوية تؤثر على نفسياتهم كثيراً”.

لا بد من حلول جذرية

تبقى جميع الحلول التي تقوم بها الجالية العراقية بتركيا هي حلول قاصرة وغير قادرة على استيعاب المشكلة الكبيرة لتعليم التلاميذ العراقيين في تركيا. ومن هذا فلا بد للحكومة العراقية أن تتحمل مسؤوليتها وأن تتخذ إجراءات ناجعة لحل هذه المشكلة، وإلا فإن العواقب وخيمة على مستقبل الأجيال القادمة من اللاجئين العراقيين، الذين هم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يكتسبوا ثقافة البلد الذي يعيشون فيه، وبالتالي يخسرون ثقافتهم العربية العراقية، أو أن يخسروا فرصة التعليم، مما يجعل حياتهم أكثر صعوبة وبؤساً ويزيد من نقمتهم على بلدهم ويحولهم لقنبلة مؤقتة لا نعرف متى ستنفجر.

 

المصدر:وكالة يقين

تعليقات